يحيا العالم الإسلامي اليوم فترة من أشد فتراته ضعفاً وانكساراً. وفي سبيل محاولاتنا لجبر هذا الكسر وللوقف هذا الضعف وتحويله لقوة، يجب علينا أولاً أن نبحث الأسباب التي أدت لهذا الوضع في المقام الأول، ثم نعمل على وقف هذه الأسباب وعلى عكسها، لنحصل على نتائج تعكس الوضع المزرى الذي نحياه.

 

بالطبع لم يقع هذا الوهن في أمتنا بين ليلة وضحاها ولم يحدث ايضاً نتيجة لسبب وحيد، لكن تراكم الأسباب ومرور الوقت أديا لهذا. لكن تظل هناك أسباب رئيسية ومشاكل كُبرى تُعتبر منبعاً للفساد ومصدراً لباقي المشاكل التي أدت لهذا الوضع، ويمكننا تلخيص تلك المشاكل فيما يلي:

 

  • الاستبداد السياسي.
  • المركزية.
  • التبعية للغرب.

الاستبداد السياسي:

الاستبداد السياسي كان ملازم للدول الإسلامية في أغلب تاريخها إلا ما ندر، وهذا الاستبداد كان مخففاً في بعض العصور ومركزاً شديد الوضوح في عصور أخرى. لكن ذلك لم يمنع من أن تكون الكثير من الدول الإسلامية رائدة سواء على المستوى المادي أو على المستوى الفكري، ومتقدمة جداً بمقاييس عصرها، بل أن تكون بعض الدول الإسلامية هي الدولة الأولى على مستوى العالم في كثير من الأحيان.

 

المركزية:

عاشت الدول الإسلامية أغلب تاريخها في لا مركزية، وإن لم يمنع ذلك من وجود سلطة حاكمة قوية. وقد أدى ذلك لنهوض وازدهار المجتمعات حتى ولو ضعفت الدول والحكومات في بعض الأحيان. لكن مع تطبيق نموذج الدولة المركزية الحديثة في كل دول العالم، فقد ارتبطت المجتمعات ارتباط وثيق بحال الحكومات وتصرفاتها، فإذا نجحت الحكومة والنظام الحاكم أدى ذلك إلى نجاح المجتمع بالتبعية، أما إذا فشل النظام فشلت الدولة كلها في جميع النواحي، بدون أي أمل أو منفذ في ازدهار مجتمعي بعيد عن سلطة الدولة.

 

كلما خففت الدولة من مركزيتها كانت أقرب للنجاح مجتمعيا، بسبب إتاحة الفرصة لكل من يمتلك أفكار أن يعمل ويحاول النهوض. ورغم ذلك فالمركزية قد تنجح في بعض الأحيان إذا أحسن النظام إدارة الدولة.

التبعية:

قد تنجو دولة من الفشل إذا اجتمعت فيها الصفتان السابقتان (الاستبداد-المركزية)، لكنها حتماً لن تنجو إذا كانت تابعة لدولة أخرى، وبالأخص لو كانت تلك الدولة المتبوعة عدوة. وقلما كانت الدول الإسلامية تابعة لدول غير إسلامية إلا في القرون الأخيرة. فقد تجد سيطرة لدول إسلامية مزدهرة على دول إسلامية أخرى ضعيفة، لكن لا تجد سيطرة لغير المسلمين على المسلمين إلا في أوقات قليلة، والنتيجة المباشرة للتبعية للدول العدوة دائماً ما تكون كارثية. والمثال لذلك من التاريخ هو الوضع في الأندلس ما قبل سقوطها ووضعنا الآن.

 

المدارس الحضارية المختلفة بالعالم الآن:

في العالم “الأن” ثلاث مدارس حضارية: (مدرسة دول شرق آسيا-العالم الإسلامي-أوروبا وأمريكا/الغرب) وتتميز كل مدرسة منهم بوجود نظام قيمي وعادات وتقاليد ومُنطلقات وعقائد مختلفة، بالإضافة لموروث ثقافي وتاريخي مستقل تماما عن بباقي المدارس الحضارية. تختلف هذه المدارس الحضارية كثيرا لدرجة أن ما هو خطأ في إحدى الحضارات قد يكون هو عين الصواب في حضارة أخرى، وما هو مقدس قد يكون مدنس في حضارة أخرى …وهكذا.

 

بالطبع حاول/ويحاول الكثيرون التوفيق والتجميع بين الحضارات المختلفة، لكن التاريخ والحاضر يثبتان أن “تصادم الحضارات” هو الفعل الحتمي المتكرر، بسبب وجود نظام تقييم مختلف تماما عند كل حضارة. ولذا تسعى الأنظمة المتفوقة لمحاولة اخضاع الدول ذات الحضارات المختلفة، وتحاول بكل الوسائل طمس هويتها الأصلية وإبدالها بهوية مصطنعة تابعة لحضارة الدولة الأقوى.

 

لأسباب عديدة منها الاستبداد، والقضاء على لامركزية الدول، ونتيجة لقرارات اقتصادية وسياسية وعسكرية كثيرة خاطئة على مدى زمني كبير وقعت الحضارة الإسلامية وحضارة دول جنوب شرق آسيا تحت سيطرة الحضارة الغربية. هيمنة عسكرية واقتصادية وثقافية شبه كاملة على الحضارتين. وبالطبع كانت أخطر انواع الهيمنة هي الهيمنة الثقافية، لأنها تطمس ماهية الفرد وتحوله إلى نسخة من شخصية المهيمن. فيتم تغيير نظامه القيمي وتصوراته للحياة، حتى ولو ظل بنفس الشكل والاسم كجده القديم من ألف عام.

 خطوات عامة في سبيل الحل

  • الخطوة الأولى لحل أية مشكلة هي الاعتراف بوجود هذه المشكلة. اعتراف كامل صريح بوجود المشكلة بكل أطرافها وأسبابها وتوابعها.

 

  • الخطوة الثانية هي معرفة أسباب المشكلة جيداً لعلاجها. فأي علاج ينظر للنتائج أو لظواهر المشكلة فقط، فلن يحل المشكلة أبداً. فقد يظل المريض يتعاطى المسكنات لعلاج الصداع أعواماً عديدة بدون أي تحسن سبب أن الصداع مجرد عرض للمرض، وليس المرض نفسه.

 

وأسباب المشكلة هي الاستبداد السياسي، والمركزية، والتبعية. فإن تم التخلص من الأسباب فأي عمل بعدها يكون مُجدي في التقدم.

 

محاولات الدول في المقاومة ودرجاتها

بوقوع كل الدول المسلمة تحت نظام عالمي راسخ مُتمكن تماماً من جميع النواحي العسكرية والاقتصادية والعلمية في كل العالم. وفلا تجد تصور يشذ عن رؤية النظام العالمي في أياً من تلك الجوانب. فالسعي الرئيسي يجب أن يكون عن طريق أحداث الخلل بهذا النظام ثم محاولة هدمه. وفي تصوري لا يستطيع الاضطلاع بهذه المهمة الضخمة إلا دولة ذات أرادة وتمتلك خطة مُنظمة دقيقة متأنية لذلك. فقد رأينا كيف يتم الإطاحة بحكام أقوياء لدول كبيرة اقليمياً لمجرد أنه حادوا عن الخط المرسوم لهم ولو قليلاً. ورأينا كيف يتم تدمير دول كاملة وليس مجرد الإطاحة بنظامها الحاكم.

 

وتتباين درجات المقاومة التي تقوم بها الدول تبايناً شديداً، بداية من دولة تقوم باللعب داخل إطار النظام العالمي بما يُزعج الدول العظمي، لكن بلا إخلال المنظومة ككل، مروراً بالدول التي تخرج عن الإطار المرسوم بحساب وتلعب على العيوب ومناطق الضعف في النظام العالمي كتركيا، وحتى الدول التي تعادي المنظومة ككل بمنتهى الوضوح والشراسة، وفيما أعلم فلا يوجد غير مثالان على هذا وهما دولة طالبان والدولة الإسلامية الآن. ولا يعيب أية دولة أن تكون قدرة مناورتها أقل من دولة أخرى، إلا إذا كانت لا تبذل وسعها للخروج خارج إطار النظام العالمي.

 

المحاولات الفردية للنهوض

وعلى الجانب الأخر بعيداً عن الدول وحكوماتها، يحاول العديد من الأفراد القيام بأعمال صغيرة، عسى أن تساعد مع تراكمها على نهوض دولهم، مما يؤدي يوماً ما لقدرة تلك الدول على المقاومة، ويزيد من أوراقها المتاحة للمناورة. لكن تلك المحاولات الفردية لن تؤدي إلى نتيجة، إلا إذا كانت جزء من استراتيجية دولية كبيرة، لكن إذا كانت تلك الأعمال هي الغاية في حد ذاتها، فلا أرى أي سبيل لنجاحها. وأعتقد أن أي محاولة فردية للنهوض معرضة للمحق في أي وقت بسبب اصطدامها مع أسباب الفشل الثلاث:

 

  1. تصطدم بالاستبداد لأن المستبد يُفضل شعب جاهل مريض يسهل قيادته تحت أمره وأمر ابنائه وأتباعه من بعده.
  2. وتصطدم بمركزية الدولة، لأن الهدف هو السيطرة على كل شاردة وواردة للحد من إمكانية التفكير في الخروج على السلطة.
  3. تصطدم بالطبع بالدولة المعادية المتبوعة، والتي تريد شعب من العبيد والعمال، وأرض من الموارد الطبيعية التي تستغلها لصالحها.

 

ولذلك فإن أغلب المشاريع التنموية والاجتماعية والاقتصادية تفشل، ولو بعد زمن مهما حاولت البعد عن أي شيء يثير حفيظة الدولة أو يعكر صفوها او يحتمل اي شبهة. والنماذج في مصر وحدها أكثر من أن تُحصى.

 

بالطبع فأي عمل يهدف للارتقاء الاجتماعي/الاقتصادي/الثقافي بالشعوب فهو عمل محمود، ويتمنى أي عاقل له النجاح. لكن هذا وحده لن يمثل علاج للب المشكلة. لكن بالطبع لا خلاف أنه علاج للكثير من الأعرض والتراكمات الناتجة عن المشكلة الحقيقية.

الثورات لغاية أعظم

من النقطتين السابقتين نرى أن أغلب أمكانيات الأمة مُعطلة او مهدرة بشكل كبير جداً، لذا فالحل لفك هذا الجمود وتحرير هذه الطاقات لن يمر سوى عبر بوابة الثورات او ما شابهها لتغيير الوضع داخل الدولة نفسها مما يُتيح أمكانية مقاومة الدولة ما بعد الثورة لهذا النظام العالمي.

وقد رأينا في ثورات الربيع العربي قصيرة النفس بوادر لتلك المقاومة بدرجات مختلفة، لكن هزيمة أغلب هذه الثورات أدت لاختفاء تلك البوادر سريعاً.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد