كثير من المفكرين الذين لديهم نزعة شكوكية تجاه الأديان، ومخرجات الدين على مستوى الفرد أو المجتمعات الإنسانية، يقف موقف السلب دائمًا من فكرة التدين والدين، بل يذهب بعضهم إلى إنكار معنى النبوة أصلًا، واستحالة أن يكون الله قد أرسل الأنبياء لبلاغ الدين، مما يستلزم بطلان فكرة الخلاص البشري عن طريق التعبد لله تعالى وتحقيق معنى الاستخلاف.

أول ظهور لفكرة الإيمان بوجود الله وإنكار النبوة والميعاد ظهرت عند الفيلسوف اليوناني أرسطو، إذ وصف كما يذكر ابن رشد في تهافت التهافت أن الله تعالى أحدث هذا الكون ثم استغرق في تأمل ذاته العلية، والمعاني الوجودية في عالم المثل، وانصرف عن الاهتمام بالإنسان والحياة على الأرض، وقد وصف الله تعالى –تنزه وتقدس سبحانه- بالمحرك الذي لا يتحرك، وتعد هذه النزعة الأرسطية هي الحاكمة على عقول الفلاسفة في عصر الأنوار، فكان معظمهم ربوبيًّا؛ أي مؤمنًا بوجود الله تعالى، منكرًا لأي بعد تقديسي للأديان، فتجد أن نصوصهم شاهدة بتوحيد الله تعالى وإثبات وجوده وحكمته، ويصفه بعضهم بأنه الرحيم بالعباد، إلا أنه يقف موقف السلب تجاه الكنيسة وعلم اللاهوت المسيحي.

هذا النمط من التفكير ينتهي إلى الحاد مبطن، عبر ترك مساحة كبيرة للعقل البشري للتشريع واستحداث النظم المختلفة، تحت مبرر استقلال الكينونة الإنسانية عن المتعالي المقدس، وتقديم العقل بديلًا إنسانيًّا، وقد انفجرت هذه الفكرة الحداثية إلى واقع سياسي؛ فهي التي دفعت بجموع الثوار الفرنسيين إلى اقتحام كنيسة sainte mari مريم العذراء، وإقامة قداس للعقل، إذ أحضر كما يصف أحد المؤرخين بدماغ بشري، وضع على نصب كبير، وصلوا له بعد تحطيم التماثيل المجسدة لعيسى ومريم -عليهما السلام-.

أما في بريطانيا فقد وصف أحد أشهر الفلاسفة ورجال التشريع جريمي بنتام «geremy Bentham» رجل الإصلاح الديني مارتن لوثر بالكذاب والمدلس ومزيف الحقيقة المسيحية، وهكذا فإن فكرة الحداثة والاستقلال بالتشريع هي نتاج الفكرة الربوبية، التي تحيل فكرة الوحي والنبوة مع الإقرار بوجود الله، وفي ما يلي تلخيص للأدلة التي اعتمدها المتكلمون الإسلاميون في إثبات النبوة وما يتبعها من صحة مفهوم الوحي والأديان.

1- النبوة ممكنة عقلًا: أحكام العقل التي قررها المنطق الصوري هي ثلاثة أحكام، وهي الوجوب الذاتي، والوجوب لعلة خارجية، والإمكان والاستحالة الذاتية، والاستحالة لعلة خارجية، والعقل يمكنه تصور وجود شخص له من الكمالات النفسية، وصفاء العقل، وقوة البدن، ما يتحمل به بلاغ رسالة إلهية للبشرية، وفق اختيار مسبق وفق هذه الصفات، كما يمكنه أن يتصور وجود اتصال مباشر بين هذا الشخص وبين الحضرة الإلهية عن طريق وسائط خفية؛ فالعقل أصالة لا يحيل تصور هذه المعاني ولو على سبيل التجريد.

2- النبوة متحققة خارج الأذهان: النبوة ظاهرة تاريخية واجتماعية وأثرية قبل أن تكون معنى ذا بعد مقدس؛ فالمجتمعات الشرقية التي دونت تاريخها عن طريق الكتابة والرسم أرخت لهذه الفترة، ففي المتحف الفرنسي صورة لإبراهيم -عليه السلام- مع الملك العربي الكنعاني «ملكي صادق» يعود تاريخها الأحفوري التقريبي إلى عام 3324 ق.م أي بعد التاريخ المفترض لولادة إبراهيم -عليه السلام- والمقدر تاريخيًّا بـ2324 ق.م، وعام 1850 ق.م مما يزيد احتمالية صحة الصورة، خصوصًا وهي تتطابق مع التفاصيل المذكورة في الكتب السماوية والوثائق الأخرى التي تجمع على تنقل إبراهيم – عليه السلام- بين منطقة حبرون «الخليل»، وأرض فاران «جبال الحجاز»، فضلًا عن إثبات صحة شخصية إبراهيم كذات مستقلة موجودة، وليست مجرد شخصية وهمية لا وجود لها، أضف إليه وجود نصوص هيروغليفية في لوح الحلم الذي عثر عليه تحت تمثال أبي الهول تمجد التوحيد، وتشير إلى أحد الأنبياء وهو خنوخ «بالتسمية العبرانية» أو أخنوخ وهو إدريس –عليه السلام- كما توجد أضرحة كل من إبراهيم وابنه إسحاق ويعقوب ويوسف -عليهم السلام- في مدينة الخليل القديمة، وتحديدًا في الحرم الإبراهيمي، فيستحيل علميًّا افتراض انعدام شخصيات الأنبياء في التاريخ.

3- النبوة وضع إلهي يقتضيه اللطف: وجود الله تعالى يقتضي أزليته، ولولا ذلك لما استحق الربوبية والألوهية، وأزليته وقدمه يقتضي حدوث هذا الوجود لاستحالة اجتماع قديمين في محل واحد؛ فإذا ثبت أن الله قديم وأنه هو محدث الوجود، اقتضى بلطفه أن يخص أعيانًا من بني البشر ليكونوا الواسطة بينه وبين حضرته، ولو فرض أنه خلق الخلق ثم لم يخص أفرادًا بهذا التكليف لاقتضى أن يكون إحداث الكون عبثًا، فما الطائل من خلق وجود وإنسان ثم لا يتبعه بوضع يخط له به ما يصلحه في الحياة وبعد الممات، هذا الكلام الذي قرره الإمام النظارة أبو عمر الرازي -رضي الله عنه- يدل دلالة واضحة على تهافت المقاربة الأرسطية لمعنى الألوهية، والتي وصفت الذات الالهية بأنها استغرقت في التأمل وتركت الإنسان ليواجه مصيره وحده، وفي هذا الصدد يقول الإمام النظارة أبو بكر الباقلاني، النبوة خطة رشد إلهية، ودونها يرتفع معنى الابتلاء، ومعنى المحاسبة، ومعنى التكليف بالشريعة أصلًا؛ لأن العقل لا يستقل بإدراك الأحكام دون أن يكون له كاشف من الشرع يحقق له وجوب الاستحسان والاستقباح، ووجوه الاستصلاح، فاقتضى الله بلطفه بالعباد أن يرسل لهم من يرشدهم، ولولاه لضاعوا وأهلكوا أنفسهم وهذا ما لا يرضاه المولى.

4- العقل لا يستقل بالتقبيح والتحسين: يقول الإمام النظارة سيف الدين الآمدي: فإن قالوا إن العقل له استقلال بكشف الأحكام لحاكمناهم إلى عقولهم فقلنا ما بال أقوام حرمت الزواج وجعلته شرًّا محضًا، وما بال أقوام جعلت التسافد بين الابن وأمه خيرًا محضًا، وما بال أقوام جعلت التخصي من كمالات الرجولة، وما بال أقوام أباحت اللواطة وسكرت في غيها، فإن قالوا هذا قبح محض قلنا مما عرفتم قبحه بعقولكم أم بمقتضى الشرع؟ فإن قالوا بمقتضى الشرع، قلنا إذن لزمكم القول بأن التحسين والتقبيح يستقل به الشرع. هذا الكلام من النظارة الأمدي -رضي الله عنه- وإن كان في مقام الرد على أهل الاعتزال فإنه يصلح للاستدلال على أهل الحداثة اليوم، الذين يزعمون استقلال العقل بحرية التشريع تحت مبرر عدم صلاحية الشريعة، والتشريع فرع النبوة والوحي، فكان الوحي ضرورة تقتضيها خطة الرشد الإلهي.

النبوة ضرورة عقلية وحقيقة واقعية يقتضيها الإيمان بوجود الله ربًّا حكيمًا عادلًا رحيمًا بعباده، فيستحيل كما قدمنا سابقًا أن يخلق الله تعالى هذا الكون ويستخلف فيه الإنسان دون أن يعطيه الإطار العام الذي يرشده في الحياة، وما ذلك إلا لقصور العقل الإنساني ونسبيته في التصور، والتسليم بهذه المقدمة ينقض فكرة الإله التجريدي الذي تصوره أفلاطون، أو المحرك الذي لا يتحرك الذي تصوره أرسطو، والذي اعتمدت الفلسفة الحداثية المعاصرة في عصر الأنوار مقاربتهما لإنكار أي بعد تقديسي للأديان.

لقد حاولت في هذه المقالة نقاش قضية الإيمان بوجود الله مع رفض فكرة الأديان، والتي تستند إليها الأطروحة الحداثية فيما بعد للتبرير لاستقلالية الإنسان في التشريع، وبناء المنظومات الأخلاقية والمعرفية، بعيدًا عن أي معنى ماورائي غيبي، وذلك ببيان الأدلة التي صاغها المتكلمون في إثبات النبوة والله المستعان وعليه التكلان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

( الايمان بين الفلسفة والعلم والقران ) نديم الجسر ص 124 , (الانصاف في ما يجب اعتقاده ) ابي بكر الباقلاني ص 241/ 242 , ( الاربعين في اصول الدين ) فخر الدين الرازي ص 90/91 , (الارشاد في علم الكلام ) فخر الدين الرازي ص144 , ( غاية المرام في علم الكلام ) سيف الدين الامدي ص 120 , ( الشامل في اصول الدين ) ابو المعالي الجويني ص 314 , (تاريخ الفسلفة الغربية )ابراهيم الزيني ص 411 , (النبوة في التاريخ والاثار ) ص 252/ 253/ 311, ( تهافت التهافت ) ابن رشد ص 322
عرض التعليقات
تحميل المزيد