الإنسان بطبيعته مخلوق ذكي بما ركب الله فيه من ملكة الاستقصاء والملاحظة التي تولد في نفسه السؤال الدائم والمستمر أن الإنسان كائن لحوح مسكون بالسؤال باحث عن الحقيقة، سواء كانت ذات بعد مادي، حيث دفعته لتسخير الطبيعة وفق قوانين السببية، أو ذات بعد معنوي تدفعه للبحث عن الجوهر الكامن وراء الاعراض التي يلحظها في الوجود.

ولعلي لن أطيل التقديم كثيرًا لألج في صلب الموضوع الذي وسمت به هذه المقالة، ألا وهو استشكال لماذا وجد الشر في الكون؟ لماذا وجدت الأمراض والفقر والجوع والحروب والقتل والموت وسائر الآلام التي تحصل للإنسان؟ إنها باختصار ما يصطلح عليها فلسفيًا بالشر الأنطولوجي الذي لا يتسبب فيه الإنسان أصالة، بل هو ملازم للوجود.

وربما ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع شعور متواضع بأن كثيرًا من المسلمين اليوم، خصوصًا الشباب، لم ترسخ له قدم في اليقين والإيمان، أو ربما تخطفته شبهات هنا وهناك، يشعر بأن الله يظلم عباده المسلمين الموحدين، حيث أصبحوا مثل الأيتام على مائدة اللئام من القوى الكبرى التي تسهدف الإسلام كفكر وعقيدة وككيان سياسي أيضًا. نعم فالأمر خطير، وهو من عموم البلوى، ولقد أصحبت أسئلة مثل لماذا لم ينصر المسلمون ودمرت مجتمعاتهم وقسمت أوطانهم! أو سؤال نحو لماذا ندعو الله تعالى منذ سنوات ولم يستجب لنا! طبعًا هذا على المستوى العام للأمة، أما على المستوى الشخصي، فتجد أسئلة من نحو لماذا ابتلاني الله بهذا المرض! أو لماذا أعيش فقيرًا طيلة حياتي، وكثير من أحلامي لم أحققها بسبب قصوري المادي! وقس على ذلك مثل هذه الاستشكالات ذات الطبيعة العقدية والفلسفية، والتي ما عادت الأجوبة النمطية تشفي لها غليلًا أو تدواي عليلًا.

ينبغي علينا إدراك عمق الموضوع؛ فهو مرتبط بأفعال الله تعالى في الوجود، وأفعال الله تعالى لا تنفك عن صفاته المنزهة عن كل نقص، هذه المقدمة التي ينبغي ابتداء التسليم بها كقناعة عقلية؛ فمنكر وجود الله تعالى لا يمكن نقاشه في قضية الأفعال، وهل يصح أن يطلق عليها توصيف الشر أم لا قبل الوصول إلى نتيجة ذات بال في قضية وجود الله تعالى أصالة، وعليه فإن الملحد يستثنى منهجيًا من معالجة المقال؛ لأفرد له مقالات أخرى إن قدر المولى تبارك وتعالى. إن النقاش هنا ينحصر في المؤمن الموحد المقر بوحدانية الله وحكمته وعدله المطلق، ومناسبة هذه المقدمة لما يراه من شرور وجودية من أمثال الحروب والموت والفقر والجوع والمرض والنكسات المتتالية على هذه الأمة وما تنتجه من الشعور بالمعاناة والألم.

وللجواب ينبغي مقاربة القضية من عدة أوجه، وأول مقاربة ينبغي أن صياغتها هي تحديد ماهية الشر نفسه لا مجرد تحققاته في الوجود، فنحن نسلم أن المرض والجوع والفقر والحرب شرور، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها لا تحمل في طياتها مجموعة من المنافع، ولو لم تظهر على المستوى الفردي، إلا أنها تظهر عن طريق التراكمية المعرفية والتاريخية للتجربة الإنسانية، ومثال ذلك تجرية الزلالزل في الأرخبيل الياباني جعلت الرجل الياباني يفكر في تصميم عمارات مضادة للزلازل لتجنب الخسائر البشرية وقد لاقت نجاحًا باهرًا وكسائر الامراض التي تمكن الانسان عبر البحث والتجربة من اكتشاف لقاحات ناجحة لعلاجها، وهكذا فإن الشر الوجودي يملك في طياته منافع إنسانية تكتشف عبر تراكمية من التجربة والمعارف وإن حملت في طياتها الألم والمعاناة للإنسان، إذًا فالشر هنا نسبي في تجلياته الواقعية، فالمرض هنا أنتج لنا الدواء المضاد، والزلزال هناك أفرز لنا هندسة معمارية ذات تقانة عالية وهكذا.

أما المقاربة الثانية فمتعلقة بحكمة الله تعالى، وكما قلنا سابقًا ما لم يعتقد الإنسان بوجود الله كقوة قادرة حكيمة مدبرة لشأن هذا الكون، فلا يصلح النقاش معه حول أفعال الله وعلاقتها بحكمته، وفي هذا الصدد يقول الكاتب والمفكر الأيرلندي (سي إس لويس): (من ليس في قلبه الله، فليس بإمكانه أن يشعر بغيابه).

فإذا انعدمت الأضداد لم تتمايز الماهيات عبر الجنس والفصل، وهكذا فإن الشر لا يكون له مفهوم إلا إذا قوبل بالخير، وإذا فرض معنيان متضادان لزم أن يكون معيارًا أخلاقيًا يصنف هذا الفعل أو ذاك في خانة الخير أو الشر، وإذا كان الإنسان قادرًا على الفصل بين الشر والخير وفق معيار أخلاقي أصبح يشكل مصداقًا لفكرة إله عادل حكيم، والإشكال هنا عند الملحد متعلق بمناسبة الفعل الوجودي  بفكرة العدالة والحكمة الإلهية، أما الإنسان المؤمن يصدق ويسلم بفكرة العدل والحكمة الإلهية أصالة، فلا داعي لمعالجة الموضوع في هذا المستوى، وإنما النقاش يكون في فكرة الحكمة والعدل، فنحن نسلم كمؤمنين أن هذا الكون والوجود خلق وفق نظام متقن محكم، ولولا ذلك لما سمح بدسترته وفق قوانين محكمة، ونسلم بعدل الله، ولولا ذلك لما قام تكليف، وأرسلت رسل، وأنزلت كتب، إلا أن مشكلة موت طفل صغير بمرض عضال مثلًا أو مولده معاقًا أو غير ذلك من الحالات تحرك السؤال نحو تطلب الحكمة والعدل في مثل هذه الحالات، إلا أن العدل المطلوب هنا عدل جزئي مقصور على هذه الحالات، والتي أخفيت عنا ضرورة للتسليم بالعبودية لله تعالى في مثل هذه الحالات، فقصور العقل عن الوصول للحكمة في هذه الحالات لا ينفي وجودها، إلا أن العقل قاصر عن كشفها مع التسليم بالمفهوم الكلي للعدل والحكمة؛ فتبقى مساحة بين المفهوم الكلي وتحققه الجزئي تملأ بالتسليم لله تعالى بالنسبة للمؤمن، ويبقى الإشكال قائمًا للملحد حتى يسلم بوجود الله.

المقاربة الثالثة متعلقة بفهم طبيعة الوجود والكون القائم على التضاد بين الأشياء، فالوجود قائم على الحياة والموت والصحة والمرض والقوة والضعف والفقر والغنى والله تعالى خلق لكل خصائصه المضادة للآخر، وهذا كله من أجل فهم التكامل في الوجود عبر التضاد بين المفاهيم والمعاني التي يحتويها هذا الوجود، وكذا إدراك الضعف والعجز والقصور الإنساني، وهذا من عظيم حكمة الله تعالى في الخلق، قال تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى وأنه هو أغنى وأقنى) الآية.

فلو فرض وجود الحياة فقط دون موت، أو الصحة دون مرض، أو الغنى دون فقر، أو السعادة دون تعاسة وحزن، أو نجاح دون معاناة وألم؛ لأدى ذلك لغياب معاني هذه الأخيرة، ومنه غياب معنى الوجود أصلًا، فلا بد من التضاد بين المفاهيم من أجل تكامل الوجود، كذا لو فرض وجود إنسان قوي غني ناجح سعيد يملك كل صفات الإيجاب لأدى ذلك لخروجه عن مقتضى الإنسانية المبنية على الضعف والعجز والخطأ والقصور، ولأدى إلى إحساسه بالكبرياء والجبروت الذي يتعالج اليوم في الفكر الغربي المادي القائم على إنكار معاني الغيب، وقد أشار القران إلى هذه الحقيقة قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) الآية.

إذا قاربنا مشكلة الشر بمثل هذه المقاربات الكلية زالت بعض الإشكالات المتعلقة بجزئيات الحقائق المتعلقة بالمرض والموت والفقر والحروب ونحو هذا من شرور وجودية.

هذا ما استطعت تقديمه وتبسيطه في مثل هذه الإشكالية الفلسفية التي يعاني منها كثير من شباب المسلمين اليوم، والله تعالى أسال الهدى والرشاد والتوفيق.

المصادر:-

1- العقيدة الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص 314.

2- صراع مع الملاحدة  عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص 140.

3- حوار مع صديقي الملحد، مصطفى محمود ص 45.

 4- الوجود والعدم، مصطفى محمود ص 123.

 5- مشكلة الشر ووجود الله، سامي عامري ص 55.

 6- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل،  ابو بكر بن القيم الجوزية ص 88/ 89.

7-  تهافت الفلاسفة، أبو حامد الغزالي ص 232 / 233.

 8-  كواشف زيوف المذاهب الفكرية المعاصرة،  عبد الرحمن حسن حبنكة ص 88/ 89.

 9- سلسلة مطرقة البرهان وزجاج الالحاد، عدنان ابراهيم.

 10-  للكون إله،  صبري الدمرداش ص 133 /134.

11- الإنسان ذلك المجهول، موريس بوكاي ص 172.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد