الأطروحة الحداثية -كما قررت في مقالات سابقة- تنظر إلى الوجود والإنسان كمعنى مستقل عن أي متعالٍ مطلق، مستغنٍ بذاته عن أي بعد ماورائي، يسعى لحد ماهية الوجود، هذا البعد الماهوي هو الذي يعمل بأثر رجعي على تحديد طبيعة السلوك الإنساني، هذا السلوك الإنساني الذي لا ينفصل في الأطروحة الحداثية عن العقل معنى تجريديًّا مطلقًا ليست للنسبية أي دخل في ماهيته، فالأطروحة الحداثية تقارب العقل الإنساني جوهرًا قائمًا مستقلًا مكتفيا بذاته، وهذا كما قررنا سابقًا راجع إلى إنكار الحداثة للمعنى المفارق المطلق المتمثل في الله والنبوة والوحي.

يقول عالم الرياضيات والفيلسوف الألماني غوتفريد لايبنتز «Gottfiriede wileame Leibniz» حقائق العقل لازمة وأبدية ومطلقة وفق مفهوم العلة الكافية، والعقل تجريدي بما يكفي للتأسيس للمعرفة التي تنطلق من الإنسان وتعود إليه.

ويقول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت «Rene Descartes»: إن معرفة الحقائق الخالدة، بما فيها الحقائق الرياضية، وأسس المعرفة، والأخلاق، لا يمكن تحصيلها إلا من العقل المحض، واستثنى الفيزياء التي تخضع لمنطق التجربة، فهنا نلاحظ كيف أدرجت الأخلاق، أو على الأقل أسس الأخلاق كما عبر عنها الفيلسوف ديكارت في تحديد ماهيتها للعقل المحض.

ويقول الفيلسوف الهولندي ذو الأصول اليهودية باروخ سبينوزا: إن الوجود يحكمه مفهوم التناقض والتضاد بين الأشياء، وهذا التناقض يخلق فجوة تمكن العقل الإنساني من اكتشافها ثم استغلالها لصالحه، دون أن تكون له حاجة ملحة لأي مفهوم غيبي يطرح نفسه في العهد القديم والجديد.

لعل هذا النص المنقول عن الفيلسوف باروخ سبينوزا أكثر النصوص صراحة في مقصود المقال؛ فهو جعل العقل الإنساني مستقلًا بذاته عن أي طرح غيبي، عبر عنه في المشهد الأوروبي، ذي البعد اليهودي تحديدًا، بالكتب المقدسة، العهدين القديم والجديد «التوراة والإنجيل» بعد وقوع التحريف فيها نصًّا ومعنى، هذه النزعة العقلانية التي يؤرخ لها في المشهد الأوروبي من سنة 1519- 1716، وهو تحديدًا تاريخ حياة هؤلاء الفلاسفة الذين نقلنا نصوصهم فيما يتعلق بمفهوم العقل وتجريديته، إن الأطروحة الحداثية اليوم تعتمد هذه النزعة العقلانية الأوروبية، زمن عصر الأنوار لتطوير مخرجات إبستيمولوجية وأخلاقية وفلسفية، تحاول تفسير الوجود والإنسان، وهذا ما مهد بأثر رجعي للحداثة العربية المعاصرة.

إن مشكلة الحداثي العربي ليست فقط انطلاقه من المشهد الأوروبي الغربي في التأسيس لأطروحته، هذا المشهد الذي عرف الصراع التاريخي المعروف بين اللاهوت والعقل، بل محاولته إيجاد الشبيه والمثيل الإسلامي الشرقي؛ من أجل خلق حد أدنى من التبرير للأطروحة الحداثية القائلة إن المشكلة هي مشكلة حرية إنسانية، سواء أكان ذلك في الشرق أم الغرب؛ فهي تجلٍ مظهري لجوهر واحد، هو صراع اللاهوت مع العقل، الدين مع الإنسان، الوجود مع الغيب، وعليه فإن نموذجي الاعتزال وابن رشد يشكلان الحاضنة التاريخية الأمثل لمثل هذا الطرح.

وفي هذا الصدد يقرر محمد عابد الجابري أن ظهور فرقة الاعتزال في التاريخ كان رد فعل لمصادرة العقل وتجاهل دوره في الإسلام، وهذا نصه: «إن الفكر الاعتزالي أنتجه إلغاء العقل من الخريطة السياسية والدينية، فقد كانت المؤسسة الأموية تؤسس لخطاب الجبر»، كما يقول الجابري عن ابن رشد – رضي الله عنه- «إن تهمة الزندقة طالت قاضي قضاة قرطبة وفيلسوفها أبا الوليد ابن رشد، لقد كانت تلك التهمة الفضفاضة سيفًا مسلطًا من طرف كل من لا يريد للعقل أن يتحرر».

كما يقول الدكتور جابر عصفور، وهو مفكر مصري ويشغل منصب وزير الثقافة حاليًّا، عن المعتزلة: «العدل عند المعتزلة هو صرخة الإسلام ضد الهيمنة اللاهوتية التي عززها الفقهاء ورجال الكلام بضوء أخضر من السلطة الأموية في تلك المرحلة، لاغتيال العقل الحر الذي مثله المعتزلة».

يصور هذا الطرح الحداثي العربي تلك الفترة التي شهدت الزخم الفكري الإسلامي تحت عنوان الصراع بين العقل الإسلامي الحر، والحال هنا «المعتزلي»، وبين سلطة الكهنوت الإسلامي «الفقهاء وعلماء الكلام»، وهو استنساخ شبه كامل للنموذج الغربي الصراعي في الفضاء الإسلامي، واستمداد تاريخي غير مبرر لاختلاف كثير من المعطيات عن الحالة الغربية، فهل فعلًا تصوير تلك النخبة للمرحلة التاريخية صحيح أم فيه نوع مبالغة أو لنقل تحكم في التأويل من أجل تبرير الأطروحة الحداثية العربية.

1– بدايةً.. ما التحديات التي بررت للاستجابة الاعتزالية؟

إن نصوص أعلام الاعتزال، وبعض المعطيات التاريخية، تبين أن الاعتزال إنما ظهر نوعًا من الاستجابة لجملة تحديات فكرية وسياسية في تلك الفترة، وليست بالضرورة للمعطى السياسي الجبري أصالة، والذي هو جزء من كل ساهم في التأسيس للمقولة الاعتزالية، إننا نجد فكرة الجوهر والعرض، واستحالة قيام الأعراض دون جوهر مستقل، التي طرحها الأب يوحنا الدمشقي في تصور الذات الإلهية، هي من دفعت أرباب الاعتزال إلى صياغة نظرية حول طبيعة الذات الإلهية اتسمت بنزعة سلبية، عنوانها نفي الصفات «الأعراض»، وتجريد الذات «الجوهر»، ثم لدينا فكرة المنزلة بين المنزلتين جاءت نتاجًا لطبيعية الصراعات التي طبعت المرحلة الأولى من تاريخ الإسلام وما صاحبها من إراقة دماء، وانشقاقات فكرية، واجتماعية، وسياسية، جعلت السؤال حول حكم هؤلاء المشاركين في تلك الأحداث مبررًا في ذلك السياق، أما العدل والوعد والوعيد فهي محاولة اعتزالية للحفاظ على منظومة القيم في المجتمع الإسلامي، خصوصًا في الطور العباسي، إذ كان الانحراف السلوكي يهدد بتقويض معنى التكليف، وفي هذا الصدد يقول النظارة أبو عثمان الجاحظ، رحمه الله تعالى: «وليت شعري هؤلاء الذين يبيتون ليلهم في الطبلاخنة يقارعون دنان الخمر، ثم يصبح أحدهم ليقول إن الله يغفر لمن يشاء من عباده، أي مغفرة ترتجى لتلك الشرذمة، وهل كذب ربنا حين قال شديد العقاب ذي الطول».

إن هذا النص من الإمام الجاحظ يشير إلى انحراف في المعطى السلوكي، وهو الذي مهد لصياغة نظرية العدل والوعد والوعيد، التي كان غرضها بالأساس الحفاظ على ماهية التكليف في التصور الإسلامي، ليتبقى لدينا فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي التي فعلًا تعد نتاجًا طبيعيًّا للاستبداد الأموي، الذي حاول استحداث خطاب جبري غرضه الأساسي تمكين سياسته الداخلية من الاستمرار والبقاء، في ظل معارضة قوية سجلها التاريخ بكل موضوعية وإنصاف.

إذا نظرنا إلى بعض هذه النصوص والمعطيات التاريخية في استقراء جزئي صعب علينا استساغة مقولة: إن الاعتزال هو نتاج مجرد الصراع بين الخطاب الفقهي الذي صاغته اليد السياسية الأموية، وبين حرية العقل الإنساني وإعطائها صفة الكلية والاستغراق، بل هو أقرب كما قررنا سابقًا لتسويق نموذج الغرب في فضاء الشرق عند الحداثي، إن الاعتزال نتاج تراكمية تاريخية ولدت خبرة معرفية لها سياقاتها الموضوعية، وليست بالضرورة صراعًا بين لاهوت الإسلام «فقهاء ومتكلمين» وبين العقلانيين المسلمين «المعتزلة» فهذا التفسير فيه اختزالية لتبرير طرح معين مع الاحتفاظ بحقيقة أنه إجحاف في حق تلك المدرسة الإسلامية الأصيلة.

2– ما طبيعة الخلاف حول قضية التحسين والتقبيح؟

هناك إشكالية في تصور هذه القضية وهذا الإشكال، تم سحبه في الطرح الحداثي بأثر رجعي دون إدراك طبيعة الخلاف وأسبابه الموضوعية، بين المعتزلة وجمهور أهل السنة؛ فالصراع لم يكن حول حدود العقل أصلًا، وإنما كان حول قضية العدل الإلهي، وفلسفة التكليف بالشريعة، فالمعتزلة قاربوا الموضوع من وجهتي النظر الآنف الذكر ليقرر الاعتزال أن الإنسان مكلف في جميع أحواله، فإن لم يكن بوجود شرع؛ فالعقل الإنساني بديل عنه، وهو كاف للتوصل إلى معرفة خالق مستحق للعبادة، وإدراك أصول الأخلاق العامة التي تضبط السلوك الإنساني، وعليه فالله لم يظلم هؤلاء بعدم تكليفهم بشرع، بينما وجهة النظر السنية لم تنكر فكرة التكليف والعدل، وإنما لم تحصره ضرورة في الوجود الحالي، فقالت بوجود أنواع أخرى من التكاليف في طور وجودي أخروي أو تكاليف بشرائع الأمم السابقة، بل قررت أن للعقل قدرة على اكتشاف الحقائق الأخلاقية في الأفعال، إلا أنه لا يترتب عليها جزاء أو عقاب؛ لأن الشرط الأساسي في التكليف مفقود، وهو المعنى المفارق أي «الوحي»، وطبيعة هذا الخلاف تنحصر قبل ورود الشرع لا بعده، وهو كما قلنا له علاقة مباشرة بمعطى العدل والتكليف، لا بحرية العقل، ورضي الله عن النظارة أبي حامد، إذ يقول:

«إن كلا الفريقين متفقان على وجوب اتباع الشرع بعد وروده، وإنما الخلاف في فترته وانقطاعه».

وعليه فإن عنونة الصراع في قضية التحسين والتقبيح بعنوان حرية العقل الإنساني بين الاعتزال وبين الفقهاء والمتكلمين تفسير بعيد جدًّا عن الحقيقة المعرفية التي يعالجها دارس علم الكلام، والمعتزلة من أوائل الملتزمين برسوم الشريعة وحكمهم بخلود صاحب الكبيرة في النار في الآخرة معروف ومتداول.

3- مفارقات بين الاعتزال القديم والحداثة المعاصرة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فكما قررنا سابقًا أن المعتزلة قالوا بوجوب الأمر بالمعروف مع العوام والخواص، والمقصود بالخواص في الاصطلاح الاعتزالي الحكام والولاة، وقد خاض الكثير منهم صراعات مع السلطة، خصوصًا أيام عمر بن عبيد، إلا أن ما نراه في الطرح الحداثي عدم الخوض إطلاقًا فيما يتعلق بالشأن العام، خصوصًا السياسي، إلا في القليل النادر، والكثير منهم يبرر ذلك تحت عنوان الاشتغال على إحداث الثورات الفكرية قبل الاشتغال على الثورات الاجتماعية والسياسية.

الخلفية المعرفية: المعتزلة معظمهم فقهاء ومتكلمون وأصوليون من الطراز الرفيع جدًّا، وإسهاماتهم في بناء المعرفة الإسلامية لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، إلا أن المفارقة بينهم وبين الحداثة العربية المعاصرة أن تجد كثيرًا من نخبها لا تحسن تصور بعض أساسيات العلوم الشرعية، فضلًا عن الاعتراف بها، بينما تريد تسويق المناهج المعرفية الغربية كبدائل لمناهج الفقهاء والمتكلمين، ونصوص عابد الجابري في نقده مفهوم الإجماع وأخبار الآحاد مثلًا طافحة بالخطل وعدم الوضوح في التصور، وقس عليه، ولذا فلا غرابة حين نجد أن المدرسة الاعتزالية قدمت للفكر الإسلامي مخرجات قيمة في ما يتعلق ببناء المعرفة الكلامية والأصولية، بينما لم تقدم الحداثة ولا النزعة التاريخانية أي بديل معرفي متناسق حتى اليوم.

الموقف من الشريعة الإسلامية: المعتزلي قديمًا ملتزم برسوم الشريعة الإسلامية، بينما الحداثي اليوم يرى في الشريعة الإسلامية مرحلة تاريخية ينبغي إعادة النظر فيها جملة وتفصيلًا، وهي ليست بالضرورة تحمل صفة التقديس، يقرر الحداثي هذا الطرح بينما، كان صنوه المعتزلي قديمًا يرفض الاعتراف بالإيمان لمن يقصر في حق جانب الشرع، ويحكم عليه بالخلود في النار، ويشدد الوعيد عليه، فهل ترى الحداثي اليوم الذي يتمسح بالنزعة الاعتزالية من أمثال الجابري، وعصفور، وحسن حنفي، وغيرهم، يرتضي مثل هذه المواقف من المنحرف سلوكيًّا؟ وإن كان الجواب هو عدم الرضى بتلك المواقف فلم التمسح بنزعة الاعتزال في التاريخ الإسلامي، مع البون الشاسع في مقاربة فكرة الشريعة، وهي جوهر في المسألة الدينية ضمن فضائنا المسلم الشرقي.

أكتفي بهذا القدر من أوجه الاستشكال التي متعلقها بالأساس محاولة الحداثة العربية الاستمداد من نموذج الاعتزال في التاريخ الإسلامي كنوع من التبرير لنظرية استقلال العقل الإنساني، واكتفائه بذاته دون الحاجة إلى أي سلطة غيبية ماورائية، وبينت فيه بقدر الطاقة أن الطرح الاعتزالي أبعد ما يكون عن هذه المزاجية، إلى هنا أستطيع الحكم بضمير مرتاح على علاقة الحداثة العربية بالاعتزال، بكونها ليست سوى زواج مصلحة فكري سرعان ما ينتهي بالطلاق البائن، إذا تعلق الأمر بمخرجات الحداثة في واقع المجتمعات العربية اليوم، والله الموفق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اسلامي, عقيدة, فكر

المصادر

( تاريخ الفلسفة ) ابراهيم الزيني ; ( نقد العقل المحض ) ايمانويل كانت / ترجمة موسى وهبة /pdf ; ( العقل الاخلاقي العربي ) محمد عابد الجابري ; ( دفاعا عن التنوير ) جابر عصفور , ( كتاب الحيوان ) ابو عثمان الجاحظ م4 /ص 425 / pdf ; ( محصل افكار المتقدمين والمتاخرين ) ابي عمر الرازي ; ( الجام العوام عن علم الكلام ) ابي حامد الغزالي ;( الحداثة ومابعد الحداثة ) عبد الوهاب المسيري / فتحي التريكي .
عرض التعليقات
تحميل المزيد