قبل 40 عامًا، شاهد العالم على الهواء مباشرة حادثة المنصة، حين أقدمت عناصر عسكرية تنتمي لتنظيم الجهاد الإسلامي على اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وهي العملية التي باركها آنذاك نظام الثورة الإسلامية في ايران تحت شعار إعدام الفرعون، لتكون المنطلق الحقيقي للعنف المنظم المستند إلى الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة التي تهدف إلى الوصول إلى السلطة من أجل تغيير المجتمع حسب الذهنية التي تؤمن بها، وإن كان الأمر ليس جديدًا بالنسبة لهذا الفكر أو الممارسات الناتجة منه في التاريخ القريب أو البعيد قبل الحادثة، إلا أن عملية الاغتيال أطلقت العنان لقمقم الإسلام السياسي عنصرًا فعالًا في رسم معالم المنطقة لعدة عقود سواء تعلق الأمر بالعنف الذي تمارسه التنظيمات الجهادية، أو المشاركة السياسية التي باشرتها جماعات إسلامية أخرى وأصبحت بموجبها تتصدر العناوين في أكثر من مكان.

لقد جاء اغتيال السادات ليحمل رسالة مفادها أن النظام الرسمي العربي بإخفاقاته أو نجاحاته لم يعد اللاعب الوحيد في الميدان، لأن هناك فواعل أخرى من غير الدول باتت تتحرك لتنازعه الشرعية، وتستغل فشله على المستوى الداخلي والخارجي لتصنع فكرة البديل في أعين الجماهير وخصوصًا الشباب والفئات الصاعدة، وعلى هذا المنوال نمت كل الحركات الإسلامية منذ عقد الثمانينيات باسم الجهاد أو المقاومة أو محاربة الظلم والفساد داخل المجتمعات، وتراجع بذلك بريق المفاهيم الوطنية والقومية وأصبح الإسلام السياسي تدريجيًّا بمثابة أيديولوجيا الخلاص، وذلك بغض النظر عن الطيف الطائفي (سنة وشيعة).

ولم تكن أحداث التسعينيات في دول مثل الجزائر، ثم عولمة المسار بعد أحداث 11 سبتمبر في بداية الألفية الجديدة، إلا لبنات إضافية لمنظومة واحدة انطلقت مع اغتيال السادات، أما الربيع العربي فقد شكل محطة حاولت فيها المنظومة تقديم أشكال متمايزة بين التطرف والاعتدال لاستغلال الفجوة التي خلفها انهيار النظام العربي بشكله القديم وترسيم أدوار قوى إقليمية لطالما استعملت الأيديولوجية الإسلامية كأحد أوراق الضغط والنفوذ وعلى رأسها إيران، واليوم ونحن في مرحلة ما بعد الربيع العربي وقد مني نموذج المشاركة السياسية للإسلاميين المعتدلين بفشل ذريع في إدارة شؤون البلدان التي عرفت تحولات سياسية سعت لإقامة نظام ديمقراطي، وهذا يشمل الشيعة من خلال حزب الدعوة العراقي مثلما يشمل السنة من خلال جماعة الإخوان المسلمين وبقية التنظيمات المرتبطة بها عضويًّا أو فكريًّا، وهنا قد يبرز التساؤل حول مصير المنظومة، هل تنحسر أم تتلاشى؟ أو بمعنى آخر هل تتغير الأيديولوجيا أم تتكيف حسب الظرف والوسائل المتاحة؟

أما بخصوص التغيير فالجواب هو لا، لم تتغير الأيديولوجيا، فاليوم جل الحركات الإسلاموية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما زالت تعتقد أن الطريق الوحيد لتحقيق مشروعها المجتمعي يكون عبر الوصول إلى السلطة، بدليل الأثر التسويقي الذي يحدثه نجاح منظمات أصولية مثل الحوثيين أو حزب الله أو مؤخرًا طالبان في الإمساك بزمام الأمور بغطاء دولي ضمني كأدوات لتثبيت الاستقرار الهش في دولها، فالجاذبية نفسها ما زالت قائمة، والذي تغير هو الظرف السائد والوسائل المعتمدة لتحقيق غاية ثابتة، وأما بخصوص التكيف فهو أمر واقع وليس مجرد افتراض، بدليل أن فشل أشكال محددة من الإسلام السياسي في دول معينة لم يمنع أشكالًا أخرى من البروز وصناعة الحدث في الآونة الأخيرة، ما دام المعيار هو مدى القدرة على تحقيق القبول الدولي وترجيح موازين القوى على الأرض، كما أن التكيف يشمل الوسائل فقد تنجح هذه الحركات عن طريق العنف مثلما فعلت طالبان الأفغانية، وقد تنجح بالسياسة مثلما فعل التيار الصدري في العراق عن طريق الانتخابات وهو للعلم تنظيم أصولي يهدف لإقامة ولاية فقيه شيعية عربية منافسة لولاية الفقيه الإيرانية.

وبالمحصلة، لا يمكن الجزم حاليًا حول مصير أيديولوجيا الإسلام السياسي ما دامت المحددات التي تحكم بقاءها من عدمه متشابكة وتمزج بين العوامل الداخلية والخارجية، ولكن ما دامت الأسباب التي أدت إلى بروز هذه المنظومة قبل أربعين سنة قائمة، وفي مقدمتها غياب الحكم الراشد والتفريط في الثوابت والتزامات القضايا العادلة مثل القضية الفلسطينية، ستظل البيئة خصبة لنموها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد