يبدو أن التيار التقليدي في حركة الإخوان المسلمين في المشرق العربي قد آن له أن يعيد ترتيب بنيته الفكرية في جذورها وليس على مستوى الوسائل فقط كما فعل وأدى به إلى انشقاقات كبيرة وارتباك واضح في أدائه على الساحة السياسية وربما أفقده جمهوره، كل ذلك بيناه في مقالنا السابق.

أما التيار التحديثي في الجماعة فقد وضح في ممارسة المغرب العربي وتركيا وماليزيا وسنتطرق إليه في هذا المقال

2- التيار التجديدي والحداثي

استطاع هذا التيار أن يتغلب على ظروف النشأة وان يمتص الصدمة التي حدثت عند سقوط (الخلافة) وذلك لعدة اسباب تختلف حسب المنطقة الجغرافية ولذا سنقسم هذا التيار إلى ثلاثة أقسام جغرافية:

أ- تركيا: وهنا بدأ الامر مع تحول تركيا من دولة إمبراطورية تمثلت بنموذج (الخلافة أو السلطنة) إلى دولة قومية جغرافية مدنية ولم تقع تحت الاحتلال بشكل كبير فقد استطاع كمال أتاتورك أن يحافظ على بنية الدولة التركية ويعيد لها مؤسساتها التي نشأت إبان الحكم العثماني كمحاكاة للنموذج الغربي في الإدارة والحكم بعد دعوات الإصلاح التي طالبت بها كثيرا من الاتحادات والجمعيات كالاتحاد والترقي وغيرها، وهذه المحافظة على بنية الدولة التركية له أثر كبير في عقلية ونفسية المواطن التركي فهو لم يعش طويلا مصدوما بغياب رأس الهرم بل وجد بديلا (نعم قد يكون قاسيا) ولكنه بديل حقيقي فحافظ على عقلية التركي بأن لا يتصرف كرد فعل وعلى نفسيته من أن تدخل في (النفسية الانهزامية) لذا تأثر التيار الإسلامي بهذه الظروف فأصبح أكثر نضجا من أقرانه في المشرق ومصر وتنبه منذ البداية – رغم التضييق الذي فرضته الدولة الجديدة على الاسلام – إلى أهمية المشاركة السياسية (المدنية) كجزء أصيل في بنية الدولة وليس من باب التعامل مع الضرورات كما حدث في التيار التقليدي لذا استطاع أن يصل إلى الحكم في فترة مبكرة حينما فاز الحزب الديمقراطي بقيادة المنشق عن علمانية أتاتورك عدنان مندريس (وكان مندريس قد خاض حملته الانتخابية على أساس وعود بإلغاء الإجراءات العلمانية الصارمة التي اتخذها سلفه إينونو وكان من بينها جعل الأذان بالتركية وكذلك قراءة القرآن وإغلاق المدارس الدينية، وحينما فاز، قام مندريس بإلغاء هذه الإجراءات حيث أعاد الأذان إلى العربية وأدخل الدروس الدينية إلى المدارس العامة وفتح أول معهد ديني عال إلى جانب مراكز تعليم القرآن الكريم، كما قام بحملة تنمية شاملة في تركيا شملت تطوير الزراعة وافتتاح المصانع وتشييد الطرقات والجسور والمدارس والجامعات. أسهمت إصلاحات مندريس في تطوير الحياة الاقتصادية في تركيا حيث تقلصت البطالة وتحررت التجارة وعاش الناس فترة استقرار سياسي إلى جانب تراجع حدة التوتر الذي كان سائدا بين السكان والدولة بسبب الإجراءات المناهضة للإسلام ومظاهر التدين والعبادات)(1).

وهنا أدركت الحركة الإسلامية التركية أن الأوليات تختلف في بناء المجتمعات الأفكار وجذورها تأتي في آخر الأولويات أما الاحتياجات فتأتي في أعلى سلم الأولويات فحدث تطور كبير في بنية الحركة الإسلامية التركية وخاصة عندما أصبح نجم الدين أربكان على رأس هذه الحربة فعقليته الاقتصادية والصناعية والهندسية ونظرته لحركة المجتمع واحتياجاته كانت دقيقة فاستطاع أن يكون شريكا حقيقيا في صنع الساسات الداخلية ومنافسا قويًا للأحزاب القومية ووصل إلى رئاسة الوزراء في عام 1995 بتحالف (براغماتي) مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيللر.(2) رغم التضييق العسكري الكبير عليه ما لبث أن حدث انقلاب عسكري بارد على حكومته، ولكن هذا الانقلاب البارد أدى إلى تغيير كبير في البنية الفكرية لدى الحركة الإسلامية التركية فانتقلت إلى طور جديد وهو (التمييز بين السياسي والديني) باعتبار أن السياسة أمر دنيوي مارسه النبي صلى اله عليه وسلم باعتباره بشرا ووفقا لمعطيات البيئة التي عاشها ولذا علينا نحن أن نجتهد وفقا لمعطياتنا وحاجات مجتمعاتنا ومصالحها وليس وفقا لتدينها فكان (حزب العدالة والتنمية) بقيادة اردوغان مجسدا لهذه النظرة واستطاع أن يحقق تنمية اقتصادية واجتماعية وتقنية إلى حد ما في المجتمع التركي من خلال فوزه بثلاث دورات انتخابية ومازال يواصل المسير في خطى واثقة لتلبية احتياجات النهضة التركية وبعقلية (براغماتية ممتازة) ومميزا بين كل ماهو سياسي وما هو تعبدي فلم يتدخل في تدين الناس ولم يستخدم الدين كشعارات يقتات عليها أيام الانتخبات بل ربما لا يرضى على تصرفاته كثيرا من الإسلاميين التقليديين.

وهذه التجربة تمثل تطورا مهما في الحياة السياسية للحركة الإسلامية في عموم العالم وربما قد تكون نموذجا بحتذى به لكن على حساب مراجعات (بنيوية) في الفكر الإسلامي وخاصة عقدة (الحاكمية / الخلافة / جاهلية المجتمع …) والتي تخلص منها هذا التيار.

ب- ماليزيا وإندونيسيا

ج- المغرب العربي

 يتبع في المقال القادم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد