دائما ما يتساءل أبناء الحركة الإسلامية بعد كل أزمة تضرب الحركة عن طرق علاج الأزمة وحل المشكلة، وتشهد محاولات الحل أفكارًا مختلفة في كل الاتجاهات، منهم من يرى أن الحركة كانت مهادنة وسلمية أكثر من اللازم، ومنهم من يرى وجوب فصل الدعَوِي عن السياسي في أعمال الحركة الإسلامية، ومنهم من يطالب بالتركيز على العمل الاجتماعي أو الدعَوِي فقط، ومنهم من يطالب بعدم دخول الحركة الإسلامية للحياة السياسية والترشح للانتخابات لمدة عشر سنوات مثلًا لطمأنة باقي القوى السياسية وطوائف المجتمع.

في الحقيقة إن كل هذه الجهود المخلصة تدور حول المشكلة ولا تدخل قلبها أو هي لا تعرف أصل المشكلة، لا بد أن نقول إن ما سوف نقدمه هنا من نقد وتحليل هو نوع من الاجتهاد يحتمل الخطأ أو الصواب والله أعلم، أيضًا ليس معنى نقد الحركة الإسلامية أنه لم يكن لها إيجابيات أو أنه لا توجد أسباب خارجية للفشل بعضها محلي وبعضها عالمي، من مؤامرات واعتقالات وتضييق وغيرها، ولكن تأتي الهزائم عادة من خلل داخلي، سنحاول الإجابة هنا على أصل المشكلة والسؤال الرئيسي: هل وصلت الحركة الإسلامية إلى طريق مسدود؟ الإجابة نعم، لأن الحركة بكل تياراتها لم تضع يدها على الخطأ المنهجي الذي إذا تم الوصول إليه فسوف يسهل علاج الأخطاء الجانبية وهو هنا الإجابات الخاطئة عند منظري الحركة الكبار على الأسئلة الأساسية، كمثال من نحن؟ وماذا نريد؟ وما هي العلاقة الصحيحة مع الأمة والمجتمع؟

عند مفكري الحركة المؤثرين، المجتمع جاهلي والأمة المسلمة انقطع وجودها ولا بد من إعداد جماعة تكون وظيفتها إعادة أسلمة المجتمع وإعادة الأمة المسلمة إلى الوجود، ثم تولي الحكم بعد ذلك لتطبيق الشريعة أو العكس، الوصول للحكم أولًا ثم إعادة الأسلمة، أدى هذا إلى تحول الحركة إلى طائفة بكل معنى الكلمة، تجسد هذا المعنى في تسمية «الجماعة» حتى لو قيل بأنها جماعة من المسلمين وليس جماعة المسلمين، مسمى الجماعة هنا والترتيبات والممارسات المرتبطة بالجماعة شكل نوعًا من التمييز بين المسلمين داخل الجماعة وخارجها وأظهر نوعًا من التكفير السلبي لباقي الأمة المسلمة وهذا أمر خطير جدًا.

وهذا يقودنا لسؤال، لماذا تسمية الجماعة وتركيبتها وممارستها حولت الحركة لطائفة (أو مجتمع موازٍ)؟ الإجابة لأن الحفاظ على مكتسبات الجماعة ووجودها هو أهم أهداف الجماعة حتى لو كان ثمن الحفاظ على ذلك هو التخلي عن الأمة أو مطالب الجماهير أو تأييد سياسات واتخاذ مواقف تضر بالحريات أو ضد مصالح الفقراء والمستضعفين، زكى هذا التصور لدى الحركة رافدين: خارجي وداخلي.

أما الخارجي تمثل في الأنظمة الحاكمة والتيارات العلمانية التي ركزت دعايتها على أن هؤلاء قوم مختلفون عن بقية الناس يسعون لمصالحهم الخاصة وليس لمصالح الجماهير، ويطرحون تصورات مختلفة عن الإسلام المعروف لدى الناس ويكفرون عموم الشعب، وأيضا مصدر داخلي تمثل في أدبيات الغربة والمحنة والطائفة الظاهرة على الحق وهي كلها أمور صحيحة لكنها تطرح في المكان والوقت الخطأ.

إذن الرؤية الصحيحة هي أن الأمة المسلمة لم ترتد عن دينها لكنها تعاني من حالة هزيمة حضارية وتبعية وتحكم النظام الدولي في أنظمتها الحاكمة، والحركة الإسلامية هي حركة تحرر وطني تمثل طليعة للأمة تخوض معها تحدياتها الكبرى وتساهم في حل مشاكلها من تخلف واستبداد سياسي وظلم طبقي وتحكم النظام الدولي وقوى الاستكبار (تمثلها في الأغلب الشركات العالمية) في ثرواتها والإفقار المنظم، والإسلام هو دين الأمة ومرجعيتها والمكون لثقافتها وحضارتها.

فالحركة الإسلامية لم تخترع الإسلام، إنما هي حلقة من حلقات نضال الأمة المسلمة المستمر فلتكن حركة ضغط أو حزب سياسي يمتلك رؤية أو برنامجًا سياسيًّا في وقت ما يمكن أن يتطور ويتغير ويمكن أيضا حل الحزب وعدم التمسك به إذا تعارض وجوده مع مصالح الأمة، ماذا إذن عن مطلب تطبيق الشريعة، ألا يجب أن يكون على رأس برنامج أي حزب إسلامي يتشكل، في الحقيقة إنه من غير المنطقي أن يكون التحاكم للشريعة شعارًا أو مطلبًا حزبيًا، إذ أن الشريعة دين وعقيدة ومرجعية الأمة ككل وليست أيديولوجيا أو مطلبًا سياسيًّا، ويكفي أن يتحرر الشعب وتكون السلطة بيده لكي يتحاكم إلى شريعته تلقائيًا لأنها دينه وقانونه الطبيعي الذي لا يعرف غيره، أما أن تكون الشريعة مطلبًا في برنامج حزب أو مرشح رئاسي فهذا وضع خطأ يضع الشريعة على قدم المساواة مع أيديولوجيات أو برامج سياسية ممكن أن ترفض أو تقبل في حالة نجاح الحزب أو الرئيس، أما دور الحركة الإسلامية فهي أن تكون حركة تحرير (كطليعة) للجماهير تعمل معهم على تسليم السلطة للشعب وهو من سيحتكم بعدها لشريعته في كل أموره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

طائفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد