كنت أمزح مرة مع بعض أصدقائي وقلت لهم: «على الرغم من كل التحفظ على جيلنا والجيل الذي يلينا وشخصياتهم وتربيتهم، فإن لديهم منحة ربما لم تتوفر لنا ولمن سبقنا». ربما نشأنا نحن على أسطورة المجتمع الفاضل وما كنا نقرأه كان من قبيل «قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله»، وكانت مجادلاتنا تدور حول حكم الموسيقى ومؤامرة بوكيمون. أما نشأ هذه الأيام فقد تعرضوا لجدالات حول نظرية التطور والعلم والدين والتاريخ؛ ونشأوا بُعيد حراكٍ سياسيٍ هز كل ما اعتقدنا أنه ثوابت. ربما عندما يكبر بعضهم لن يفاجأوا أن تلك القضايا وغيرها الكثير غير محسومة، كما نشأنا نحن على العديد من القطعيات المزعومة التي تبين لنا أنها ليست بهذا الحسم للأسف.

الكثير منا نشأ في بيئات إسلامية، إما بالفعل بالانتماء إلى أو مجالسة تيارٍ إسلاميّ ما، أو بالقوة تحت وطأة الفكر الإسلامي والخطابات الدينية (الإسلام السياسي، الأزهري، السلفي، أو غيره) المهيمنة علينا وعلى زماننا. ونشأنا تحت سرديات متعددة، لكنها تتشابه وتتحد في الجوهر. هناك معركة كونية تدور من حولنا، ومؤامرة عملاقة تحاك ضد الإسلام. بالنسبة لي، كشاب نشأ وتربى داخل التيار الإسلامي، فإن المعركة محسومة سلفًا وأطرافها معروفون: صف الحق وصف الباطل. الدنيا – عند الغالبية العظمي على الأقل – أبيض وأسود. هناك صف الحق الذي يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وأهل الباطل الذي يتبعون خطوات الشيطان، أما أهل الباطل هؤلاء فهم كل من ليس «إسلاميًا». العسكر، والعلمانيون، والملحدون، والشيوعية، والرأسمالية، والاشتراكية، والعولمة، بل إن البعض كان يرى – أو صار يرى بعد الانقلاب – أن العوام الساكتين يقفون في صف الباطل، وسيأخذهم العذاب كما أخذ أصحاب السبت. في زمن ما بعد الربيع العربي، انضم لهؤلاء أيضًا مبسطو العلوم، ومؤيدو نظرية التطور، وباحثو تاريخ الأديان وغيرهم. ربما أيضًا تدخل الحركات الإسلامية التي تشوه صورة الإسلام في القائمة.

طبعًا في هذا التصور يغيب التاريخ والاجتماع والعلم من الصورة، لا عوامل اجتماعية أو نفسية أو سياسية قد تفسر ما يحدث، بل إن الحتمية التاريخية لهذا الصراع بين الخير والشر تذيب الموضوع تمامًا أو تكاد في الأيديولوجية السياسية أو العقيدة الدينية. حتى عند البعض الذين قرروا الخوض في غمار العلوم السياسية والاجتماعية فإنها عند الكثيرين لا تكون سوى أداة لخدمة الأيديولوجية المسبقة، ويتم استفراغ العلم والحكمة والفلسفة والسياسة لتكريس تلك العقيدة، عقيدة صراع أهل الحق وأهل الباطل. البعض فقط من يتمكن من الاستفادة مما يتعلمه لتطوير فكره وتغيير نظرته. وكثيرًا ما يكون هؤلاء من «المتساقطين».

في هذا التصور بالطبع، توجس من كل ما يأتي من الآخر. الآخر متآمر، إما صراحةً أو تدليسًا. الآخر كما أسلفت هم كل من ليسوا إسلاميين، سياسيًا أو فكريًا – أي الذين لا يتحركون داخل الحدود التي ترسمها لهم عقيدتهم. ونظرة دونية بالطبيعة لكل من يخرج خارج الإطار، حتى لو لم يزالوا يصفون أنفسهم بأنهم إسلاميون. الآخر دائمًا متآمر، أو حاقد، أو جاهل، أو مدلس، ولم يأت بجديد، أو ربما مخالف لإجماع الأمة.

يقرأ البعض لمفكرين وفلاسفة وباحثين، ثم يفهمون ما قالوا حسب فكرهم وعقيدتهم ونظرتهم الثنائية (الحق – الباطل). يزعم أحدهم أنه فهم ما قيل وأنه لم يأت بجديد وأن ما قيل محض شبهات ويرمي في وجه قرائه ومتابعيه اقتباساتٍ متعددة تثبت وجهة نظره، لا يعرف المتابعون من هؤلاء وما فكرهم وما خلفياتهم وما سياق كلامهم، لكنهم كلهم «الآخر» وقد شهد شاهدٌ من أهلها وانتهى الموضوع.

قد تثار بلبلة إعلامية للذود عن الدين. الدين في الفكر الإسلامي – على المستوى الشعبي على الأقل – مرادف للتيار والطائفة، وإن لم يع ذلك أكثر المنتسبين له. بطبيعة الحال لا يرى السلفي أو الإخواني مثلًا أنه يفهم الدين بشكلٍ خاطئ، بل بشكلٍ صحيح بالطبع. فانتقاد الخطاب، والفكر السلفي، والإخواني، يكون بمقتضى الحال انتقادًا للفهم الصحيح للإسلام في لاوعيه.

بالنسبة لمن نشأ داخل التيار الإٍسلامي أو حوله، فأولئك «الآخرون» كما أسلفت، جهلة، مدلسون، حاقدون، ماركسيون (وإن لم نعرف معنى ماركسي أصلًا)، أو غيرها من التهم التي ترمى جزافًا. وفي معركة الحق والباطل فقد تصدى أئمتنا وعلماؤنا وقادتنا للرد عليهم «ونسف شبهاتهم». بالنسبة لأغلب الإسلاميين هنا تنتهي القصة: كل ما علينا فعله هو معرفة الرد على الشبهة. الحقيقة واضحة جلية لا لبس فيها لدى عموم الإسلاميين، وكل ما يمكن قوله قد قيل من قبل. هناك بطبيعة الحال احتقار للخصم، ورميه بالضلال، وإن لم يتم تكفيره صراحةً. بطبيعة الحال يتخوف الكثيرون من مجرد الاطلاع على الآراء الأخرى لكي لا يتأثروا هم أيضًا وتزيغ قلوبهم بعد إذ اهتدت.

هكذا تربينا نحن، وهكذا كان العالم من حولنا. معركة صفرية لا مكان فيها للتفاوض والتفهم، بل كل ما علينا فعله أن نرفع من إيمانياتنا ونتقرب إلى الله ليكون النصر قريبًا، فكل الأجوبة جاهزة حتى جاءت رياح الربيع.

سأستعير هنا قانون نيوتن: أي جسم متحرك يظل متحركًا حتى تطرأ عليه قوة تغير من حركته. وكذلك المجتمعات والأفراد في نظري، يظلون متحركين في طريقٍ ما حتى تأتي قوة ما – أو صدمة ما – لتغير وجهتهم، أو على الأقل، لتجعلهم يعيدون التفكير فيما يفعلونه وإلى أين يذهبون. على الأقل هذا ما أتمناه، لكن البعض تمنعه «مناعته الأيديولوجية» من مجرد التفكير في ذلك أصلًا. أيًا ما يكن فعملية المراجعة هذه مزعجة، ولن يتحملها الكثيرون. النتيجة أن تلك الصدمة تحرف وجهة التحرك تمامًا عند الكثيرين. لا أتحدث هنا عن صدمة المعرفة، بقدر ما أتحدث عن صدمة أن تكتشف أنك «مضحوك عليك». مضحوك عليك بحسن نية، للأسف.

يكفي سؤال واحد ليفجر ألف إجابة. قضية واحدة قدمت لنا على أنها محسومة قطعية الثبوت وثبت أنها ليست كذلك كفيلة بجعل مسلسل التساؤل والشك يعمل. يحدث أن يحاول أحدهم أن يبحث بنفسه، يفكر بعقله هو لا بعقل أئمته وشيوخه، يخاف ويضطرب طبعًا أن يضل أو يزيغ لكن القطار بدأ بالسير. ربما هذا الكاتب لديه وجهة نظر؟ ماذا لو أن تلك النظرية صحيحة فعلًا؟ يبدأ المرء باكتشاف عالمٍ خفي عليه وأُخفيَ عنه. يعلم أن لتلك النظرية شواهدها وتاريخها المعقد ومراحل تطورها؛ يعلم أن لدى الغرب صراعات داخلية وتوازنات قوى وأن سياساته وأفعاله وتحركاته قد تنبع من مصالح لا من مؤامرات؛ يعلم كيف لا يبدو التاريخ بذلك النصوع الذي صوّر لنا وأمرنا بأن نكف عما شجر فيه ونستمع فقط إلى الرواية الرسمية؛ نعلم أيضًا أن كثيرًا مما ادعي فيه الإجماع والثبوت ربما كان رأيًا لا أكثر من مجموعة آراء أخرى لم تقدم له.

في رأيي ينقسم البشر ها هنا قسمان عقب الإصابة بـ«دهشة المعرفة» وصدمة الواقع المغاير لوعيه. قسم يمتلك بعض الهدوء النفسي للبحث وموازنة الأمور، وقسم قد تملكه اليأس مما آلت إليه الأمور، فكفر بكل ما يعلم أو تملكته اللامبالاة. يفتقد الكثيرون للمنهجية، والأدوات اللازمة بالفعل. كما يفتقد الإسلاميون في غالبهم الشك اللازم لتوفير المرونة الفكرية التي تسمح بالمراجعة والتقييم وطرح الأسئلة، وكثيرًا ما تستعمل أو آليات فكرية تبريرية من قبيل أن هذا ليس وقته، فلدينا مشاكل أهم من نظرية التطور أو مراجعة الأحاديث مثلًا. لكن الفكر كالجدار: بمجرد أن تتزحزح لبنة عن مكانها فإن كل اللبنات المحيطة بها «تتلخلخ».

والبشر لا يحبون الأسئلة، ناهيك عن التساؤل حول عقيدة ما، بالأخص تلك التي تقدم على أنها عقيدة دينية لا مكان فيها للتفاوض. ولا فارق هنا بين إسلامٍ سياسي وإسلامٍ علمي – فقهي فكلاهما يدّعي القطعية. ينتهي الأمر بالرفض والنبذ والدعاء بالهداية، بدلًا عن النقاش. فلا نقاش في قضايا قطعية بالطبع، ناهيك عن أنها «العقيدة» أو من «الأصول».

أذكر أني رأيت أحد الشباب الإسلاميين الذين أعرفهم يتحدث عن شابٍ آخر – أعرفه أيضًا – ترك التيار الإسلامي واعتنق مذهب الاعتزال، وبعد أن أرانا بعض منشوراته كان تعليقه أنه يجب علينا أن ندعو الله «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا»! نعم الإسلاميون يقولون بألسنتهم أنهم ليسوا جماعة المسلمين، لكن إن انقلب أحدهم وغيّر من آرائه فإنه زائغ وضل عن الهدى الذي هم عليه.

كنت أتساءل قبلها، لماذا الكثير من المنشقين عن الإسلاميين ينقلبون انقلابًا عنيفًا ولماذا يكونون شديدي الحدّية معهم، ولماذا يتم تصنيفهم على أنهم «ردة فعل نفسية»؟ علمت حينها لماذا؛ لأنها بالفعل ردة فعل على الغفلة التي كنا نعيش فيها، وعلى ما تعرضنا له حين تساءلنا، وفكرنا خارج الحدود التي تربينا عليها.

إنه شعور أنك عشت حياتك كلها داخل حقيقة أزلية وحق صريح، لتفاجئ أن ما أنت عليه ليس سوى خيارٍ من خياراتٍ أخرى. لقد تم «تقييفك» على المقاس، وأن ما تربيت عليه صحيح وسليم وصافٍ، وما شذ عنه شذ في النار. وللأسف فإن رياح الربيع وقد آل خريفًا لم تغير في الكثيرين شيئًا، ولا يزالون يفكرون بنفس الثنائية.

كل ما يمكننا فعله هو أن نتجنب أخطاء الماضي، ونتجنب الطيش اللاحق، ونسعى للإنصاف. لقد بدأ الزمن بالتحرك أخيرًا في بلادنا، سنحتاج وقتًا لكي نتعلم ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد