إغلاق قوس الإسلاميين بالجزائر لن يتطلب أكثر من قرار بسيط من المرادية وتنتهي الأمور، وذلك أسوة بما حدث مع تجربة جبهة الإنقاذ الإسلامية خلال العقد الأخير من القرن الماضي، في استمرار تجريم الإسلاميين واتهامهم بتخلف الجزائر عن الركب لعشرية كاملة، وأنا أشاهد في برنامج مؤرشفٍ بثته الجزيرة قبل سنوات، استضافت فيه كلا من رئيس البرلمان الجزائري بلخادم، والشيخ الراحل محفوظ نحناح قائد سفينة الإصلاح في الجزائر، استقطب عقلي حقدًا دفينًا من الحزب الحاكم عن كل ما يمرّ عبر التيار الإسلامي، حتى ولو كان سمك السلمون اللذيذ، وتعطشه لتكرير تجربة الانقلاب، رغم حداثتها آنذاك، مطروحة في كل طاولة جلس فيها مسؤول جزائريّ مع سيّده، على الأقل هذا ما يعتقد به كثيرون ويتمنونه، بل هناك من ذهب إلى النقيض من ذلك، واعتبر قرار رئيس الجمهورية «شفاه الله» الأخير بتعيين الإسلامي دربال عبد الوهاب رئيسًا للهيئة العليا لمراقبة الانتخابات م بمثابة بداية لتجربة التغيير في الجزائر وبالتالي فتح قوس الإصلاح.

من السذاجة الاعتقاد والتسليم بأن الأمور تسير بهذه البساطة فعلًا، ويا ليت الأمور كانت بهذا الشكل والسهولة، على الأقل حينها لن نكون أسيري هذه الهجينية في النظام وتعدد أضلعه ومختبرات القرارات داخله، حتى أصبح كل مربع داخل السلطة يسوس بسياسته الخاصة وأصبح كل يتغنى بليلاه.

ما لا يريد البعض استيعابه والإقرار به هو أن الإسلاميين ليسوا مجرد أحزاب فقط، كما أنّ العشرية السوداء ليست هي كل المشكل، فلو أخذنا مثال حركة مجتمع السلم الجزائرية، لوجدنا أن هذه الحركة الطيّبة ومثيلتها لو أتيحت لهم الفرصة سابقًا، أو أعطيت له فرصة مستقبلًا كان ويكون للجزائر وجه آخر لا يختلف عن دول كانت حبيسة الانقلابات سابقًا، وصارت حبيسة إنجازات كبيرة لاحقًا .

حزب حركة مجتمع السلم «حمس» هو تعبير عن كتلة وفئة مجتمعية عريضة قبل أن تكون مجرد حزب أو حركة عادية، وحزب حمس هو مشروع سياسي ومجتمعي، ليس فقط صعب التجاوز، بل يستحيل معه الأمر أصلًا، فهو الرقم الأصعب حاليًا؛ فوجوده في الحكومة مكلف لأطراف عديدة، لكن وجوده خارجها أكثر وأعلى تكلفة بكثير من ذلك، والنظام الوحيد الذي يعرف ذلك جيدًا.

ولو كان الأمر غير هكذا لما رأينا حين تقترب البلاد من محطة ديمقراطية هذا التجييش والهجوم على هذه الحركة وعلى الإسلاميين من ورائها، ومحاولة ربط الحاضر بالماضي الذي جلست فيه الحركة بقائدها الحاج النحناح – رحمة الله عليه- جلسة حكيم مصالحٍ لا يوّد من الصراع القائم إلاّ إنقاذ السفينة الغارقة إلى برّ النجاة.

النظام والسلطة في الجزائر تعي وتستوعب جيدًا هذا الأمر، نباهة وتعقل النظام السياسي في الجزائر ستمكن البلد من تجنب الأسوأ، والعكس من ذلك سيجعل البلاد التي تسير حاليًا إلى طريق مسدود تغيّر طريقها نجو الجحيم، فالنظام على اعتبار أنّه ما يزال هو المسيطر والضابط لكل الأمور في الدولة، وبالتالي فلن يغامر بالقيام بهذه الخطوة المحفوفة جدًا بالمخاطر، فدرايته الكبيرة بأصول الحكم الداخلية علمته أن اشتغال الإسلاميين تحت سلطته وضمن الإطار الذي يحدده هو نفسه، أفضل ألف مرة من لعبهم خارج ذلك الإطار.

فبغض النظر عن العملية الانتخابية المقبلة، وما ستسفر عنها من نتائج يرجّح أن يأخذ الإسلاميّون من نصيبها ما قد يشكل توازنًا في البرلمان المقبل، وبغض النظر عن تحذير الإسلاميين والشارع معهم من تزوير هذه المحطة، فإن علاقة النظام و«الإسلاميين» تحكمها عوامل متشابكة وبالغة التعقيد، أكبر بكثير من العملية الانتخابية وحتى من نتائجها، وإن كان المعطى الثابت إلى حد الآن هو أن كلا الطرفين ما يزال بحاجة للثاني ولو أنكر ذلك كليهما.

فالشارع يمكن أن يلتهب من جديد في أي لحظة، «ما دام الاحتجاج هو الأصل والاستقرار هو الاستثناء» لكن الأخطر هذه المرة، أن من سيخرج للتظاهر لن يطالب بالتغيير كما كان عليه الحال من قبل، حيث لم ترفع شعارات لإسقاط النظام إلا في حالات معزولة جدًا، لكن هذه المرة لو تم الأمر بالشكل الذي ذكرنا، فمن سيخرج للشارع فسيطالب ب«التحول» بدل «التغيير»، أي بمعنى آخر وقوع أسوأ سيناريوهات النظام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد