“عن اضطهاد نساء الإسلاميين”

“آه صحيح.. أي حد هيقول عليا حرائر وحيات أمي هفشخه لما أطلع.. بس كدا”

 

إسراء

من ختام رسالة لإسراء الطويل أرسلتها من محبسها و نشرتها عدة مواقع منها ساسة بوست.

رغم تعاطفي ودعمي الكامل لقضية إسراء الطويل، إلا أني سألت نفسي لماذا أرادت إسراء وأسرتها الفكاك من (شبهة الحرائر) وهو المصطلح الذي أطلقه الإسلاميون من معارضي الانقلاب على بناتهم ونسائهم المعتقلات – واستنتجت وقتها بعد أن تبنت الصحف والإعلام قضيتها أن إسراء وأسرتها من الذكاء بمكان في صياغة هذه العبارة للفكاك من أن توضع إسراء في خانة الحرائر – حيث تحظى بالاهتمام كل ناشطة ومقاومة للانقلاب لا تنتمي للإسلاميين من وسائل الإعلام ومن المنظمات الحقوقية وأعتقد أنها نجحت في ذلك (ولها كامل الحق في تحديد انتسابها ووجهتها) أسأل الله أن يفك أسرها وأسر كل مظلوم.

ولكن الله يعرفهن

بعد سقوط الانقلاب العسكرى ستكون صورة مُشرقة ومُشرّفة تلك التي سيكتبها المؤرخون بعد ردح من الزمن عن تلكم النساء الحرائر اللواتي وقفن أمام الدبابة ونزلن في مواجهة الرصاص الحي ولم يبالين بالاعتقال أو التعذيب وستكون صور المظاهرات وفيديوهات المسيرات التي كانت تسير في الشوارع – رغم الخوف والقمع المسيطر والتي كانت النساء المصريات تشكلن أغلبها – ستكون صور مثيرة لوجدان الشعراء وملهمة لأقلام الأدباء.

ولكن ربما لن يذكر أحد أن أغلبيتهن الكاسحة كن من النساء اللاتي ينتمين للتيار الإسلامي أو المؤيدات له.

وربما تصدرت صفحات التاريخ صور ماهينور المصري وغيرها من صويحباتها اللاتي لا ينتمين للإسلاميين على شكل أيقونات التحرر والصمود وربما لن تذكر تلك الصفحات شيئًا عن أسماء جمال التي فقدت ساقها أو سندس عاصم التي تم الحكم عليها بالإعدام.

وكثيرات ربما لم يكتب عنهن ولم يعرفهن أحد ولكن الله يعرفهن ويعرف مقامهن.. ويكفيهن ذلك.

المنظمات الحقوقية العوراء

هناك انتقائية مريبة وفاضحة في تناول الإعلام والمنظمات الحقوقية لأخبار وقضايا المعتقلات فتجد تسليطًا للأضواء على قضايا غير المنتميات للتيار الإسلامي بشكل فج وفاضح ولا إنساني.

هل بلغ هذه المنظمات الحقوقية نبأ الشهيدة سندس رضا التي قُتلت في نفس يوم مقتل الشهيدة شيماء الصباغ (عضو التحالف الشعبي الاشتراكي).

وهل بلغها خبر اعتقال العشرات من الحرائر – وأصر على هذه التسمية التي ستصبح وسامًا يومًا ما – قبل ماهينور المصري وبعدها؟

وهل بلغها خبر من اغتصبها أحد الضابط في مدرعة شرطة وتقدمت ببلاغ للنائب العام وتمت التعمية وإماتة قضيتها؟

نعم بلغهم ذلك.

نعم عرفوا.

نعم تعمدوا السكوت.

لماذا تعمدوا السكوت والتعامي؟

هل لأنهن ينتمين للتيار الإسلامي؟ أعتقد أن هذا هو السبب الوحيد ولا أرى غيره.

أتتذكرون فتاة كشف العذرية، تلك الفتاة التي – فقط – أعلنت أنه تم الكشف على عذريتها من قبل قوات الجيش بعد القبض عليها أثناء إحدى التظاهرات إبان حكم المجلس العسكري، أتذكرون كيف استضافتها القنوات الفضائية وكأنها بطلة.

 وما سر البطولة إذن؟

 

أممم، أنها غلبت حياءها كفتاة وأعلنت ذلك فقامت صحف دولية باختيارها كشخصية مؤثرة وقامت أيضًا منظمات أمريكية بمنحها جائزة المرأة الشجاعة ولم تسحبها منها إلا بعد أن اكتشفت مدونات لها على تويتر تعادي إسرائيل، برغم اعتذارها عن ذلك (لاحظ أن شجاعتها انتفت عندما انتقدت إسرائيل ولم تعد تستحق الجائزة).

وطبعا الكل يعرف ماهينور المصري، اعتقلت في تظاهرات مناهضة لقانون التظاهر فسلط عليها الإعلام عدساته ومنحتها المنظمات الحقوقية المحلية والدولية جل اهتمامها وحصلت على جائزة دولية لحصولها على حكم بالسجن لمدة عامين.

ولكن.. ما الفرق بين أختنا ماهينور وأخواتنا الحرائر الأخريات اللاتي حصلن على أحكام بالمؤبد رغم معارضتهن لنفس نظام الحكم وبشكل سلمي في كلتا الحالتين.

 

 

أماني

أمانى حسن

 

لماذا يهتم العالم بتضحية ماهينور ولا يهتم بتضحية أماني حسن التي أصيبت بالشلل بعد أسبوع من اعتقالها من فرط التعذيب ويتم الحكم عليها بالمؤبد وهي جالسة على كرسي متحرك.

 

سندس

والجميع يعرف الشهيدة شيماء الصباغ التي قتلتها الشرطة بالخرطوش في التحرير يوم 24 يناير 2014 ولكن الجميع لا يعرف اسم الفتاة ذات السبعة عشر عامًا (سندس رضا) والتي قتلتها الشرطة أيضًا في تظاهرة مؤيدة للشرعية في الإسكندرية في اليوم السابق بالرصاص الحي وتكتفي وسائل الإعلام بوصفها فتاة من مؤيدى جماعة الإخوان.

ولم تستفز أحد هذه المفارقة والانتقائية الفجة إلا الأستاذ وائل قنديل فكتب ذلك في إحدى مقالاته.

” فعندما يُعمى الاختلاف الفكري و الإيديولجي إنسانية صاحبه فيرى حقوق العلماني الإنسانية ولا يرى نفس الحقوق الإنسانية للإسلامي فهذه تسمى الإنسانية الانتقائية أو الحيوانية التي ترتدى الكرافت”.

لماذا تجاوزت الأجهزة الأمنية خط النساء الأحمر

كانت الأجهزة الأمنية قبل الثورة تتجنب دائمًا التعرض للنساء فخلال 30 عامًا من حكم مبارك لم تسجل حالات اعتقال سياسي للنساء إلا في النادر وكان التعرض للطالبات في جامعات مصر خطًّا أحمر عندما كان يتجاوزه ضابط أرعن بدون توجيه من القيادات كانت الدنيا تقوم ولا تقعد.

بعد الانقلاب كانت النساء تشكلن عصب المسيرات والمظاهرات، بالفعل كانت مشاركتهن فاعلة وكن في أحيان كثيرة أجرأ من الشباب، كن في اعتصام رابعة والنهضة يمثلن الروح للميدان يتواجدن دائمًا أمام المنصة ومتفاعلات بشدة.

بنات

كانت أول شهيدة هي هالة أبو شعيشع من المنصورة، تم قتلها على يد البلطجية في حماية و تواطؤ من رجال الأمن، واستمر بعد ذلك القتل المتعمد ومهاجمة المسيرات واعتقال النساء.

 

وكانت جامعة الأزهر رأس حربة الحراك الطلابي وكانت الطالبات الأزهريات يشاركن بفاعلية في الحراك لذلك نلن النصيب الأكبر في الاعتقالات وعمليات السحل المتعمدة ولعل أشهر الصور على الإطلاق تلك الصورة للطالبة (مروة فريد) التي يجرها من عنقها ضابط قوات خاصة من الشرطة.

وتتسرب الأخبار من هنا وهناك – وأعتقد بتقديري الشخصي صحتها – أن عمليات سحل البنات والاعتداء على النساء وتصوير ذلك وحالات الاغتصاب للمحتجزات وتسريب أخبارها كانت متعمدة ومخططة لكسر عصب الحراك النسائي وتخويف الفتيات والسيدات اللواتي ينزلن في المسيرات والمظاهرات وأهلهن من مغبة وعواقب المشاركة.

ربما نجحت الأجهزة الأمنية في إضعاف الحراك بهذه الفعلة الشنعاء وبتجاوزها هذا الخط الحمر ولكن ربما من خطّط ذلك لم يدرك أنه بذلك قد وضع أعناق أفراد الشرطة جميعًا (البر منهم والفاجر) تحت حد المقصلة في أي ثورة قادمة – والدلائل تشير أنها قادمة لا محالة – وسيكون يوم جمعة الغضب يومًا مخمليًّا مقارنة بما سيحدث.

لماذا يفشل الإسلاميون في صناعة الأيقونات

وإن أعتب في الاهتمام بالحرائر وتسويق قضيتهن فإني أعتب على التيار الإسلامي الهائل في قوته البشرية وإمكاناته المادية ولكن للأسف لا باع لهم ولا ذراع في مجال حقوق الإنسان والتوثيق للجرائم التي تم ارتكابها ضدهم ولا صوت إعلامي مسموع واحترافي ينشر لهم المآسي ويستثمرها لصالحهم، يضحون كثيرًا ويحصد ثمار تضحياتهم ودمائهم غيرهم.

في مقاومة الانقلاب نجد أن بين الإسلاميين وغيرهم بون شاسع في مقدار التضحيات وفي صور البطولة عدديًّا ونوعيًّا فأكثر من خمسة وتسعين في المائة من المعتقلين إسلاميين وأكثر من تسعين في المائة من المعتقلات ينتمين الى التيار الإسلامي أو مؤيدات له.

فأول فتاة حكم عليها بالإعدام محسوبة على التيار الإسلامي هي سندس عاصم ثم بعدها السيدة سامية شنن.

وأول فتاة فقدت ساقها هي أسماء جمال.

وأول أسرة يتم القبض عليها بالكامل هي أسرة الأستاذة حسناء المتولي وابنتيها رواء وروضة معتقلات من منزلهن بمنية النصر بالدقهلية يوم 28 يونيو 2015 لإجبار زوجهم المطارد على تسليم نفسه.

كل هذه المآسي ولا تجد إعلامًا يتبناها ولا منظمات حقوقية تحمي أصحابها وتبحث عن حقوقهن وترعاها.

وجزى الله خيرًا أخانا (عمار مطاوع) على جهده الفردي الرائع في توثيق حالات اعتقال الحرائر المقاومات للانقلاب حتى صار مرجعًا للجميع وهو لا يميز بين المعتقلات ممن ينتمين إلى تياره الفكري أو غيره.

صحابيات في عصرنا .. ( فجئني بمثلهن)

“ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة..”

تلك الكلمة التي قالها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأم عمارة (نسيبة بنت كعب) بعد أن رأى بطولتها وتضحيتها في غزوة أحد.

ومازال للقصة تتمة مع حرائرنا اللواتي استرجعن بطولات الصحابيات في العصر الحديث.

بنت

أسماء جمال بعد أن فقدت ساقها

 

 

فها هي أسماء جمال تسير في مظاهرة فيتم الإحاطة بها من البلطجية وضباط الشرطة فتتحداهم بنظراتها وتستفزهم بثباتها وعدم خوفها فيقوم ضابط مجرم بإطلاق الخرطوش على ساقها قائلا لهًا: “لن أقتلك بل سأُعجّزك حتى لا تمشي في مسيرات أخرى”، فتصاب إصابة بالغة تؤدي إلى بتر ساقها فما كان منها إلا أن قالت:

“سبقتني ساقي إلى الجنة ولن يمنعني ذلك عن استكمال المسيرة المقاومة للظلم”

 

رشا

رشا منير

 

وها هي السيدة (رشا منير) التي تم الحكم عليها وعلى أختها (هند) بالسجن المؤبد وهي أم لطفلين ويتوفي زوجها وهو في طابور الانتظار أثناء زيارتها في السجن ثم تتوفى والدتها حزنًا عليها وتتواتر الأخبار عنها من محبسها أنها صابرة محتسبة راضية بقضاء الله لم تجزع ولم تلن لها قناة.

هبة

الحرة هبة قشطة أثناء ترحيلها

وها هي (هبة قشطة) فتاة جامعة المنصورة التي رأت زميلها يتم سحله وضربه في الجامعة فقامت بتصوير المشهد فجرى عليها جلاوذة الأمن فلم تتراجع وتم القبض عليها وصعدت سيارة الشرطة فقيل لها انزلي فقالت لن أنزل واترك هؤلاء المظلومين فتكون أول فتاة تحاكم عسكريًّا ويصدر في حقها حكم نهائي بالسجن سنتين فلا تراها إلا باسمة.

بنت1

سندس عاصم

 

 

وها هي سندس عاصم يحكم عليها غيابيًّا بالإعدام فتقول “الإعدام لن يكسر إرادتنا“.

ولا ننسى السيدة المظلومة (سامية شنن) التي حكم عليها بالإعدام ظلمًا وما زالت تنتظر صابرة محتسبة.

ويقطر الأسى من قلبي عندما لا أذكر في حديثي نساء فُضليات كن وما زلن لهن مقام رفيع في المجتمع يقبعن في غياهب السجون ولا يسأل عنهن إلا أهلهن ولا يعرفهن إلا دوائرهن العائلية والشخصية ولا تتحدث عنهن الميديا ولا يعرفهن الناس، ولكن الله يعرفهن وكفى بالله حسيبًا.

ربما كان مشهد إسراء الطويل وهي تدلف إلى المحكمة بعكازها باكية باعثًا على الحزن والبكاء ولكن كان مشهد أسماء جمال (فراشة الحرائر) وهي تبتسم بعد فقد ساقها ملهمًا وباعثًا على الأمل والثبات والصمود.

“وإن كتب التاريخ المنصفة ستكتب في باب الفخر أن فتاة فقدت ساقها فابتسمت، وإن كتبت أن فتاة رقيقة ومظلومة بكت من القهر في المحكمة فسيكون ذلك في باب السرد”.

كلهن حرائرنا

وما أنكره على غيري لا أرضاه لنفسي فكل حرة وقفت في وجه الظلم أيًّا كانت طريقتها ومنهجها وفكرها هي مثل أختي لا أرضى أن يمسها سوء بل أدافع عنها دفاع الكريم عن الكريمة والحر عن الحرة.

وكل فتاة أو امرأة سجنتها عصابة الانقلاب فهي تاج رؤوسنا جميعا وقضيتها هي قضيتنا جميعًا بلا استثناء أو تفريق.

فمن هذا الإنسان الذي يرى (يارا إسلام) ذات الوجه الطفولي والابتسامة الرقيقة ولا يتعاطف معها ومن هذا الذي يحمل في جوانحه قلبًا لا يأسى على بكاء فتاة بريئة مثل إسراء الطويل.

الإنسانية لا تتجزأ والمشاعر الحقيقية لا تعرف الانتقائية والفطرة السليمة بوصلتها متوجهة لنصرة كل مظلوم والوقوف مع كل صاحب قضية عادلة.

فماهينور وإسراء مثل سندس و أسماء لا فرق بينهن وإن تعددت الأفكار والاتجاهات.

ربما تختلف أسماؤهن لكن .. كلهن حرائرنا الأسيرات.

 

 

بنات2

كريمة الصيرفي، ماهينور المصري، هبة قشطة، يارا سلام، رشا منير

 

 

 

تم الافراج عن السيدتين رشا منير وهند منير بعد حكم المحكمة بإخلاء سبيلهما بعد الانتهاء من إرسال المقال لساسة بوست

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد