أُذن في الميدان، واجتمع الناس لصلاة غير مفرقة بين الانتماءات الحزبية أو الأيديولوجيات الفكرية وارتفعت الهتافات مدوية: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».

عاش الناس ثمانية عشر يومًا يحلمون بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وكأن الناس قد انفرجت أساريرهم لتخرج من سنايا أرواحهم للنور. شهد الميدان حلمًا عُذريًا لا قُبح فيه، ثار الناس وهتفوا حتى زُهقت أرواحهم في سبيل أحلامهم.

ووسط كل هذا تاه الشباب وتبددت الأحلام ونفدت طاقة الكثيرين. آمن من آمن بالمشروع الإسلامي وبددت القيادات من الإخوان والسلفيين طاقة الشباب في مشروعٍ وهمي، وذهب فريقٌ آخر لحلم غربي لا يشبهنا ولا يتناسب معنا مغترين بحرية زائفة ورموزٍ مشوهةٍ ونموذج هش.

ومرت ست سنوات على الثورة المصرية وعاد الوضع كارثيًا أكثر من ذي قبل. قُيدت الحريات وانتزعت الأحلام واعتقلت خيرة شباب الوطن، وأصبح كل منا ينتظر دوره في طابور المسجونين؛ ودفع الإسلاميون فاتورة الدم كاملة نتيجة لغياب القيادة وتصورها الفكري للتعامل مع المعطيات المستجدة.

ومنذ اليوم الأول للثورة تشرذم الإسلاميون واختلفت قيادات الصحوة الإسلامية التي شهدتها مصر في مطلع سبعينيات القرن المنصرم. وثارت تصفية الحسابات بين أكبر تيارين محسوبين على الدعوة الإسلامية في مصر (الإخوان المسلمين والسلفيين).

ومع تعطش الشباب سواء من التيار الإسلامي أو من خارجه إلى قيادة حقيقية خرجت من رحم الأزمة رموز أُعدت فارقة في المشهد السياسي متبنية طرحًا جديدًا مغايرًا لما عليه الجماعات الإسلامية التقليدية.

فكان أول من أثار جدلًا واسعًا هو الدكتور محمد يسري سلامة الذي عُرف بتوجهه السلفي وفهمه العميق لتراث شيخ الإسلام ابن تيمية والذي كان متحدثًا رسميًا لحزب النور. ومن ثم انفصل عنهم نتيجة الاختلاف في القرارات المتخذة ناحية الثورة والثوار. وانتقل بعدها لتأسيس حزب الدستور مما جعل الإسلاميين يشنون عليه حربًا ضروسًا واصفين إياه بالمنتكس.

وكانت أفكار الدكتور يسري سلامة النابعة من فهم التراث الإسلامي بمثابة قنطرة رابطة بين الماضي والحاضر، بين التاريخ والواقع. والتي كانت ليست وليدة حقبة الثورة والثوار ولكن كانت منذ أن وقع على المبادئ السبعة للتغيير التي طرحها الدكتور البرادعي قبل الثورة.

مما جعل الكثيرين يعتبرونه قائدًا ويلتف حوله كثير من النخب العلمانية والليبرالية وكثير من شباب التيار الإسلامي – المنشقين عنه لجموده التنظيري وفقره في إفراز قيادات تنتج تصورات جديدة – كممثل لهم عن روح الثورة والمبادئ التي نادت بها خلال ثمانية عشر يومًا.

وبعد معارك دامية بين الثورة وأجهزة السلطة كتب تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» يأسى فيه على حال الثورة وما آلت إليه من ضعف وتشرذم، مما جعل البعض يأخذها شعارًا له كمعبر عن تبدد حلمه وضياعه بين ظلم الدولة وفساد النظام.

ومن الرموز التي أثارت حفيظة العسكر منذ خطاب عمر سليمان عقب تنحي مبارك الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل أحد أبرز رموز التيار الإسلامي والمنفصل عن جماعة الإخوان المسلمين. والذي جعل العسكر يجعله من أول الفئات المستهدفة من حملة الاعتقالات إبان أحداث الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو (تموز).

ويعتبر حازم أبو إسماعيل من أشد المعادين للمؤسسة العسكرية والتي حذر منها مخاطبًا الشعب في ميدان التحرير بألا يتركوا الميدان، وأن العسكر ذئاب وثعالب، يريدون استنعاج شعب وأمة. فكان يرى أن اللعبة السياسية إذا استمر فيها الإسلاميون على ما هم عليه سيكون مآلها الانقلاب العسكري الغاشم فخاطبهم قائلًا «التاريخ بيني وبينك المجلس العسكري سينقلب على الثورة».

بينما انتقد عبد الفتاح السيسي بعد توليته من قبل محمد مرسي قائلًا «عبد الفتاح السيسي يقوم بدور ممثل عاطفي ولابد أن يجد رادعًا لهذه العربدة».

وبالرغم من اتهام الإسلاميين له بأنه صدامي ويسعى لتفكيك المؤسسة العسكرية وإسقاط هيبتها وتخليهم عن دعمه في صراع الانتخابات الرئاسية، إلا أنه كون شعبية جارفة في الشارع المصري. والذي أظهرته حملته الانتخابية في انتخابات 2012 مما أدى إلى استبعاده منها.

ويأتي رمزُ آخر ساهم في تشكيل وعي كثير من شباب الحركة الإسلامية ووسع أفقها وزاد من وعيها وإدراكها للمعركة التي تواجهها مع خصومها الدكتور حسام أبو البخاري القابع في سجون الدولة المصرية المتهاوية منذ الانقلاب الغاشم.

فكان الدكتور مشتهرًا بمحاوراته الشرسة لكشف عوار الفكر الغربي ونقده نقدًا علميًا. كما كون (ائتلاف المسلمين الجدد) وكان له دور مشهور في قضية كاميليا شحاتة.

وقاد المظاهرة الشهيرة ضد أمن الدولة في مدينة نصر مما أثار حفيظة الأمن الوطني ضده وجعله من أول من استهدفوا من أجهزة الأمن عقب أحداث فض رابعة. واعتبره الشباب بمثابة مشروع مفكر مشابه لهم في الفكر مستشعرًا همومهم وهموم الأمة معاصرًا لها معهم، مما جعله قائدًا في مخيلتهم.

هذه أبرز الرموز التي أنتجتها الحركة الثورية في مصر بعد ثورة يناير، جاءت كمعبر عن آمال وأحلام الشباب بعد الثورة توفي من توفي واعتقل آخرون؛ وبالرغم من اعتقالهم إلا أنهم يظلون قادة في مخيلة الشباب.

ولكن وإلى أن يحين خروج حازم أبو إسماعيل وحسام أبو البخاري من معتقلات النظام المصري سيظل السؤال إلى متى ستظل الصحوة الإسلامية فقيرة في إفراز قيادات معبرة تعبيرًا دقيقًا عن احتياجات الأمة؟ تاركة شباب الأمة تتقاذفها المناهج والأفكار ما بين انحلال وتطرف، ومبددة طاقات الشباب في مشاريع وهمية لا تتحقق تحت وطأة حكام استبدوا بالحكم وقمعوا حريات الشعوب وآمالهم.

إلى متى ستظل تعاني الحركة الإسلامية من الفقر السياسي وإهمال النقد؟ والمراهقة في التعامل مع مستجدات الواقع التي لا يدفع فاتورتها إلا الشباب. إلى متى ستظل تلك الجماعات والحركات تزيف وعي من يحلمون بواقع أفضل وممارسة سياسية راشدة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد