يفتخر الإخوان المسلمون في كثير من المناسبات بأن السواد الأعظم من كوادرهم وأعضائهم وقادتهم هم من حملة الشهادات العليا، وأنها الجماعة الأكبر التي تحتضن بين صفوفها فئات عريضة من الأطباء والمهندسين والدكاترة وغيرهم من الأطر العليا. أشارت عرضًا كثير من تدوينات النعي للقيادي الإخواني الراحل عصام العريان إلى هذه المسألة في سياق استعراضها لمناقب الرجل الذي توفي مظلومًا في سجون السيسي، حيث سجلت أنه حصل على عدد من الشهادات العليا في تخصصات علمية مختلفة، الأمر الذي يسري أيضًا على كافة رفاقه المعتقلين من قيادات الصف الإخواني الأول. في المقابل وعند الحديث عن المستوى التعليمي لخصوم الإخوان والإسلاميين عموما يشار إلى الدرجات المتدنية التي حصلوا عليها، وبكثير من الازدراء والسخرية مثلًا يجري الحديث عن الدرجات المتواضعة التي حصل عليها السيسي ورموز النظام المصري عمومًا في مسارهم الدراسي.

من الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها جماعات الإسلام السياسي أنها عملت على تقييم كفاءاتها وكوادرها بناء على «اجتهادهم» و«مثابرتهم» في الدراسة. وجعلت تراكم الشهادات العليا بعلامات عالية معيارًا على الجدارة والاستحقاق. بينما الذكاء والحنكة والفطنة وملكات القيادة لا يمكن ربطها مطلقًا بمسار دراسي ناجح. بل ما فتئ الواقع يؤكد أن النوابغ والمبدعين وصناع التاريخ وقادة التغيير الموهوبين لم يكونوا من أصحاب الشهادات الجامعية، ولم يكن غريبًا بالتالي أن تمضي المجتمعات المتقدمة في خطط إلغاء الشهادات الجامعية في شروط الالتحاق بالوظائف وتبوؤ المناصب، والاكتفاء بامتحانات ومقابلات التوظيف التي يمكن للجميع أن يشارك فيها، وإن كان رصيده من الشهادات الجامعية معدومًا.

ماذا يمكن أن نستنتج من مسيرة دراسية حافلة بالشهادات والعلامات العليا؟ نستنتج أن صاحبها إنسان مواظب في دراسته ومثابر في تحصيله ومخلص للمنظومة التعليمية التي يدرس ضمنها، ومجتهد في هضم برامجها ومقرراتها المدرسية المعتمدة، هذا لو اتخذت الأمور مجراها الطبيعي، ولم تتأثر بشيء من الواسطة أو القرابة سواء كانت قرابة دم أو قرابة أيديولوجية. وفي نهاية الموسم يكافأ هذا المواظب في تفانيه هذا بشهادة وعلامة عالية. أين الذكاء يا ترى في هذه العملية المرهقة والمجهدة؟ وتتعزز وجاهة هذا السؤال أكثر إذا تمت هذه العملية التعليمية في مدارس وجامعات البلدان المتخلفة، حيث العطب المعرفي يتخذ طابعًا مؤسساتيًّا، والمنظومة التعليمية – كما غيرها – تتردى في قيع الرداءة والانحطاط. ألم تتحدث الصحف في كثير من الأقطار عن أسواق نشطة تباع فيها شهادات مختومة في مختلف التخصصات، أو منحت الشهادات بناء على اعتبارات أخرى، وكاتب هذه السطور شاهد على وقائع مُحضت فيها الحسان الملاح درجات لم يظفر بها أخو الروحات والدلج. في الكويت مثلًا تحدث الإعلام نقلًا عن مصادر رسمية عن مزور شهادات أمضى تقريبًا عقدًا من الزمان يتاجر في الشهادات العليا المزيفة، ومما أسفرت عنه التحقيقات أن بعض زبائن هذا الرجل تبوأوا فعلًا مناصب حساسة في مؤسسات الدولة بناء على هذه الشهادات التي أثبتوها في سيرهم الذاتية وأدلوا بها في الملفات التي تقدموا بها لنيل الوظائف.

قد يكون – وهذا رأي شخصي – السجل الحافل بالشهادات الجامعية، إشارة إلى تواضع خطير في ملكات الإبداع والنبوغ والعبقرية والابتكار. فالعبقرية بوصفها تجاوزًا للمألوف وتمردًا على السائد وتفكيرًا بموضوعية كما يقول شوبنهاور، لا تستقيم وعملية يُعاد فيها الإنتاج عبر عمليات تلقينية يحدها سقف، وتعترضها كثير من الخطوط. لذلك غالبًا ما تضيق مؤسسات التعليم الرسمية بالمبدعين ويرون فيها وحشًا يهدد استعدادتهم المعرفية بالهدر والاغتيال، فما أسرع ما يغادرونها ويستعيضون عنها بخيارات أخرى تتيح لهم حرية أكثر في التحصيل وإمكانات لا محدودة في التفكير والإبداع. القادة وبناة الدول وصناع التاريخ لن يكونوا ممن مردوا على منظومة تعليمية تعطل الكفاءات وتحصر أفق المنجز المعرفي في الحصول على شهادة وعلامات جيدة آخر السنة.

هذا جانب فقط من سوء الفهم الكبير لموضوع الاقتدار المعرفي والجدارة القيادية الذي ربطته بعض الحركات الإسلامية بالشهادات الجامعية العليا. فطفقت بالتالي تفتخر بكوادرها «المتعلمة» بينما على أرض الواقع لم يستطع هؤلاء الكوادر صناعة فارق جدير بالإشادة في مسار نشاط سياسي امتد قرابة قرن من الزمان. بل لم يستطيعوا إبرام نقلة نوعية تقطع مع دوائر التيه والمحنة التي دخلت فيها تياراتهم وحركاتهم ولم تنعتق منها حتى وهي في سدة الحكم والسلطة. الجانب الآخر من سوء الفهم هو انكباب هؤلاء الأعضاء والكوادر بشكل يدعو للدهشة على دراسة تخصصات معينة كالطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والقانون، معرضة أشد الإعراض عن تخصصات أخرى وثيقة الصلة بالإنسان، الذي يفترض به أن يكون حجر الأساس في مشروعهم التغييري المنشود، مثل تخصصات الفلسفة والفكر والتاريخ والأدب وعلم النفس والاجتماع. إن العقل الأداتي التقني مهما بدت سرعة وكفاءة معالجته للمسائل الرياضية محدودة آفاق عمله واشتغاله، كما أن حل المعادلات الرياضية والمسائل الهندسية لا ينطوي على كبير ذكاء وفطنة خارقة، يكفي أن تكون ذا ذاكرة جيدًا. أما فهم الإنسان أعمق فهم فلن يتأتى إلا لمن أخذ بحظ من الفلسفة والأدب وعلم النفس والتاريخ، وهذه الحقول المعرفية الخصبة ذات الأفق الممتد والخيال الشاسع هي القادرة على فهم الظاهرة الإنسانية بتركيبتها الغريبة والمعقدة ودوافعها الغامضة. وأصحاب التخصصات العلمية والتقنية الجامدة غير قادرين على التصدي لأزمات الإنسان تشريحًا وفهمًا وتفسيرًا، ألم يقل أينشتاين إن عقله ليس معقدًا بالقدر الكافي ليفهم أعمال فرانز كافكا. طبعًا المقال ليس تسفيهًا أو انتقاصًا من جدوى التحصيل الأكاديمي أو تشكيكًا في نجاعة العقل الأداتي في التأسيس لخطاب تغييري يُخرج الأمة من دائرة التيه والعبث. وإنما هو دعوة إلى إعادة الاعتبار للعقل النقدي وللعلوم الإنسانية والكف عن ربط الكفاءة بالشهادات المدرسية. ورائع ما يشاهده المرء الآن من اهتمام الكوادر الصاعدة بالعلوم الإنسانية، خصوصًا التاريخ وعلم الاجتماع والنفس والفلسفة الإسلامية، حتى وإن كان اتجاههم الأكاديمي اتجاهًا علميًّا محضًا.

إن مشكلات العالم الإسلامي تكمن من جهة أولى في غياب الأفكار الأصيلة المؤسسة للتغيير، ومن جهة أخرى في غياب القيادات الراشدة؛ الحكيمة؛ والمتبصرة، الواعية بأبعاد الصراع ومظاهره وآليات إدارته وتدبيره. أما الخريجون فلدى الأمة فائض منهم ولا يخلو بيت مدر ولا وبر من خريج أو اثنين. وبالتالي فلا داعي إلى الاحتفاء المبالغ فيه بأصحاب العلامات العالية من تلاميذ الثانويات العامة وغيرهم في عالمنا العربي؛ لأن ذلك قد يكون في الواقع إشارة مبكرة إلى فقر في ملكات الابتكار والابداع لديهم.

مؤلم جدًّا أن تجد النسبة الأكبر من رصيد الحركة الإسلامية المصرية من الكفاءات الأكاديمية المتعلمة محشورة في زنازين السيسي. ومؤلم أكثر أن تؤول بلدان بحجم ليبيا والسودان إلى أمراء حرب؛ بعضهم أمضى شطرًا من عمره راعيًا للإبل في الصحراء. لكن عوض الاسترسال في ازدراء هذه الشخصيات والسخرية من مستواهم التعليمي ودرجاتهم المتدنية ينبغي الاعتراف بأن لهم من الذكاء والدهاء، والوعي بقوانين الصراع وسنن التغيير ما لم يكن لدى خصومهم. ويجب أن يكون ذلك درسًا واقعيًّا، وإشارة واضحة إلى أن فن القيادة ينطوي على قدر كبير الدهاء والوعي والموهبة التي لا يمكن لأعلى الشهادات الأكاديمية أن تمنحها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد