بعد انتهاء الوصاية الاسلامية العثمانية سنة 1924 على الوطن الإسلامي الشاسع بفعل أوروبا الحاقدة على الخلافة الإسلامية انبرى الحلفاء في تقسيم وتقطيع أوصال المُلك الإسلامي بينهم، وتمزيق الولايات الإسلامية إلى دويلات وحظائر، ولم يكتفوا باحتلالها ونهب خيراتها ماديًا وحسب، بل حرصوا على الاستمرار الفكري فيها، فيما عرف بحركة التغريب والعلمنة فلم يكن الغزو الغربي للعالم الإسلامي بالسلاح المادي والجنود فقط، بل كان غزوًا فكريًا وثقافيًا فعمدوا إلى فرض لغاتهم بالجبر والقوة وجعلوا عاداتهم وخبائثهم هي الأصوب والطبيعي في بلاد الإسلام ونشروا الفساد والفجور، وروجوا ودافعوا عن الأفكار الشاذة، وحتى الخارجة عن الفطرة الإنسانية السليمة، وأرادوا تحويل بلاد الإسلام إلى ماخور كبير تستشري فيه الرذيلة، والانحلال القيمي، والجرائم الأخلاقية، حتى أنهم نقلوا المومسات وتجار الجنس من بلادهم إلينا، وفتحوا دور الدعارة كل ذلك حتى يستطيعوا السيطرة على أمتنا، وكما قال أحد قادة الغرب تعبيرًا عن هذه الفكرة: (كأسٌ وغانية أشد على أمة الإسلام من ألف مدفع)؛ فكانت وسائلهم في ذلك جد خطيرة وموجعة للعالم الإسلامي، وكان ذلك غزوًا للعقل قبل الجسد.

أول ما تسلل هؤلاء المجرمون إلى وطننا الإسلامي قتلوا عقل الأمة فسفكوا دماء علماء المسلمين الذين يحملون راية الجهاد ضدهم وقضوا على حركة التعلم حتى يسود الجهل، وسفهوا طلاب العلم وأعلوا من السفهاء وجعلوهم نجومًا وكمموا الدعاة والمصلحين، وجعلوهم أسافل الناس، ودعاة للتخلف والرجعية، وهمشوا دور المؤسسات الإسلامية العريقة التي كانت منبعًا للعلم على مر العصور وقلاع الإسلام الحصينة، وبعد ذلك عندما أصبحت فاتورة الاحتلال، أو ما اصطلحوا أن يسموه زورًا (استعمار)، مكلفة عملوا على إيجاد حل لهذه المعضلة.

ولأن الأنظمة وحكام الولايات الإسلامية التي كانت تستمد شرعيتها من انتمائها ومرجعيتها في الحكم إلى سلطان المسلمين وخليفتهم في بلاد الأناضول التي أرعبت أوروبا فيما يقرب من 300 عام، وأخذت كمثلها 300 عام لحياكة مؤامرات حتى سقطت، كانوا معبرين عن حكم الشريعة الاسلامية وولائهم الأسمى، وإن لم يكن الفعلي إلى الدولة العلية العثمانية، فكان لزامًا وأجلًا مسمي من إسقاط تلك النظم أيضًا حتى يسقط في الضمير الجمعي للأمة والوجدان الإسلامي والعربي كذلك فكرة الإمبراطورية الأممية الجامعة لكل المسلمين، وبدأ عصر الطوائف والقوميات حتى تتقسم وتتقزم الأمة وتتقلص قوتها وهيمنتها على العالم وينتهي دورها التاريخي لكي تظهر قوى الغرب النصراني لتستلم قيادة العالم من المسلمين لحين إشعار آخر.

تم تمويل الانقلابات العسكرية في بلاد العرب والمسلمين في كافة العالم العربي كما حدث مثلًا في مصر والسودان، وليبيا، وسوريا، والعراق، واليمن، ومن تولى السلطة فيما بعد كانوا عسكر مؤتمرين ليسوا أصحاب قرار، ولا رأي ولكن منفذين لأوامر الأسياد ويحملون أجندات المحتل الغاصب وكانت هذه الأمور مختفية عن أعين الناس لفترة ليست بالكثيرة، فقبيل حكم الحلقة الثانية من العسكر في مصر على سبيل المثال في عصر السادات كان قد خرجت للنور مذكرات وكتب لضباط المخابرات الأجانب أمثال (لويس لورانس، وجون فيلبي، وبيرسي كوكس، وروزفلت)، وأهم شخصية فضحت تلك الأنظمة الفاسدة مايلز كوبلند في كتاب «لعبة الأمم» الذي كشف أن من ادعوا الثورة من أجل الشعب ما هم إلا منفذين لأوامر امريكا المحتل الجديد وبيادق بإيدي أجهزة المخابرات وكانت لهم مخصصات مالية تصرف تحت أسماء مستعارة في بنوك أوروبا، وقد كتب تعقيبًا على مثل هذه الفضائح الصحافي المتمكن والكاتب الرائع محمد جلال كشك رائعتيه «كلمتي للمغفلين – وثورة يوليو الأمريكية» مفندًا ادعاء ما عرف بحركة الضباط التي قامت زورًا للتخلص من الملكية (المستبدة) وإرجاع الحكم للشعب.

حينها قد أدرك قطاع كبير من الإسلاميين إنهم قد تم اللعب بهم مع باقي الشعب وتم تغفيلهم، وأن قيادات الجيوش (الوطنية) لها شراكات مصيرية مع الغرب لكي نبقي تحت السيطرة ونظل ممحلين ليس بأيدينا شيء من أمرنا، ومن هذا المنطلق ومنذ هذه اللحظة أدرك الصف الإسلامي أنه بمحاربته ومقاومته للإمبريالية العالمية المفترسة التي تريد الهيمنة على العالم لابد أن يواجه أولًا وكلاءها من العسكر على مختلف أشكالهم، وظهرت نظرية العدو القريب والبعيد، وتم العمل في هذا الإطار، ولما حاول الإسلاميون عمل انقلاب أو ثورة أو الوصول للحكم حتى عبر الصندوق لإنهاء نظام الوكالة كما حدث في الجزائر في العشرية السوداء، أو في مصر في قضية الفنية العسكرية في عهد السادات عندما حاول بعض الإسلاميين تنفيذ انقلاب على النظام، أو في ثورة حماة في سوريا التي تم الضرب فيها في سويداء القلب والاعتقال والتعذيب، بل وصل الأمر إلى القصف بالمدافع والطيران مع وقوف النظام الدولي مع النظام النصيري العميل لإبادة المسلمين من أهل السنة حتى لا يقوم لهم نظام حر في مكان.

لقد تم النظر إلى الإسلاميين عندما استخدموا القوة والعنف للرد على سلطة الاحتلال أنهم إرهابيون ومجرمون ومصاصو دماء، في حين أن مذكرات العسكر التي خرجت تحكي عن الحقبة الناصرية تزخر بما يشيب له الولدان شيبًا من المؤامرات، والدسائس، والقتل، والاغتيالات المادية والمعنوية فيما بينهم، بل وصل الأمر إلى حد لا أخلاقي؛ حيث تم تصوير كبار قادة العسكر مع زوجاتهم في مخادعهم وداخل غرف النوم مثل ما حدث مع المشير عبد الحكيم عامر وزوجته برلنتي عبد الحميد، وما خفي كان أعظم.

لذلك وعلى الجانب الآخر في فترة المخلوع حسني مبارك كان يحيرني جدًا ذلك السؤال، وهو لماذا تم الإعلان عن مراجعات لقادة الجماعة الإسلامية بمصر، وتم تخييرهم بين نبذ العنف والخروج من المعتقلات بعد إبداء الندم والاعتراف بالذنب، بقي قطاع كبير على نفس الفكر والمنهج وأبوا الانقلاب على مبادئهم وقناعاتهم حتى لو كان البديل أن يكملوا مشوار التعذيب داخل أقبية السجون؟

علمت حينها أن هؤلاء القوم أدركوا أن في استعمال القوة بحق لها أسبابها المعقولة وأن استعمال التظاهر والتعبير بالكلمة فقط أمام البنادق كمن يقف امام القطار ولاحل طبقًا (لوجهة نظرهم) لمواجهة ذلك الاحتلال المقنع، إلا بالرد عليه بنفس الوسيلة التي يستعملها، وقد كان لهم وجهة نظر معقولة في هذا الأمر، وأن جانبًا كبيرًا من الصواب كان إلى جانبهم، بالرغم من بعض المآخذ التي قد تؤخذ عليهم.

وبعد مرور 60 عامًا من الخيبة وتحكم أجهزة مخابرات الغرب والخليج لاحقًا فينا، وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي آلت السلطة إلى الإسلاميين وصارت معهم الشرعية الدستورية والقانونية، ولكن للأسف تعاملوا بملائكية ومثالية، وأغمضوا أعينهم عن كم المؤمرات الإقليمية والدولية، وراهنوا فقط على وعي الشعب الذي طمس عليه الإعلام الصهيوني، وتغافلوا عن أهم حقائق الكون أن حق بدون قوة تحميه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، بيد أن الوضع في الحبيبة (ليبيا) اختلف تمامًا وصار كما كان لا بد أن يسير في مصر حيث تعامل الإسلاميون مع القوة المناهضة لهم بمنطق الحماية والحفاظ على الشرعية بالقوة المسلحة، وحازوا على الدعم من الأتراك فاستطاعوا ان يتلافوا أخطاء أشقائهم في مصر.

لذلك نجد أن الشخص الوحيد الذي ارتأى أن الحفاظ على الشرعية بمصر يتطلب استعمال قوة، كما حدث في مواجهات يناير (كانون الثاني) 2011 بمصر (الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل)، وهو أول واحد حرصت سلطة الانقلاب العسكري على أسره، وتلفيق قضايا له.

لقد أدرك الإسلاميون منذ العام 1928 وهو العام الذي نشأت فيه كبرى الحركات الاسلامية (جماعة الإخوان المسلموان) أن لهم الحق كفئة منظمة من المسلمين في إرجاع مجد الإمبراطورية الإسلامية في أي من أقطار العالم الإسلامي، وكان مؤسسو الدعوات هذه أمثال حسن البنا، وسيد قطب، والندوي، والمودودي، لهم رؤية متكاملة، وخطوات محسوبة للعودة من جديد، ولكن التلاميذ والأتباع أغفلوا جانب العزة والقوة، ولم يكملوا رؤيتهم، ولم يحققوها كما أرادوا، فضيعوا حقوق العباد.

والسؤال الآن ما الذي سوف يحدث نتيجة هذا التفريط؟ أم أن التعامل مع الحدث التاريخي بما اقتضته الأدوات والمعطيات الموجودة على أرض الأحداث له حججه ومبرراته، وإلى أن يأذن الله بالتغيير سوف ننتظر هبَّة الجماهير العربية ونرة كيف ستتعامل مع هذا الواقع؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد