لا سمو لأحدٍ فوق الدين! هذا ما نخاف منه على مريدي ما بتنّا نُسميه شيوخ الحدّاثة؛ لأنّ الردة الفكرية للمصدومين فيهم، إذا ما كُسرت دائرة الاتباع الصنّمي بعد صراعٍ مع الفكر والضمير حول الشبهات التي تُقام حول تلك الأصنام، وهو أمرٌ لعمري خطير ، فهناك من يرى المثل الأعلى في هذا أو ذاك، ثم إذا أصبح فرأه لا يمثلُ فكره وضميره في مواقف حيوية ومصيرية، ويظل يماطل بخديعة نفسه بفكرة: أشفع له علمه.. أو أشفع له دوره في هدايتك!

وهي تعاقبات متدرجة ذات أساسٍ هشّ واهم؛ فأنت لا تعبد الوسيط، أنت في النهاية تعبد الغاية الكبرى: الله، والوسيط – مشكورًا – قد أدى دوره، وكونّه إنسان يحتم عليه صفة الخطأ، والتجريد البشري من العصمة، ولم يذكر لنا، لا التاريخُ ولا كبار قامات الصحابة والتابعين أن أحدهم كان معصومًا عن الخطأ؛ لأنها صفة الأنبياء وحسب؛ لما على عاتقهم من مسئوليات النبّوة من ضخامة وثُقل، وكون هؤلاء في عصرنا المحُدث الذي تعج به الفتن تقلب الرجل كافرًا بعد طول عبادة، وتخرجه من الملةِ كما يَخرج النهار من الليلِ، بكلمة أو موقف، فهذا أمرٌ أدعى لمزيدٍ من التدبر!

 إلى منْ تُولى ظهرك؟ إذا وليته لبشري مثلك فأنت واهم، فأجل مرجعيتك إلى الله والعلم من الكتب تستطيع أن تأخذه وما تحفظه صدور الرجال (الوسطاء)، فإن الرجال تقلبوا على ما قالوا وما علّموا وأفتوا به النّاس، فهذا ليس بالضرورة انقلابًا على العلّم، وإنّما وجه رفضّك للأفراد، فالعلم يعلو ولا يُعلى عليه، ولا سمو لأحدٍ فوق الدين!

إنّ النظرة الفردية لتفسير الدين لن تُفيدَ الدينَ في شيء! قد يُفتي أحدهم ويُرغي ويزّبُد ويملىء الدّنيا بقول: إنّه أكثرَ النّاسِ إيمانًا! لكن حينما يسأله واحدٌ فقط من خارج دينه عن أية ثغرةٍ فيه، سيفغَر فاهه ويقول: إنما هو بـالإيمان!  وهذا منطقُ الآخذين الدين ميراثًا أبويًا، وكل هذا عليه أن يتغير.

إنّما الإيمان ما يرتكز حقًا على بصيرةٍ ومعرفة تحرساهُ من الزّيغ والغرقِ بين أمواج اللايقين المتلاطقة، وإلا أضحى عبئًا كجهلِ الدراويش.

لكلّ شيءٍ في الكونِ تفسير منطقي، كلُّ شيء على الإطلاق!  لكن كلّ ما في الأمري، أنّ أحدهم لم يصل إليه بعد! وهي دعوة إلى الاجتهاد في النّقاط الشرعية العويصة من أمور الشريعة، دون سواها من الأمور التي قُتلت بحثًا وتفنيدًا، وذلك تقديسًا لوقتِ الباحثين الشرعيين عوضًا عن نقاط السفسطة و(طق الحنّك) في مسائل خلع الحجاب وفلانة الشهيرة التي أشعلت السوشيال ميديا بنقابها، والنمص وصراعات الزوج حول موافقاته الشفهية والكتابية، والجماع خلال الدورة الشهرية وعقب الوفاة! وآلاف المسائل التي من فراغة محتواها أضحكتْ علينا العالم!

في الحقيقة، لا تَهمني حقًا شعارات مثل مابعد السلفية؛ فمثلها في رأييّ مثل شعارات ظهرت على أصعدة مختلفة. سيسولوجيًا – سياسيًا – وحتى علميًا كـالتنويرين وما بعد التنوريين، والحداثين وما بعد الحداثيين، والإسلاميين، وما بعد الإسلاميين.
كُلها تسمياتٌ مهلهلة لا تأتي على فكر العاقل، إلا كما يمرُ مشهدُ تشبث جثة قُطعت رأسها، فجعلت أطرافها تهتز فجأة بسبب بواقي الومضة الكهربية للأعصاب! ولن يغير هذا في الحقيقة أن الجثة = ميتة!

وأصبحتُ أكثر هدوءًا فيما يتعلق برغبة البعض المُلحة لزوال الأنظمة الظالمة، الآن وهنا، وأصبح مزاجي لا يتّأتى على مناقشاتِ تُفسر الماء بالماء، إذ ليس علينا القلق من أين ستخرج علينا الشمسُ غدًا إذا لم يطلّع علينا مسيخ دجال قبلها!

 كلهم إذًا إلى زوال، وهذه ليست دروّشة واستحضار قوى خفيّة للاستعداء على الأعداء الذين لا تُميتهم أدّعية الصالحين مهما احترّت، لأن: لكل أجلٍ كتاب، ولأن الله لا يدير ملكوته على تلك الشاكلة، وليس بأحلامنا، ولكن بتفسيرات ابن خلدون: لكل حضارة علو، وسفول!

وها نحن نشهد بضع مظاهرها.

الحكيم من سيتفرج، ويتأمل ويقول بهدوء: حسنًا، ما التالي؟ّ!

وهنا، نقول: متى تعرف أن معارك الإسلامويين. (العرب منهم على وجه الخصوص والدّقة) أغلبها سطحي وزوبعات فناجين، ومأزوم أزمة الهوية، وخاضع لما سطرته عليهم، السايكس – بيكو، والسوشيال ميديا، ومعارك الانتصار لشهواتهم الكلامية، وحب الشهرة، ومقارعة اللايكات، حينما يهيجون رفضًا لمجرد اقتراح مشروع قانون يُخالف ما جاءت به الشريعة في تونس، فيما يتجاهلون تمامًا قانونًا آخر تم التصديق عليه بالفعل في الهند!

منذ يومين أعلنت المحكمة الفيدرالية بالهند وقف تنفيذ الطلاق الإسلامي بالكلية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد