سردنا في المقال السابق القضايا التي تطرق إليها الدكتور خليل العناني من علاقة متأزمة بين الدين والثورة والحضور الإسلامي في ثورات الربيع العربي، وما استدعاه هذا الحضور من جدالات قديمة حول دور الدين في المجال العام والقوى الإسلامية، وما طرأ على بنيتها ومواقفها من تغييرات، في هذا المقال ننقل لكم خريطة هذه القوى كما رسمها العناني.

خريطة جديدة وفاعلون جدد

ترك انغلاق المجال العام في مصر في عهد مبارك بصمته على خريطة الحركات الإسلامية فانحصرت تلك الحركات بين تيارين: أولهما براغماتي قَبِل بقواعد اللعبة التي وضعها مبارك، وثانيهما تيار راديكالي واجه الدولة وحمل عليها السلاح، ولكن سرعان ما تراجع بعد ضربات أمنية متتالية، أتت الثورة لتحطم هذا النمط الرتيب؛ فكان ذلك الانفجار الذي شهدته خريطة الحركات الإسلامية، وما جلبه من تغييرات فكرية وبنيوية في صفوفها، وكان أهمها قبول الإسلاميين بالديمقراطية كنظام حاكم والتوجه للواقعية أكثر فأكثر.

انقسمت الخريطة السياسية للإسلاميين بعد الثورة إلى فريقين وهما:

(1) الفاعلون التقليديون مثل جماعة الإخوان والجماعات الراديكالية التائبة كالجماعة الإسلامية التي أطلقت حزب البناء والتنمية وجماعة الجهاد التي أطلقت حزب السلامة والبناء.

(2) الفاعلون الإسلاميون الجدد كحزب الوسط الذي انشق قادته عن جماعة الإخوان في التسعينات، ولكن لم ير الحزب النور رسميًا سوى بعد الثورة، والأحزاب والجماعات السلفية، كحزب الأصالة، وحزب الفضيلة، وحزب الإصلاح، والدعوة السلفية، وذراعها السياسي حزب النور، على أن الجماعة لم تكن جديدة على الساحة الإسلامية، ولكن الجديد كان انخراطها في العمل السياسي الذي لطالما تجنبه قادتها لأسباب بعضها عقدية وبعضها براغماتية.

في الفصل الرابع من الكتاب يستكمل العناني تشريحه للخريطة الإسلامية بالحديث عن أحزاب ما بعد الإخوان المسلمين، وقد قسمها العناني إلى ثلاث مجموعات وهي:

(1) أحزاب انشقت عن جماعة الإخوان لأسباب فكرية وتنظيمية كان أهمها حزب التيار المصري الذي ينتمي قادته إلى فئة الشباب الذين شاركوا في الثورة منذ يومها الأول كما مثلوها في إئتلاف شباب الثورة، وقد وقفت أسباب مثل غياب فرص الترقي داخل الجماعة ورفض خلط الدعوة بالعمل السياسي وراء سخط هؤلاء الشباب على قادتهم.

(2) الأحزاب الإسلامية المستقلة وهي أحزاب إسلامية لم تخرج من عباءة تنظيمات وجماعات تقليدية، كحزب الإصلاح والنهضة الذي خرج من رحم التيار الاجتماعي المؤسساتي الذي يستخدم النشاط الاجتماعي كأداة لتحقيق نفوذ سياسي، وإلى جانب هذا الحزب كان هناك حزب الحضارة وحزب التوحيد العربي الذي أسسه قادة سابقون في حزب العمل الإسلامي.

(3) أحزاب دينية مذهبية خرجت من رحم طوائف دينية لم تمارس السياسة من قبل كحزب التحرير (الصوفي) الذي نادى بالتسامح الديني والمواطنة وحقوق الإنسان، وحزب الوحدة والتحرير الذي أسسته الأقلية الشيعية التي عانت من التهميش في عهد مبارك، وفي الحالتين كان لصعود التيار السلفي المتشدد الدور الأبرز في اندفاع تلك الجماعات إلى حلبة السياسة.

السلفية

يفرق بين نوعين من السلفية: سلفية غير مسيسة وسلفية مسيسة، وتنقسم السلفية المسيسة نفسها إلى سلفية تنظيمية وتمثلها كيانات سياسية واضحة البنية كالأحزاب السلفية وأخرى غير رسمية دون أي وعاء تنظيمي كمجلس شورى العلماء ومجموعة «حازمون»، يخلص العناني من هذا الكم من التشعب أن التيار السلفي لم يكن كتلة سياسية صلبة، وإنما مجموعة من الحركات تشترك في بعض الأفكار، وتختلف على الوسائل وطريقة التطبيق.

يناقش العناني سياقات لفهم ظاهرة الخروج السلفي للمجال العام بعد الثورة فيشير إلى أربع مراحل رئيسة وهي:

1.الانتقال من الإقصاء إلى الدمج.. ويري الكاتب أن ما يميز هذا الدمج هو أنه أتى بقرار شعبي لأول مرة.

2.التدافع بين الأيديولوجيا والواقع.. فيشير الكاتب إلى أن العزلة السلفية التي دامت لعقود لم تكن لأسباب فقهية بحتة، بل لأسباب أغلبها براجماتية تتعلق بالواقع الأمني والسياسي في البلاد، والدليل على ذلك هو تصريحات قادة هذا التيار التي تؤكد أن السياسة الشرعية جزء لا يتجزأ من عقيدة الحركة، بلفظ آخر كانت قاعدة المصالح والمفاسد – وليس قاعدة الحلال والحرام – هي المحدد الأساسي للسلوك السياسي لتلك الجماعات وما دامت علة العزلة قد انتفت فما المانع من الخروج؟

3.المكاسب والخسائر.. وهنا تستمر قاعدة المصالح والمفاسد؛ فالديمقراطية إن أتت بشرع الله كان بها وإن لم يكن فهي شرك، فنجد شيوخ مثل الشيخ عبد المنعم الشحات الذي وصف الديمقراطية بأنها «كفر» قبل الثورة ما لبث أن غير من موقفه وسارع إلى المشاركة في الانتخابات التي تلت الثورة، يشير ذلك إلى حقيقة هامة، وهي أن السلفية ليست تيارًا فكريًا فقط، بل شريحة مجتمعية من الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا لها مصالحها السياسية والاجتماعية.

4.السلفنة الإجتماعية والدينية.. أدى انشغال نظام مبارك بالصراع مع الإخوان والحرب على الجماعات الراديكالية إلى فتح الطريق أمام تغلغل السلفية في المجتمع وتكوين حاضنة شعبية ضخمة لها، خاصة بين أبناء الطبقة الوسطى والدنيا، فقد أدى تطور سلفية الفضائيات ووصولها إلى شرائح مختلفة من الشعب إلى «سلفنة المجال العام في مصر»، وهي عملية طويلة لتشكيل الوعي الديني والثقافي في مصر غيرت المزاج العام في مصر فبات أكثر محافظةً وأقل تسامحًا.

أما عن التحولات الفكرية التي طرأت على الخطاب السلفي بعد الثورة فيشير العناني إلى عملية تنسيب في الخطاب فمصدر الشرعية لم يعد في المسجد بل من صندوق الانتخاب، واتجاه التيار السلفي لاستخدام مصطلحات غربية المنشأ كالمواطنة والتعددية… إلخ، إلى جانب ذلك شهدت الساحة السلفية تغييرات على مستوى الممارسة، فأصبحوا أكثر مرونة واستعدادًا للحوار مع غيرهم من القوى ومع العالم الخارجي، كذلك طرأت على التيار السلفي تغير هام تمثل في ضعف التراتبية السلفية التقليدية ممثلة في علاقة الشيخ بمريديه، وأصبحت الكفاءة عاملًا مهمًا، وليس مجرد الأقدمية (نادر بكار كمثال).

يخصص العناني الفصلين الأخيرين من كتابه لمناقشة التحولات التي طرأت على جماعة الإخوان بعد الثورة وسياقات التحول المستقبلي والصعوبات التي تقف أمام أي إصلاح مؤسساتي قد يحدث في بنية الجماعة ويسرد الأخطاء التي أعادت الإخوان إلى السجون من جديد بعد أن صعدوا إلى قمة السلطة في مصر.

يرى العناني أن سقوط الإخوان بهذه السرعة كان نتيجة أخطاء ارتكب الإخوان بعضها في فترة حكم المجلس العسكري وأثناء وجودهم في السلطة وأخرى ارتكبتها القوى «الليبرالية» بالتحالف مع «الدولة العميقة»، كان أهم الأخطاء التي ارتكبها الإخوان في رأي العناني هو العجز عن الخروج من صندوق الأيديولوجيا إلى عالم البرامج الواقعية، وكذلك تغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الدولة، بل بروز منصب الرئيس في مظهر التابع لمكتب الإرشاد في بلد تحوط فيه هالة من القداسة حول منصب الرئيس مثل مصر، وأيضًا توجه الجماعة للتحالف مع القوى والرموز السلفية الراديكالية مثل عاصم ماجد وعبود الزمر، وهو ما زاد من تشويه صورة الجماعة، يضيف العناني إلى تلك الأخطاء عجز الإخوان عن تفهم الوضع الجديد للجماعة التي بالرغم من انتقالها من موقع «المعارضة» لموقع الحكم، إلا أن تغييرًا حقيقيًا لم يطرأ على تصرفات كوادرها، علاوة على ذلك اعتمدت الجماعة على الحشد كأداة وحيدة للتوازن مع بقية القوى السياسية (كما لو كانت في مقعد المعارضة).

يرجع العناني بعض من هذه الأخطاء إلى بنية الجماعة التي تربي أبناءها ليكونوا معارضين فقط، إضافة إلى بنية الدولة المصرية ذاتها التي لم تسمح للقوى السياسية بالمشاركة في الحكم حتى ولو على مستوى المحليات – وهو ما يفرق إسلاميي مصر عن نظرائهم في تركيا مثلًا – إلى جانب الخلفيات العلمية لكوادر الجماعة التي ينتمي أغلب أعضاء مكتب إرشادها إلى مهن طبية وهندسية لا علاقة لها بالسياسة، أما الدولة العميقة فقد استغلت هذا التخبط وانعدام الرؤية للانقضاض مرة أخرى على الثورة.

يشير العناني إلى محاولات عدة جرت لإصلاح هيكل الجماعة باءت بالفشل بسبب سيطرة الجناح المحافظ على الجماعة، ويسرد الصعوبات التي تواجه أي عملية إصلاح قد تجري على هيكل الجماعة، أو فكرها، على غرار ما حدث في حركة النهضة التونسية من فصل للدعوة عن السياسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد