نجحت الكثير من الوجوه السياسية الإسلامية في الوطن العربي في إرساء آليات التسامح ونبذ العنف مع الأنظمة الحاكمة المستبدة، وخاصة بعد ما يعرف بالربيع العربي، حيث انتقلت التيارات الإسلامية من سياسة وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا إلى سياسة سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، ومنذ اللحظة الأولى للثورة ساندت الجماهير العربية ضد الأنظمة التي ينخرها الفساد، وهذا ما حرك الكثير من المياه الراكدة، عبر مشاركاتها في انتخابات ديمقراطية مربحة ومريحة، وكان من أولوياتها المشاركة في صناعة المشهد السياسي، إذ تبنت في خطابها النهضوي وسيلة الانتخابات التي تعتبرها آلية مهمة لتنظيم عملية تداول السلطة وشرعية المعارضة، وطرحت قضايا ذات أولوية بفتح طرق وقنوات الحوار من الأنظمة الحاكمة.

وعلى الوتيرة ذاتها من التزامن مع وتيرة الجهود التي شهدتها الحركة الإسلامية في الجزائر من أجل أخذ العباد والبلاد إلى بر الآمان، ومما لا يدعو للشك أن إسلاميي الجزائر أطلقوا النار على أنفسهم بتقريرهم البقاء خارج سباق الرئاسيات، والانتخابات الرئاسية ليست الهدف الأساسي لهم، ولم يكن إنقاذ النظام في رأس أولويات التيارات الإسلامية، بل يؤمنون بإنقاذ الجمهورية عن طريق دعم مرشح توافقي يتمتع بالأولوية العظمى في عيونهم وفي قلوب الجزائريين، وفي إطار تعميق أقدامهم في المشهد السياسي الجزائري، أو ما يعرف باسم الحراك الشعبي، قام التيار الإسلامي ممثلًا في كل من حزب حركة مجتمع السلم بقيادة عبد الرزاق مقري، وحزب العدالة والتنمية بقيادة عبد الله جاب الله بمقاطعة الانتخابات وهذا بامتناعهم عن الترشح للانتخابات المزمع إجراءها في الثاني عشر من ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

فقد امتطى عبد الرزاق مقري موقف الامتناع عن الترشح، حيث صرح في منشور له على موقعه «الفيسبوكي» قائلًا: نحترم كل الآراء التي تنادي بالمشاركة أو مقاطعة الانتخابات، لكن حركة مجتمع السلم غير معنية، ولن تقدم مرشحها، وطمعًا في حل الأزمة عن طريق عملية ديمقراطية الانتخابات، وفضلًا عن ذلك، فإن قابلية تبخر فوضى الحراك الشعبي يتوقف شطر كبير منه على هذا المرشح التوافقي المتوقع ظهوره وإمكانية تسويقه السياسي.

وعلى الجانب الآخر صرح عبد الله جاب الله: لن أترشح، ونرفض ترشيح رموز النظام السابق، ولا ريب أن الشيخ أخذ بنصيحة قوله تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا، إذ يعد هذا طفرة عكسية في العلاقة بين المدنيين والعسكريين، فمن يوظف مصطلح مرشح النظام لا يملك حنكة سياسية في خطاباته، و لا ندري من هو مرشح هذا النظام البائس، الذي لَنْ تَجِدَ المؤسسة العسكرية مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا.

وفي المقابل حرصت رئاسة الأركان في تصريحاتها: أن عصر صناعة الرؤساء قد ولى، فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا، غير أن النقطة الأبرز التي تشكل مُنْعَطَفَا في تاريخ الأحزاب الإسلامية هو قول قائل منهم: عن إمكانية دعم مترشح توافق وطني، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا. وهكذا كان رد الفعل الأول.

إذًا على الأحزاب الإسلامية في الجزائر أن تنتقل من تبني أيديولوجية (الصلاة، الصوم والدعاء)، وتتحول من الإسلام الطقوسي والشعائري، إلى الإسلام السياسي الذي يعلمنا كيف نحكم، وكيف نعزل الطغاة، كيف نقاطع وكيف نساوم، وعلى هذه الأحزاب أن تشارك في الخطاب النهضوي الإسلامي، مواكبة منها للتحولات الاقتصادية والسياسية في المنطقة، كما عليها أن تخوض الانتخابات بفكر جديد، ورؤية وأجندة سياسية تختلف مع رؤية الأحزاب العلمانية المعارضة، وعليهم أن يكفوا على محاولة تحويل قاعة الحوار والاختلاف في الرأي مع النظام إلى محراب مسجد يرفع عليه آذان المقاطعة عقب كل انتخابات.

انتخابات بدون الإسلاميين، هل يعقل ذلك؟ بل لا يمكن أن نتصور إسلاميين بدون انتخابات؟

أقول لكم ما قال نبي الله يوسف لا تثريب عليكم اليوم.. اذهبوا فأنتم الطلقاء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد