شهد حزب «العدالة والتنمية» منذ تأسيسه كحزب أواخر التسعينات، أو قبله حركة «التوحيد والإصلاح» (حركة التجديد والإصلاح سابقًا)، مجموعة من التجاذبات مع الدولة (القصر)، كان أولها محاولة الانتقال من الحركة الدعوية إلى العمل السياسي عبر تنظيم حزبي، وصولًا إلى الاندماج داخل حزب «عبد الكريم الخطيب» (الحركة الشعبية الدستورية) انتهاءً بحزب العدالة والتنمية، ولعل أهم تجليات هذا التنافر ما حدث عقب أحداث السادس عشر من مايو (أيار) 2003 من محاولة حل الحزب وإلصاق المسؤولية المعنوية به وبكيانه الدعوي الموازي في ما حدث إلى جانب تيارات إسلامية أخرى، إلى جانب هذا، محاولة التدخل لأجل تقليص عدد المرشحين في الانتخابات البرلمانية لسنة 2007، ثم رفض رئيس فريقهم البرلماني آنذاك.

وتجدر الإشارة هنا إلى أننا نستبعد الخوض في مزاعم وجود علاقات بين القصر والحزب، ومؤسسه، وأسباب قبول الدولة أخيرًا تأسيس حزب سياسي إسلامي، كانت رفضته من قبل، وإن كانت لهذه المزاعم مبرراتها، وربما كذلك ما يفندها، لكن هذا ليس موضوعنا.

تلك أحداث من بين أخرى تبين هذا التشنج الذي طبع العلاقة بين الحزب والدولة، الذي لم يكن وليد اليوم، والحزب يقود تحالفًا حكوميًا «هجينا» ويسير مجموعة الوزارات والجهات والجماعات الترابية في صفقة مكشوفة لتجاوز غضب الشارع والالتفاف على «الربيع المغربي»، عبر مجموعة من «التكتيكات» الظرفية التي أبانت عن محدوديتها؛ حتى لا نقول أفشلها، ونحن في خضم الانتخابات التشريعة والولاية الحكومية في نهايتها والحملة الانتخابية قد انطلقت، وبدأت الأحزاب السياسية في تقديم برامجها وعقد تحالفاتها، وبدأ التظلم، وبدأت التصريحات والتصريحات المضادة والاتهامات والتوجسات والخطوط الحمراء والوعود والتهديدات، حتى إن رئيس الحكومة، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية بدأ يستعمل لغة التهديد في حال عدم فوزه في الانتخابات المقبلة، متوسلًا في ذلك بقاموسه السياسي الغامض في عدم تسمية الأشياء بمسمياتها، إما تفاديًا للصدام أو افتقاده للشجاعة السياسية )التي تجرأت على جيوب الفقراء والطبقة المتوسطة( أو خوفًا من معاداة رأس هرم الحكم في الدولة، وهو الذي حاول طيلة فترته الحكومية بكل الوسائل، وكل الطرق، كسب رضا المؤسسة الملكية «القصر»، والتطبيع معها، ومحو تلك الصورة، وفك الالتباس الذي طبع العلاقة مع الإسلامين الذين اختاروا الانخراط في المؤسسات وفق القواعد الموجودة، وراهنوا على فرضية الإصلاح من الداخل قبل وبعد التعديلات الدستورية، أو هذا ما يدعون، حتى وصل به الأمر إلى تقديم تنازلات، بل التخلي عن بعض الصلاحيات الدستورية وقبول حليف كان يتهمه بالفساد، وكان يواجهه انتخابيًا، ولا يجمع بينهما أي رابط، سوى مصالح معلنة، وأخرى غير معلنة التي يسعى أي حزب سياسي لتحقيقها، في هذا الصدد بعث زعيم الإسلامين برسائل لمن يهمهم الأمر لقوى التحكم والدولة الموازية أو العميقة، وحكومة الظل والتماسيح والعفاريت، ومقاومو الإصلاح ووزارة الداخلية وحزب الأصالة والمعاصرة، وإلياس العماري، وفؤاد عالي الهمة، دون أن يسميه.

وبالمناسبة فهذا المعجم ليس جديدًا على الحياة السياسة المغربية، وإن كانت السياقات و المناسبات والشخصيات التي استعملت هذه الوسيلة تختلف ـ فقد استعمل الاتحاد الاشتراكي جيوب المقاومة خلال فترة التناوب، واستعمل الاستقلالي محمد بوستة مصطلح الحزب السري من داخل مجلس النواب، وذلك وإن كان أكثر غرابة وغموض يتلاءم ربما مع شخص زئبقي  يتبنى المرجعية الإسلامية تارة، ويتنصل منها تارة أخرى، و ينقلب في المواقف، وحتى المبادئ. ويفتقد للثقافة الدستورية اللازمة، ويلجآ منذ توليه زمام رئاسة الحكومة إلى لغة التظلم والتشكيك والتهديد والتبرير والصمت والتجاهل أو التبرؤ في كثير من المناسبات بحجة محدودية صلاحياته أو تفاديًا للصدام مع رئيس الدولة، والذي صرح في كثير من المناسبات بأنه جاء ليتعاون معه، وهذه من المفارقات الملفتة في تجربة العدالة التنمية، فهو يريد أغلبية وصلاحيات تمكنه من الحكم بمفرده أو مع حلفاء يتبنون نفس المرجعية المحافضة وتطبيق برنامجه في الوقت الذي يرفض مطلب الملكية البرلمانية  التي نادت بها حركة 20 فبراير (شباط)، بل أكثر من ذلك يقف ضد هذا المطلب، والتي يعتبر الطريقة الديمقراطية المتعارف عليها التي تمكنه من ذلك، هذا الرفض الذي يضطره إلى المشاركة في الحكم أو التسيير إن صح القول، وإن بشكل يصب حتمًا في مصلحة رئاسة الدولة، وبالتالي يكون له نصيب في الإنجازات، ويجنب الحزب من تحمل الإخفاقات بمفرده أمام الشعب أفقيًا وعموديًا، في السياق ذاته تنبغي الإشارة إلى أنه إذا حكمنا بفشل هذه التجربة الحكومية، سواء فيما يخص تطبيق برنامجها الحكومي، وتنفيذ وعودها الانتخابية، وكذا الإجابة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذا الثقافية على مطالب الشارع، فإن هذا الفشل يجب أن يتحمله، ليس فقط حزب العدالة والتنمية على وجه الخصوص والاحزاب الأخرى المشكلة للأغلبية الحكومية، ولكن أيضًا «المؤسسة» الملكية؛ لأن المغرب ليس ملكية برلمانية، كما أشرنا، وأن التوجهات الكبرى للسياسات العمومية تتخد من داخل المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك إلى جانب مستشاريه، بالإضافة للوزراء، وأن رئيس الحكومة رئيس للسلطة التنظمية، ويتقاسم رئاسة السلطة التنفيذية مع الملك (أو هذا ما ينص عليه الدستور على الأقل)، وهذا الأمر لم تنتبه إليه أحزاب المعارضة أو الأحزاب التي تزعم أنها تعارض حزب العدالة والتنمية (أو التي جاءت لمحاربة الإسلاميين)، وحتى حزب العدالة التنمية نفسه يجهل هذا المعطى الحاسم في هذه التجربة، في إطار حكومة جلالة الملك، ومعارضة جلالة الملك هو رئيس الدولة ورئيس الحكومة، (ورئيس كل شيء في المغرب)، حسب «عبد الإله بن كيران» رئيس الحكومة المنبثق عن صناديق الاقتراع بعد السطو على نضالات الشارع، وتضحيات المناضلين منذ الاستقلال إلى جانب مجموعة من القوى السياسة والمدنية والإعلامية وحتى الدينية، وبالتالي فهو فشل أطروحة الإصلاح في ظل الاستقرار والاستثناء المغربي في التعامل مع المطالب المشروعة للقوى الحية السلمية والفاعلة من الشعب المغربي، خصوصًا التي نزلت إلى الشارع؛ للمطالبة بالتغيير إبان اندلاع ما يسمى «بالربيع العربي».

إن إقرار الكاتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية في إحدى المناسبات أنه لا يمكن أن نستعمل في الاستقرار، ثم نرمى إلى مزبلة التاريخ! ليعبر مرة أخرى عن استمرار التشنج وعدم الثقة والحذر الذي يطبع علاقة حزب العدالة والتنمية بالدولة ومؤسساتها، كيف لا؟ ورئيس الحكومة لا يرأس سوى وزراء حزبه داخل الحكومة، وكيف لا؟ وهو المشرف سياسيًا على الانتخابات الجهوية والجماعية السابقة والانتخابات التشريعية الحالية إلى جانب وزارة الداخلية، وهو أول «المشككين» في نتائجها ، في هذا السياق يتم الحديث من طرف رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة و التتمية عن وجود دولتين، وعن التحكم، وهو يحاول إيهام أتباعه، ومن خلالهم الشعب المغربي بأنه يتمثل في حزب الأصالة والمعاصرة (الحزب الذي أسسه مستشار الملك حاليًا وصديقه)، وزعيمه القديم والجديد (تصريح نبيل بن عبد الله أمين عام حزب التقدم والاشتراكية حليف العدالة والتنمية وبلاغ الديوان الملكي كرد غير مباشر على بن كيران وإخوانه)، هذا الحزب الذي احتل المركز الأول في الانتخابات الجهوية والجماعية للرابع من سبتمبر (أيلول) بحسب نتائج وزارة الداخلية، هذه الانتخابات التي أشرفت عليها الحكومة وأقرت نزاهتها وشفافيتها، بغض النظر عما تلا هذه النتائج من تحالفات زعزعت التحالف الحكومي، وكشفت قدرة الحزب ذي الأغلبية في التعامل مع الأزمات والعواصف السياسية وغير السياسية التي هبت على البيت الحكومي طيلة مدة ولايته وحزب العدالة والتنمية على وجه التحديد باعتباره حديث عهد بتدبير الشأن العام والاستوزار المنبثق عن صناديق الاقتراع، ويعبر عن جزء من الإرادة الشعبية أو جزء محترم من الشعب آخذا بعين الاعتبار المقاطعين للانتخابات والذين لا يصوتون.

في هذا الإطار يتم تداول تعبير أن الحزب قد انحنى لتلك العواصف السياسية، وهو تعبير غير سليم، وإن كانت استعارة هذه الظاهرة الطبيعية في الحقل السياسي متداولة فهذا لا يمكن أن يكون بالضرورة صحيحًا حيث إذا كان لا يمكن منطقيًا الانحناء للعاصفة، غير أنه هناك طرق مختلفة للتعامل مع هذه الأزمات التي تحدث لأي حزب في حكومة ما، لكن ما يهمنا في هذا الصدد هو العدالة والتنمية لعدة اعتبارات موضوعية، أهمها الشرعية الانتخابية التي جعلت الحزب يتصرف كما أنه يشكل الحكومة بمفرده «حكومة العدالة والتنمية» أو حكومة «بنكيران»، فكيف تعامل الحزب مع الأزمات التي عصفت به طيلة الخمس سنوات من التسيير أو المشاركة في الحكم؟

لقد نهج الحزب مجموعة من التكتيكات السياسية التي جنبته في كثير من الأحيان المواجهة المباشرة مع القصر، لكن كانت تضعه أمام مواجهة مباشرة مع الشعب بمختلف تعبيراته ومؤسساته باستثناء مناصريه الذين ظلو أوفياء لمرجعيتهم في نصرة حزبهم وزعيمه وقيادييه، ظالمين أو مظلومين، حيث كان يجد في كل مرة ما يبرر به مواقفه، وفي أحيان أخرى كان يلوذ إلى الصمت، وعدم الرد أو اتخاد مواقف حزبية رسمية.

المواجهة

مواجهة ـ إذا جاز تجسيدها ـ تتمثل في وقوف الحزب ظهيرًا للقصر، مواجهًا لما سواه من الفئات والهيئات المدنية والسياسية، اللهم إلا في بعض التصريحات من حين لآخر هنا وهناك لزعيمه أو قيادييه تجاه ما يسمى «محيط الملك» أو وزارة الداخلية أو قوى «التحكم»، طبعًا أهم تلك المواجهات هي اتخاذ موقف معادي لحركة 20 فبراير (شباط) وهي حركة سلمية وواعية والركوب على جزء من مطالبها الجزء الذي سيحمله إلى رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخه، وبذلك وضع بنكيران نفسه في صف الدولة (المخزن) ضد الشعب، إضافة إلى زعمه فتح الملفات التي كانت عصية على الحكومات السابقة على حد قوله، منها إصلاح صندوق المقاصة «إصلاح جزئي يهدد القدرة الشرائية للمواطنين)، وإصلاح صناديق التقاعد (إصلاح يتحمل تكلفته الموظف البسيط)، ورفع الدعم عن المواد الأساسية تدريجيًا، والرفع من فاتورة الماء والكهرباء التي تلت ما يسمى إنقاذ المكتب الوطني للماء والكهرباء، ونشر لوائح المستفيدين من مأذونيات النقل، قضية الأساتذة المتدربين، الذي أقسم أنهم لن يتنازل فيه عن المرسوم، ولو أدى به ذلك إلى سقوط حكومته، ومسألة إلغاء التوظيف المباشر والتحول إلى التوظيف عن طريق المباراة، قضية عدم السماح لأطباء وأساتذة القطاع العام من الاشتغال بالقطاع الخاص، وعزل بعض قضاة الرأي وإحالة بعض منهم إلى التقاعد. قضية الاقتطاع من أجور المضربين. توقف الحوار الاجتماعى مع النقابات والطبقة العاملة، إلى غير ذلك. في المقابل يتم الحديث عن الحفاظ على التوازنات «الماكرو اقتصادية» عبر مجموعة من السياسات التقشفية، منها ما أسلفنا ذكره، إضافة إلى تقديم الدعم للأرامل والمطلقات، تقديم بطاقة التغطية الصحية، وتوسيعها، وتخفيض سعر بعض الأدوية، والزيادة في منح الطلبة، والتعويض عن فقدان الشغل.

بين المقاومة والاستسلام

ابرزها قضية محاربة الفساد، شعار الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية التي قابلها خطاب الاستسلام «عفا الله عما سلف، ومن عاد (للفساد) ينتقم الله منه»، قضية انهيار التحالف الحكومي بعد قرار المجلس الوطني لحزب الاستقلال، الخروج للمعارضة، وتحالفه مع حزب (إداري) كان يتهمه بالفساد وعدم الكفاءة. خلافاته مع حلفائه في الائتلاف الحكومي. خطاب التماسيح والعفاريت والتحكم والعفو عن المهربين وإلغاء الضريبة على الثروة، وقضية دفتر تحملات أعلام القطب العمومي، وصندوق تنمية العالم القروي مع وزير الفلاحة، قضية تدريس المواد العلمية بالفرنسية في التعليم مع وزير التعليم، دون نسيان المواجهات المتكررة لرئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية مع وزيره في الداخلية، وهي مواجهات وخلافات تمت خارج إطار المؤسسات الدستورية المعدة لذلك، هذا بالإضافة إلى ما يسمى بالفضائح التي تورط فيها، وعلى الخصوص وزير العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني السابق ورئيس أفقر جهة بالمغرب في ما يخص «الكوبل الحكومي» وصفقة الحوار الوطني، وسيارات الجهة، إضافة إلى أراضي العلف، دون نسيان فضائح الوزراء الآخرين، من صاحب فاتورة الشيكولاتة، إلى ملعب «الكاراتيه»، انتهاء بأزبال أيطاليا، ومواقف حزب العدالة والتنمية منها، وكيف واجهها.

إضافة إلى تكلفة المديونية التى ارتفعت في عهدهم إلى أرقام قياسية، وكذا التبعية لإملاءات صندوق النقد الدولى والمؤسسات المالية العالمي، في هذا الصدد اندلاع حرب الأرقام والتقارير بين الحكومة والمؤسسات التابعة لها، كالمندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب، هذا دون أن ننسى عجز الحكومة على تدبير القطاعات الحيوية في البلاد من صحة وتعليم؛ مما جعلها تستسلم وتلجأ إلى التخلى عن هذه القطاعات لفائدة الخواص، حيث صرح رئيس الحكومة ذات مرة أمام مجلس النواب بأنه «حان الوقت لترفع الدولة يدها عن قطاع الصحة والتعليم» كإعلان للفشل في تدبير هذه القطاعات، وهذا يدخل ضمن إطار سياسة اقتصادية ليبرالية واضحة تنهجها هذه الحكومة منذ توليها السلطة في 2012 في مختلف القطاعات متعلقة بالمعيش اليومي للمواطن المغربي البسيط، دون أن ننسى رهانات نسبة النمو ونسبة البطالة وتوظيف المعطلين ومحاربة الفقر والرفع من القدرة الشرائية وتنمية العالم القروي… إلخ.

بين التواري أوالفرار

على سبيل الحصر قضية العفو عن مغتصب الأطفال، قضية تعنيف المحتجين على العفو وتعنيف المعطلين أمام البرلمان، قضية أراضي خدام الدولة، وقضية تقاعد البرلمانين والوزراء والامتيازات الممنوحة لكبار رجالات الدولة أو حتى ميزانية القصر الملكي، إضافة إلى فيضانات الجنوب، فاجعة طانطان، وثائق بنما، هذا دون الإشارة إلى التصريحات والخرجات الإعلامية في منابر إلكترونية أو أجنبية أو في التجمعات الانتخابية أو الاجتماعات الحزبية أو خلال جلسات الأسئلة الشفوية ـ كمحاولة لتهريب النقاش أو الهروب إلى الأمام ـ التي خلقت ارتباك لدى المواطن البسيط الذي لم يعد يفهم منطق هذا الحزب وزعيمه الذي لم يتعلم طيلة خمس سنوات قضاها في التسيير كيف يميز بين صفته الوزارية ومهامه على رأس حكومة منبثقة من صناديق الاقتراع في دولة تدعي أنها تسير في طريق الديمقراطية، هذه التصريحات التي تؤثر سلبًا على سمعة المغرب في الخارج ولدى السياح والمنظمات الدولية ولدى المستثمرين الأجانب.

غير أنه ينبغي الإقرار بأنه طيلة الخمس سنوات التي قضاها حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة حاول الحزب التعامل بحذر، ولم ينجر إلى المواجهة المباشرة ـ إلا مع غريمه السياسي ومنافسه في الانتخابات التشريعية، إضافة إلى ما ذكرنا سابقًا _ أو اتخاد مواقف واضحة في كثير من القضايا الهامة، وكان يحاول ضبط النفس في التعامل مع الأزمات وإمساك العصى من الوسط؛ حتى لا يتهم بمحاولة الهيمنة ـ وإن كان قد تم ذلك ـ متوسلًا في ذلك بلغة الغموض والصمت أحيانًا، معتمدًا البراجماتية، وإن قرأ فيها البعض شكلًا من أشكال الانبطاح كما عمل على توظيف بعض عناصر الأزمات التي ذكرنا، للظهور بمظهر الضحية، وتبني خطاب المظلومية لاستمالة أصوات الناخبين، وقد ظهر ذلك بجلاء مؤخرًا من خلال مسيرة البيضاء و«دموع بن كيران» المتتالية في التجمعات الخطابية التي ينظمها خلال حملته الانتخابية، والتي أطلق عليها البعض «دموع التماسيح» والبعض الآخر أثارت عواطفه، ووصف الرجل بالصدق وحسن النية، وإن كانت كل هذه الصفات غير كافية لا لتبرير الحصيلة ولا لتسويغ أو تفسير تكتيكات الحزب تجاه الأزمات المتوالية التي عاشها المغرب والمغاربة طيلة خمس سنوات.

إجمالًا: إن الحزب كان دائمًا يأخذ مسافة مما يقع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، سماه البعض بالمهادنة «مهادنة التحكم»، بالرغم من أنه كان يهاجم كلما أتيح له المجال، خصوصًا في المسائل التي لها علاقة مباشرة بالنتائج الانتخابية، أو إذا تعرض إلى هجوم مباشر مع اختلاف ردود الفعل في طبيعتها وحجمها وتوقيتها.

هذه محاولة في التقييم السياسي لتجربة الإسلاميين «الإصلاحيين» (الذين يؤمنون بفكرة الإصلاح من الداخل مقابل جماعة العدل والإحسان المقاطعة للعملية برمتها) في الحكومة، لحزب يسوده شبه الإجماع ويفتقد للحيوية وحتى للنقد الذاتي أو للاختلاف الجلي بين الآراء أو حتى لتيارات تبعث الحياة من داخل هذا التنظيم السياسي حزب يشتغل مع الله ويريد أتباعه الجنة، حزب «بما لديهم فرحون» على ما يبدو، (خصوصًا بعد المؤتمر الاستثنائي الذي مدد لبنكيران الأمانة العامة للحزب إلى ما بعد الانتخابات) حزب يقال عنه أنه مستقل في قراره الحزبي، والأكثر تنظيمًا والأكثر «ديمقراطية» والأكثر شعبية ـ أو هذا ما يظهر أو يشاع على الأقل ـ في مشهد حزبي هجين وهش وغير منسجم، لايفسح المجال ولايسمح بالمناورة خاضع دائمًا للتوافقات، يمكن الدولة من ضبط المشهد السياسي وعدم السماح لأي حزب مهما اتسعت شعبيته من الهيمنة، أو الخروج على السيطرة، ومن الهامش المتاح للأحزاب السياسية، سواء منها الإدارية أو التي تمتلك بعض الاستقلالية عبر وسائل الضبط و«التحكم» التقليدية والحديثة «غير التقليدية» في الحياة السياسية، وعلى رأسها دستور 29 يوليو (تموز) 2011 (دستور الاستثناء المغربي أو الدستور الممنوح).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاصلاحيون
عرض التعليقات
تحميل المزيد