انتشر في وسط عدة مجتمعات غربية مصطلح اعتبرته المجتمعات الشقية خطابًا متطرفًا ولهجة لتوليد الكراهية والعنف، في الوقت عينه يراه السياسيون، خاصة في الدول الغربية، ورقة إستراتيجية، خاصة مع قدوم كل استحقاق أو استفتاء في بلدانهم، وبين هذا وذاك يواصل هذا المصطلح تغلغله في السلوكيات البشرية، وتأثيره على الفكر الإنساني.

مصطلح الإسلاموفوبيا الذي ظهر حسب البعض في ثمانينات القرن الماضي، في الوقت الذي يرى فيه آخرون أنه ظهر في أواخر التسعينات، غير أن المتفق عليه أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) سنة 2001 كانت السبب الرئيس في انتشاره في أواسط المجتمع الأمريكي، ومنه إلى مختلف دول العالم حتى وصل إلى مشارف الدول الإسلامية ذاتها، بل تغلغل في بعضها، فتبنت المصطلح والفكر والفكرة بعض شعوبها، ويرى البعض أن معنى هذا المصطلح هو التحامل والكراهية والخوف من الإسلام.

فبتشريح المصطلح نجد أنه يتكون أساسًا من كلمتين، الأولى هي الإسلام، وهي كلمة عربية دلالتها مفهومة للعام والخاص، وفي مختلف الأمم، والثانية هي فوبيا، وهي اسم مشتق من الكلمة اليونانية فوبيوس، والتي ترمز للخوف والرهاب، فيصرون معنى المصطلح الرهاب من الإسلام، ولكن الأمر الأكثر تعقيدًا يكمن في سؤال جوهري: لماذا جاء هذا المصطلح محددًا الإسلام فقط؟ خاصة وأن البعض يرجح أنه أتى في زمن لم تكن به جماعات متطرفة تحمل رايات الإسلام لرأي العام أو دول إسلامية عظمى تسعى لتأكيد نفسها، وإثبات وجودها على الساحة السياسية العالمية.

هذا الموضوع الجوهري للفهم الصحيح لبداية هذا المصطلح يفسره البعض بكون المجتمعات الغربية وقبل خمسينات القرن الماضي، بل خلال الألفية الماضية تفشت فيها حكم الكنيسة، أو بمعنى أصح تحكم الدين وتعاليمه وأحكامه في الدولة وقراراتها وسيادتها، غير أنه وبعد بروز تيار العلمانية الذي سرعان ما تحكم في أوضاع تلك البلدان، خاصة وأنه جاء في فترة فراغ دولي رهيب بعد ما سببته الحرب العالمية الثانية من خسائر، أزيحت الكنيسة جانبًا، وأصبح الحكم في هذه البلدان يستنبط قوانينه من الخلفية التاريخية والثقافية والسياسية لها، وكذا رؤيتها الاستشرافية لمستقبلها.

في هذا الوقت بالذات ساعد هذا الحكم على هجرة كبيرة من المسلمين إلى أوروبا وأمريكا، هجرة جاءت لعدة أسباب، أبرزها: اقترانها بالحركات التحريرية في ذلك الوقت، حيث اختار أبناء بعض البلدان، خاصة منهم من يحمل فكر المستعمر، العيش في بلاد الاستعمار التي ضمنت لهم كافة الحقوق المدنية والسياسية، في هذا الوقت بالذات المجتمع الغربي لم يخرج في تفكيره عن قرارات الكنيسة كما فعلت دوله، بل ظلت تلك المتراكمات تكون نفسيته وشخصيته الاجتماعية؛ ما دفع به لخلق جدار وهمي لطبقية بدافع فكري غير معلن قد يكون دافعًا دفاعيًا إلى غاية إعادة استكشاف هذا الفكر الجديد الذي لطالما ربطتنا به صراعات سياسية وتاريخية في العصور الغابرة.

الأمر الذي جعل العقل البشري في هذه اللحظة متخوفًا من كل من يحمل عادات وتقاليد غريبة عن مجتمعه، والذي دفع به بالضرورة إلى أن يعمم أي سوء تصرف بدر من أي شخص يحمل هذا الفكر على المستوى العالمي ولا يستطيع تقبله، فبدأ الشق يتضح ويتسع، خاصة بعد أن وجد المسلمون المهاجرون أنفسهم كطبقة ثالثة في المجتمعات التي اختاروا العيش فيها؛ ما جعلهم يلجأون لأساليب غير أخلاقية، ولا إنسانية؛ لتأمين لقمة عيشهم، الأمر الذي بدا لهم عاديًا في الحقيقة رآه المجتمع الآخر على كونه فكرهم الذي يحملهم توجههم الأيديولوجي المشترك والمرتبط بالإسلام.

ومع مرور الوقت وتطور الأحداث وبروز ما مصطلح الإسلام السياسي الذي تبنته الأمم والشعوب العربية في وقت ما واعتبرته التيار الذي سينقذها من براثين الجهل والفقر والعوز، خاصة عندما برز بعض قادة هذا التوجه الذين أتقنوا فن الخطابة وخاطبوا الناس من مسائل لا تناقش من أجل فرض منطقهم على أدمغة الشعوب الذين رأوا أنهم مجموعة من الخراف تساق كما يهوى الراعي، جاء معه بعض الانتصارات لهذا التيار السياسي في بلدان عديدة غير أن الحقيقة التي أخفاها هذا التيار والتي أصبحت مباشرة بعد ذلك تميل للفكر الإرهابي المتطرف، جعلت الشعوب العربية والإسلامية تشعر بخيبة الأمل وجعل المجتمعات الغربية تتأكد من أن سبب مشاكلها الداخلية والخارجية الإسلام والمسلمون الذين أصبحوا منذ ذلك الوقت مثالًا للعنف ولتحكم بعض العادات والأحكام التي مر عليها الدهر في الحاضر، بل وصلت إلى نبذ أنواع كثيرة من التكنولوجيا الحديثة، خاصة المتعلقة بتكنولوجيا وسائل الإعلام، فقد وصل الأمر في وقت مضى إلى تحريم التلفاز وتكفير العاملين في الميدان الإعلامي.

نقاط سلبية كثيرة حملها الإسلام السياسي استغلتها السياسية الغربية أحسن استغلال؛ حيث جندت وسائلها الإعلامية من أجل نشر مصطلح الإسلاموفوبيا، خاصة بعد 2001، وحادثة برجي التجارة الشهيرة، في الوقت عينه برز مصطلح الإرهاب وتعلق مظهر الإرهابي بالهيئة الخارجية للمسلمين، والتي حملتها الثقافة الإسلامية كمتراكمات للتراث المادي، من هنا برز تيار آخر وهو المسلمون أصحاب الفكر الغربي الذين بدؤوا بتبني فكرة الإسلاموفوبيا ودافعوا بشارسة ضد الإسلام السياسي ودعو لفصل الدين عن الدولة، في هذا الوقت استطاعت بعض الدول العربية والإسلامية التخلص من الإسلام السياسي والتوجه نحو الديمقراطية بعد أن اتحد شعبها وسلطتها لتصحيح مسارها، بل استطاعت أن تنزع عن الإسلام كفر وكمصطلح ديني كل الشوائب التي خلفها ذلك التيار.

غير أن تلك الشوائب بقت بارزة على الساحة العالمية بعد أن أصبحت بعض الدول الإسلامية بؤرًا للإرهاب العالمي الذي تبنى فكرًا متطرفًا وانتهج القتل والتنكيل مستنبطًا أحكامه من قراءات وتفسيرات مغلوطة لبعض المراجع الإسلامية وتعدى ذلك بوضع شعارات الإسلام على رايته ورمزه التي يخاطب بها الناس كعلامة لا إله إلا الله محمد رسول الله، التي تبناها تنظيم (داعش)، وغير ذلك كثير، لترسخ بذلك في الذاكرة الصورية لدى الغربيين أن الإسلام هو السبب في كل هذا العنف والتطرف، ومع الخلفية التاريخية لصراعات الصليبية الإسلامية والجهل بالإسلام وعدم التميز بين مبادئ الإسلام الحقيقة وتصرفات وسلوكات المسلمين أصبح الإسلاموفوبيا هو الهاجس الأكبر لدى المجتمعات الغربية، لتكون حادثة الهجومات على مجلة (شارلي إبدو) الفرنسية بالعاصمة باريس هي القشة التي قصمت ظهر البعير والتي جعلت كل الإسلام يرادف الإرهاب في ذهن المجتمعات الغريبة.

هذه الحادثة استغلتها الجماعات المتطرفة التي تختبئ خلف ثوب الإسلام، كدعاية لها حيث استغلت بعض الشباب المتحمس والمغرور بهم لتشويه صورة الغربيين وتجنيدهم في صفوف جماعاتهم بغرس أفكار متطرفة وصرة سيئة على المجتمعات الغريبة ليصلوا بهم في النهاية إلى وجوب القتال تحت مسمى الجهاد، ليستمر بذلك إرهابهم وتكبر شبكتهم الأمر الذي وصل بهم اليوم إلى أن يصبحوا الخطر رقم واحد في العالم فبعد أن كان هناك تنظيم واحد نحن الآن في زمن تجاوز فيه عدد التنظيمات العشرة، والتي تحكمت بدول عديدة وباقتصادها وسياستها.

وعلى الرغم من كون بعض السياسات والشخصيات الدبلوماسية الغربية قد تلطخت أيديها مع الإرهاب، خاصة ذلك الذي يحمل غطاء الإسلام، بل وصلت إلى أن تكون حسب بعض التقارير المحرك الأساسي والموقد الذي ألهب نار تلك الجماعات الإرهابية، فإن مستقبل هذا الرهاب أو هذا المصطلح كفكر لا يزال بعيدًا عن طريق الزوال، والتي سيصلها في مرحلة ما عندما لا يقترن الإرهاب به في الإعلام العالمي، خاصة الفضائيات الغربية والصراعات السياسية في تلك الدول، بل عندما يصل إلى تلك الفترة، فإن زواله سيكون تدريجيًا، وقد يستغرق أضعاف السنوات التي انتشر بها.

في الوقت عينه انطلقت بعض المبادرات كالتي أقيمت منذ حوالي شهر في ألمانيا، والتي خرج فيها أشخاص مسلمون ومسيحيون وأصحاب توجهات دينية وفكرية مختلفة إلى شوارع ألمانيا، والتي أثبتوا من خلالها أنهم مستعدون للتعايش السلمي، وأن اختلافهم يوحدهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد