منذ سنوات انتشر على “اليوتيوب” أحد المقاطع المصورة والتي تحمل عنوان “الإسلام ينتشر قبل 2050” في خطوة تحذيرية لما قد يصيب العالم الغربي، من مخاطر جراء انتشار الدين الإسلامي بين شعوبه.

 

 

 

 

وأخذ المقطع يحلل ويحسب الإحصائيات الدينية والسكانية، ويشرح كيف سينتشر الإسلام في العالم، مرجعًا السبب إلى الهجرات العربية القادمة من الشرق الأوسط، ومتحدثًا أيضًا عن تضاعف معدلات المواليد بين المسلمين عنها في الغرب.. وفى نهاية الفيلم يطلق صيحة تحذيرية قائلًا “إن العالم الذي نعرفه الآن يتغير”!

 

 

 

 

وبدأت الجرائد والمطبوعات في أوروبا بصفة خاصة، تتحدث عن ما قد يحدث لو تحولت أوروبا للإسلام، وخطورة تلك الثقافة والهوية التي قد تتعارض مع الفكر الأوروبي!

 

 

 

 

تلك الخطوات التحذيرية لم تكن كافية؛ فصاحبتها أيضًا مشروعات قوانين حكومية ضربت أوروبا بأكملها، فحظرت فرنسا ارتداء النقاب في شوارعها وفرضت غرامة 50 يورو على كل امرأة تخالف ذلك القانون، وحُظر الحجاب في المدارس البريطانية أيضًا، وأوقفت سويسرا بناء المساجد، حتى بلجيكا الدولة التي تعتبر الأقل عنصرية بالنسبة للمسلمين اندلعت فيها مظاهرات غاضبة تطالب بإيقاف بناء المآذن – إشارة للمساجد- للحفاظ على هوية بلجيكا المسيحية!

 

 

 

 

إنه الإسلاموفوبيا .. ذلك المرض الخطير والغول المتوحش الذي تدعي أوروبا محاربته طوال سنوات عديدة منذ أحداث أيلول 2001م

 

 

 

 

ذلك المصطلح القميء والذي يعي الرهاب من الإسلام، أو الخوف من المجتمع الإسلامي لم يكن معروفًا قبل تلك الأحداث بل استحدثته النظم السياسة والحزبية في أوروبا لتستطيع أن تخلق حشدًا وهميًا لشعوبها، وتحول أنظارها لعدو ليس موجودًا على أرض الواقع تكسب به ثقة في نفوس مواطنيها.

 

 

 

 

فبعد انهيار “الاتحاد السوفيتي” بدأت أوروبا والولايات المتحدة في البحث عن العدو البديل، فحسب كلام “جون إسبوزيتو” الأستاذ في الشئون الدينية والدراسات الإسلامية ورئيس مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي في كتابه “التهديد الإسلامي: خُرافة أم حقيقة؟

 

 

 

 

 

يقول: “يشكل الإسلام القوة الأممية الأكثر نفوذًا وقدرة على لَمِّ الشَّمل في العالم؛ إذ يَبلُغ عدد المؤمنين بالإسلام أكثر من بليون مُسلِم مُنتشِرين في أرجاء الدنيا، ويُشكِّل المسلمون أغلبيَّة في حوالي 56 بلدًا تَمتدُّ ما بين إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، كما أن وجودهم يَنمو، وأعدادهم كبيرة في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا،

 

 

 

 

وبالنسبة للعالم الأوربي الذي اعتاد طويلًا على رؤية عالَمية وسياسة خارجية ترتكِز على المنافسة بين القوى العظمى لحيازة النفوذ العالمي، بل والهيمنة؛ فالصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي غالبًا ما كان يَتِمُّ تصويره على أنه صراع بين الخير والشر، الرأسمالية والشيوعية، لما كان الأمر كله يُمثِّل إغراءً لتحديد خطر أيديولوجي عالمي آخر لملء فراغ التهديد الذي تخلَّف عن اندحار الشيوعية، ومهما كانت الحقيقة مختلفة،

 

 

 

فإن وجودَ الإسلام ديانةً عالمية وقوة أيديولوجية تَحتضِن أكثرَ من خُمس سكان العالم وحيويَّته المستمرة ونفوذه في عالَم إسلامي مُمتدٍّ من إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، سوف يَستمرُّ في رفْع منظور الخطر الإسلامي”

 

 

 

 

ويمكن تحليل كلام “جون” في أن الغرب لاينظر للمجتمع الإسلامي نظرة عداء دينية فحسب تبعًا لتاريخ الحروب الصليبية ولكن أيضًا ينظر إليه كأحد النماذج التي تحارب الفكر السياسي والاقتصادي الأوروبي والذي يحمل في طياته الحقيقة المجردة، وهي السيطرة على مقدرات الشعوب والاستعمار الثقافي والاقتصادي والسياسي أيضًا. وبوجود الدين الإسلامي كمعتنق لتلك الشعوب فأنه يمثل حجر العثرة أمام تفوقها وتقدمها اللامحدود.

 

 

 

 

 

وبالوقوف على حقائق أخرى يمكن استيضاح ذلك الخوف غير المبرر أيضًا في الغرب من الإسلام على اعتبارات أيديولوجية .. فحسب الفكر الأيدلوجي الأوروبي يعتمد التفوق الأوروبي على نظريات اجتماعية مختلفة لما هي عليه في النموذج الاجتماعي الإسلامي .

 

 

 

 

ويمكن رؤية تلك الأيدلوجية الاجتماعية في النغمة السائدة حول نظرة الإسلام للمرأة؛  فتجد أن الصراع دائمًا -وكأن لا شيء غيره- يدور في أوروبا حول حرية المرأة فيما يقرر الأوروبيون وكأنهم أوصياء أن الدين الإسلامي لا يعطي للمرأة حقوقها كاملة! ولذلك قامت الجمعيات والمراكز الإسلامية حول العالم بتصحيح تلك المفاهيم الخاطئة، وعقد الندوات والمؤتمرات التي تناقش تلك الأفكار المشوشة.

 

 

 

 

ثم أيضًا الصراع الأيديولوجي فى تلك النظرة السلبية لكل مسلم على أنه “إرهابي متطرف” نظرًا لما يراه الغرب في تلك الصورة النمطية التي تنقلها وسائل الأعلام يوميًا عن تلك الأحداث التخريبية في المدن الإسلامية حول العالم .. فربطوا بين السلوك الديني الفردي وبين تعاليم الإسلام … ونسوا أنهم أنفسهم منذ مائة عام أو أقل كانوا ضحايا تلك السلوكيات، فقد فقدت أوروبا زهرة شبابها في حروب دموية من أجل الأطماع السياسة، وخسرت ما يقارب من خمسة وثلاثين مليون قتيل في حربين عالميتين، لينهار معها اقتصادها أيضًا .

 

 

 

 

ولم نر واحدًا من هؤلاء الأوروبين يقف ليلقي محاضرة أن الغرب أيضًا عانى من ذلك الصراع وأن تلك الأفعال لا مجال لأن تنسب لدين أو طائفة وأن الإرهاب ليس نصًا مقدسًا في الأديان السماوية، وتلك الأفعال صناعة البشر الذين طغوا وتجبروا ودمروا فخلقوا ذلك النوع المنحرف من التفكير!

 

 

 

 

وفيما يقرر الغرب تحديد ملامح ذلك الصراع الإسلامي- الأوروبي في الخوف من النموذج الإسلامي والأيديولوجية الإسلامية الاجتماعية نكتشف أنه يعمل على النقيض تمامًا فيبدأ التخطيط للاستفادة من تجربة البنوك الإسلامية غير الربوية وتحقيق معدلات تنمية عالية من خلال ذلك المفهوم الجديد.

 

 

 

 

ثم تلك الصيحات التي يطلقها علماء الاجتماع هناك بشأن الاختلاط والإجهاض وتعدد الزوجات والتي تتطابق تماما مع الرؤية الإسلامية لهذه المواضيع. وأنا أطرح ذلك السؤال طالما يحمل الغرب العداء للإسلام فلماذا يطبق نظرياته ورؤيته؟!

 

 

 

 

على العموم فإن الحكومات اليوم برغم ما تقوم به من جهود لتعزيز ثقافة الكراهية للمسلمين والإسلام، فأننا نجد الشعوب وقد أصبحت تفوق حكوماتها وعيًا فلم نعد نجد ذلك المردود السلبي المؤثر وأصبحوا أكثر تفهمًا للنموذج الإسلامي ورؤية الإسلام تجاه القضايا المختلفة.

 

 

 

 

ونجد ثمار ذلك في تحول العديد من الأوروبين للإسلام، بل قيامهم على شئون الدعوة هناك. فحسب الإحصائيات لموقع ( PEW ) للإحصاء الديني والسكاني فإن الدين الإسلامي أحد أسرع الأديان انتشارا في الغرب وتتفوق الأوروبيات في اعتناق الدين الجديد على الذكور بما يعادل 6% بينما سرعة النمو لمعتنقي الإسلام تتجاوز 74 % عن الأديان الأخرى. وهذا ماقد يجعلنا نردد “يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكاَفرون”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد