ورد في الأثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه سمع رجلًا يدعو: «اللهم لا تجعل لي حاجةً عند أحدٍ من خلقك»، فرد عليه الفاروق واعظًا: «ما أراك إلا تدعو على نفسك بالموت!».

ومن موعظة الفاروق يمكننا استنتاج معادلة معروفة مفادها أن الناسَ للناسِ، هكذا خلقنا الله وهكذا أرادنا، حكمته شاءت بأن نُكمل بعضنا بعضًا، وحيث إن الحياة ليست على خط مستقيم، ينتابها أيامٌ من البهجة، ويشوبها أوقاتٌ من الوحشة، فكان لزامًا أن تركن إلى غيرك أحيانًا، وأن يلجأ إليك أحدهم يومًا لتكون له عونًا، وتصحيحًا للمفاهيم فقد ورد عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه كان يدعو في سجوده: «اللهم لا تجعل بي حاجة عند أحدٍ من شرار خلقك ولئامهم، فإن جعلت لي حاجةً عند أحدٍ من خلقك، فاجعلها إلى أحسنهم وجهًا وخَلقًا وخُلقًا، وأسخاهم بها نفسًا، وأطلقهم بها لسانًا، وأسمحهم بها كفًّا، وأقلِّهم بها عليَّ امتنانًًا». لأجل ذلك لا بد من رسائل نوجزها فيما يلي:

الرسالة الأولى إلى صديقنا الأول الذي لا يحتاج أحدًا كما يظن، لتعلم أن ذلك فيه شيءٌ من المبالغة ونوعٌ من الغرور، فلم يخلق الله أحدًا إلا وجعل حاجته عند الآخرين، ولك مطلق الحرية كي تسرح قليلًا وتتأمل الدنيا من حولك، ستجد الآخرين من حولك يسدون ثغرات حياتك ويكملونها سواء علمت أم لم تعلم، أمك التي تُعد الطعام إذا جُعت، ووالدك الذي رباك حتى كبرت، وأخوك الذي يسندك إذا وقعت، وزوجتك التي تخفف عنك إذا ضجرت، والطبيب الذي داواك عندما مرضت، والمعلم الذي علمك حتى فهمت، وغيرهم والقائمة تطول؛ إذًا لا تبع الوهم لنفسك وتقنعها هباءً بعُزلتك الزائفة، وإن كان كُل ما سبق على سبيل العجز والحاجة والمساعدة؛ فإن اللحظات الجميلة نحتاج إلى من يشاركنا فيها أيضًا، كما قيل في المثل الشعبي: «الجنة بغير الناس، لا تُداس». وتفكَّر في نبي الله المؤيد بنصره موسى، عليه السلام، حين أمره ربه أن يذهب إلى فرعون؛ طلب من الله أن يجعل له وزيرًا من أهله، كي يشدد به أزره، ويشركه في أمره، فإن كان هذا نبي الله احتاج أخاه، فمن أنت لتعتزل الناس!

الرسالة الثانية، وهي الأكثر حساسية، إلى أولئك الذين يعيشون الوحدة بشكل مفرط رغم الضجيج من حولهم، الذين يتقنون العزلة رغم الزحام، كفاكم عبثًا! الحياة من حولكم جميلة نوعًا ما، لا يجوز لكم أن تضيعوا أعماركم تحت رحمة الهالة السوداء التي تغشى تفاصيل حياتكم، جربوا أن تفتحوا نوافذ قلوبكم وعقولكم، عندما قال الفاروق: اعتزل ما يؤذيك، كان يعني ما يؤذيك فقط، ليس عليكم أن تتجنبوا الجميع لأجل خذلانٍ أصابكم من شخصٍ ما، وليس عليكم التقوقع لأجل تعثرٍ أو فشل، وليس عليكم الانطواءُ لأجل خيبة هنا أو إخفاقٍ هناك، لا تدعوا قطار الحياة يفوتكم، انفضوا غبار الوحدة، وتعالوا نتشارك همومكم، لعلها تطيبُ نفوسكم، نحن بحاجةٍ إليكم، ولا بد أنكم في أمسِّ الحاجة لنا، نحن بشرٌ يا سادة، نألف وجود الآخرين حولنا، وتأنس قلوبنا بالبوح عند الحاجة، فلا تتمرَّدوا على الفطرة التي خُلقتم عليها، وعودوا إلى رشدكم، عودوا إلينا، نحن بانتظاركم!

الرسالة الأخيرة، إلينا جميعًا، أن نتحسَّس الآخرين من حولنا، حضورهم بيننا لا يعني أنهم بمأمنٍ من الوحدة، ربما ليست لديهم الجرأة لمشاركةِ مشاعرهم وأفكارهم، ولا بأس بتقريب المسافات الذهنية والشعورية كما الجسدية، أعينوهم على البوح بما يختلج في صدورهم، ويثور في قلوبهم، ويؤرق أذهانهم، وإلا فما فائدة وجودنا معهم؟ وما فائدة كل هذه العلاقات إن كان أصحابها لا يأنسون بها؟ لذلك تعبر الكاتبة طاهرة مافي عن ذلك بقولها: «جميع ما أردته على الإطلاق هو الوصول إلى شخصٍ ما وملامسته، ليس بواسطة يدي فحسب وإنما بقلبي».

وفي سياق متصل، فإن التأثير السلبي للوحدة أكبر مما نتوقع، وأخطر من أن يُستهان به، وذلك ما وجده باحثون من جامعتي «سري» و«برونيل» البريطانيتين بعدما أجروا بحثًا يربط ما بين الوحدة والعزلة الاجتماعية، وما بين الاعتلالات الصحية، حيث خلصوا إلى أن الوحدة بالإضافة إلى دورها في الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والخرف والاكتئاب، فإنها كذلك تؤدي إلى الإصابة بالتهاباتٍ جسديةٍ طويلة الأمد! تخيل أن الأمر يبدأ حيث لا نشعر، ويتفاقم دون أن ندري، ويصل به الحال إلى أن يهدد الحياة بشكل فعلي، فلا تستهن!

العزلة تنهش روحك، وتقصر عمرك، وتفتك بأحلامك، وتصبغ فيك العادات السيئة دون أن تدري، كُن على فطرتك واقتحم الحياة، واجه الآخرين وشاركهم، العزلة ليست الحل المثالي دومًا، كن أقوى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد