عالم اليوم مليء بأحداثٍ جِسام، وكوارث بشرية عِظام. صراعات ونزاعات تتقاسمها زوايا الكرة الأرضية، دول تتوسع وأخرى تنكمش، تحالفات ضد تحالفات، اتهامات وتهديد وردع نووي، نظريات واستراتيجيات وسياسات مُتقلبة، مصالح وغايات ونوايا مُتدافعة، مكائد ومكامن وأسرار مكثفة، دول تتقزم ودويلات تتعملق.

ما يحويه عالم اليوم وما يحصل فيه أشبه بمن يرسم لوحةً ميثيولوجية، وينقش الأساطير على لوح تاريخي، أو كمن يُعيد الذاكرة الجماعية في عصر ذرة اليوم إلى عصر ما قبل التاريخ. فإمكانية إجراء مقاربات ما بين اليوم وما بين الأمس هي إمكانية مقبولة إذا ما قارنّا ملاحم اليوم بملاحم أمس، أو أن محاولات إيجاد مقارنات بين ما تتقمصه بعض الدول العنيدة والماكرة في حاضر اليوم شبيهة جدًا بأساطير الملاحم المقدسة لدولٍ أسطورية قد خلت من قبل، وربما عصر اليوم هو نسخة مطابقة من عصر الماضي، لكن مع تغيير الأسماء فقط.

تعد «الملحمة البابلية» من أشد ملاحم الصراع الكوني تقاربًا مع محيطنا، إذ تحكي القصة باختصار ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول: يُمثل الصراع بين آلهة السماء «الأنوناكي»، وآلهة الأرض «الإيجيجي»، وبداية العصيان والتمرد، ففي بداية الوجود خُلقت في البدء الآلهة، فانقسمت الآلهة إلى قسمين: القسم الأول هم آلهة السماء وعُرفوا بـ«الأنوناكي» الذين تكفلوا بعناية السماء وتسيير أحوالها ورعايتها؛ مما أعطاهم قوة ونفوذًا أكبر للسيطرة على مقدرات الكون، أما القسم الآخر من الآلهة فيُعرفون بـ«الإيجيجي» الذين وقعت عليهم حراثة الأرض وعبئها ومشقتها ورعايتها، فكان لكل منهم شأن يغنيه.

المحور الثاني: يمثل خلق الإنسان وتكاثره، فبعد سنوات عديدة يسأم «آلهة الإيجيجي» من وضعهم الشاق ويقررون القيام بتمرد وعصيانٍ كبيرين ليعترضوا على مشقتهم وضعفهم في الأرض، وهم يعملون في سبيل راحة ورفاهية آلهة السماء «الأنوناكي»، إذ يقوم إله السماء الكبير «إنليل» باجتماع مع بقية الآلهة للاتفاق على خلق كائنات تعرف بالبشر وتحميلهم عناء ومشقة الأرض.

المحور الثالث: يمثل فناء البشرية وظهور المجالد الخالد الإله «أتراحاسيس»، فبعد أن خُلق البشر، أصبح البشر يتكاثرون بشكل فوضوي، فازداد ضجيجهم وعلا صخبهم وكثرت مشاكلهم، الأمر الذي أزعج آلهة السماء، فقرر «إنليل» بالاتفاق مع بقية الآلهة أن يعاقبوا البشر ويعذبوهم بإرسال سلسلة من الكوارث العاصفة بالبشر: القمل والجراد والدم والطاعون والأمراض الفتاكة وآخرها الطوفان العظيم.

وهنا يتجلى بطل الملحمة الإله «أتراحاسيس» بالدفاع عن البشر، والاستبسال والتضحية في سبيلهم، ودرء المفاسد والمكاره والكوارث عنهم في كل مرحلة من مراحل الهلاك ليشفع للبشر، وللتخفيف عنهم. أتراحاسيس الذي يظهر في كل مرة يرسل الإله العذاب الشديد، وبعد أن يفتك الطاعون بالبشر، يظهر أتراحاسيس ليخلص البشرية من العذاب عبر توسله لإله السماء الكبير بالعفو والصفح والمغفرة للبشر.

تقوم إسرائيل في عالمنا مقام «أتراحاسيس» في عالم الميثولوجيا، وهي تجمع بين المحاور الثلاثة عبر استراتيجيات عنيقةٍ جدًا، إلا أن «إسراحاسيس» –وهي مزيج بين الملحمتين من إسرائيل وأتراحاسيس باعتبارهما يتشاركان الصفات العلنية والسرية نفسها في امتلاكهما إمكانية الفعل المزدوج بين العداء والصداقة للبشرية- هي الإلهة الصغيرة التي تطلب من الكبار معونة وإمدادًا بالقوة للقيام بمعاقبة البشر على صخبهم وفوضويتهم مرات ومرات،اليوم تتصنع «إسراحاسيس» الدفاع عن العرب والمسلمين، وهي تتقاسم التأثير بين الظواهر البشرية وما ترتديه من ظواهر إلهية، لتصبغ على نفسها صبغة الظل الإلهي على الأرض وفق ما تزعُمه وتدّعيه من حقوق تاريخية وقانونية ودعايات تنشرها بين وسائل الإعلام حول أحقيتها بوجودها المقدس في الحياة، وما تعتبره بأنها «شعب الله المختار»، و«الأرض الموعودة» و«إسرائيل من النيل إلى الفرات» و«العداء للسامية»، جميعها عبارات ومدلولات ارتبطت بأساطير كونتها إسرائيل عن نفسها عبر السيرورة التاريخية لحياتها، ومن خلال ما تعرضت له خلال الخط الزمني للأحداث المنشئة والمكونة للظروف التي عاشها اليهود منذ سيدنا يعقوب ولغاية الآن.

إن وجود «إسراحاسيس» داخل الجسد العربي والإسلامي يمثل الملحمة العظيمة التي تقودها بضراوة شديدة حول كيفية التلاعب بمقدرات الشعوب والتدخلات العنيفة وما لديها من امتدادات، ففي كل أرض ذراع، وفي كل مكان مقلاع، فهي إذا غضبت من ضجيجنا أرسلت أسلحتها المدمرة، وساقت إلينا الكوارث والطاعون والمجاعة والقمل والجراد والدم والطوفان، فكلما رأت أن ضجيجنا ارتفع وزاد صياحنا، تأمر النيازك والصواعق والأمراض والآفات لتفتك بنا، ثم تأتي وقد لبست ثوبًا آخر وقد تقمصت دور الملاك الذي يمسح جراحنا ويربِّتُ على أكتافنا وتجعل من نفسها المخلص الوحيد لالآم البشرية، والحامية للحقوق، والجالبة للنعم، والمدافعة عن الدماء في الشرق الأوسط من النيل إلى الفرات، بهذه الأفعال فإن «إسرائيل» تمجد نفسها وتنصب ذاتها وترسم قدسيتها كـ«أتراحاسيس»، الكائن ذي النصفين والخليط المزدوج «الإله-البشري» الذي يحاول دائمًا حقن الدماء، واستعطاف الآخرين، ومقاتلة الأعداء، وإقامة الأحلاف والاتفاقيات من أجل الخير وفعل الصالح من الأمور.

«إسرائيل» اليوم هي لوحة منسوخة وطبق الأصل عن لوحة «أتراحاسيس» الذي كان يشاهد ويشهد على عذاب البشر، والكوارث التي حلت بهم، والعواصف التي هاجت عليهم، والبلاء الذي نزل فيهم، ولا بد لنا أن نقف موقفًا واحدًا ليس في مواجهة «إسراحاسيس» فحسب، وإنما لمواجهة كبار الآلهة، من خلال الوحدة ولم الشمل وتجميع الأشلاء والتخطيط والتنظيم والقيام بالتمرد والعصيان على القوانين المقيدة للحرية، فلا نريد أن نكون كآلهة «الإيجيجي» ولا كآلهة «الأنوناكي»، ولا نريد أن نكون البشر الذين يُكتبُ تاريخهم على ألواحٍ كدريةٍ، نصبح كل فترةٍ مُتعبين وتائهين وفوضويين وعشوائيين، بل نريد أن نرجع بذاكرتنا الجماعية لنُحسّنّ خطوات سيرورتنا التاريخية وسيرورتنا الحاضرية والمستقبلية إلى إعادة العصر الذهبي للحضارةالعربية والإسلامية الإنسانية، دون مُخلص يشفع أو يستشفِع لنا،ودون مُدافِع يدافع عنا، ودون مُمثل يدّعي أنه معنا وهو في السر علينا، وإن «إسرا-حاسيس» لم تكن خلال حياتها الطويلة ذات حسٍ إنساني، ولم تكن تملك أحاسيس حضارية، وأنها لم تعدْ أسطورةً بعد اليوم، ومن حقنا أن نثور ونتمرد ضد قيود الأساطير العبثية وضد حبال الظلم التاريخي على شعوبنا المقهورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد