على مساحة تقل عن 4% من مساحة مصر، وأقل من مساحة سيناء بحوالي الثلث، تقع دولة هولندا (41.543 كم) صاحبة أسعد شعب في العالم -عدد السكان 17 مليون- حسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2011. في الوقت نفسه هي ثاني أكبر بلد مصدر للمنتجات الغذائية والزراعية في العالم بعد الولايات المتحدة، وعاشر دولة على مستوى العالم من حيث دخل الفرد، ويطلقون عليها عاصمة العالم القانونية لوجود خمس محاكم دولية على أرضها، منها محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية التي تثير الذعر في قلوب طغاة العالم وأعوانهم.

يحتوي هذا الشعب السعيد بين أحضانه أكثر من 1.2 مليون مسلم هولندي من أصول مختلفة بين أتراك ومغاربة وآسيويين وغيرهم من السكان الهولنديين الأصليين، ويقطن أغلبهم المدن الأربع الرئيسية: أمستردام وروتردام ولاهاي وأوترخت. غالبية الشعب الهولندي من المسيحيين، ويمثل الإسلام ثاني أكبر ديانة في البلاد، والمسلمون السنة هم الأغلبية، بينما الشيعة حوالي 100 ألف.

ورغم الطبيعة الانشقاقية للمسلمين وعدم قدرتهم على إيجاد أرضيات سياسية مشتركة تجمعهم غالبًا، ورغم العديد من المحاولات الفاشلة لتشكيل حزب سياسي موحد يجمع شمل المسلمين في هولندا؛ والتي يرجع سببها الرئيس إلى عدم وجود انسجام أو تقبل للمخالف في التجمعات الإسلامية المختلفة في هولندا، فإن حزب «دينك» (Denk) الإسلامي الذي يهيمن عليه وأسسه ذوو الأصول التركية، استطاع الفوز بثلاثة مقاعد في البرلمان الهولندي -من أصل 150 مقعدًا- إذ حاز أصوات 200 ألف ناخب، بالرغم من أن نصف الأتراك الهولنديين قد أيدوا أحزابًا أخرى.

هذه النجاحات السياسية لمسلمي هولندا لم تسبب هلعًا كبيرًا لليمين المسيحي هناك، بقدر ما أرقت مضاجع الإسرائيليين، وألهبت مواقف مناصريهم في هولندا وإسرائيل. وفي مثال على التحركات الإسرائيلية ضد هذه النجاحات السياسية، كتب البروفيسور مانفريد جيرستنفيلد المتخصص في الشئون الإسرائيلية الأوروبية، والرئيس السابق للجنة التوجيهية في مركز القدس للشئون العامة الإسرائيلية، ورقة بحثية بعنوان «الأحزاب الإسلامية الهولندية: تطور جديد في الأسلمة»() يطلق فيها نداءً لوقف أسلمة هولندا على حد تعبيره.

ركز مانفريد هجومه على نقاط اهترأت من كثرة الترديد والرد عليها، معاداة الاندماج في المجتمع الهولندي، رفض الثقافة الهولندية السائدة، ثم التهمة الأكبر وهي معاداة السامية متمثلة في خطاب الكراهية والتحريض ضد إسرائيل. رغم عدم وجود أي أدلة مادية تثبت اتهام الحزب الفائز أو غيره بتلك التهم.

الأحزاب المسلمة تأسست في المقام الأول للمسلمين وليست للإسلاميين، بدليل وجود عدد كبير من أعضائها من المسلمين العلمانيين الذين يبحثون عن ممثل لمصالحهم السياسية كونهم مهاجرين ووافدين جددًا إلى هولندا. فتأسيس حزب «دينك» جاء بعد طرد اثنين من البرلمانيين من أصل تركي من حزب العمال الهولندي، الذي كانا ينتميان إليه، لمعارضتهما السياسة التي أراد الحزب انتهاجها ضد المهاجرين، والتي وضعها آنذاك رئيس حزب العمال «لودفيجك أسشير» وهو النائب السابق لرئيس الوزراء الهولندي.

ما يعني أن تأسيس الحزب كان بالأساس لمواجهة تحيز ضد المهاجرين المسلمين، وخاصة بعد تدفق الهجرة السورية نحو أوروبا وهولندا. ويعترف البروفيسور مانفريد بأن البرلمانيين المطرودين من الحزب لم يسبق لهما أن خالفا النهج السياسي لحزب العمال، ولم يسبق لهما أن تحدثا خارج الإطار الحزبي أو أدليا بتصريحات تناقض خط الحزب، لذلك شكلا حزبًا خاصًا بدائرتهما السياسية ليستطيعا التحدث والتعبير عن رأيهما بحرية.

ويحمل العديد من الهولنديين من أصل تركي الجنسية المزدوجة، ومنهم من يحرص على التصويت في الانتخابات والاستفتاءات التركية عبر سفارتهم في هولندا، وهذا حال غالب المهاجرين والمغتربين في العالم. لكن ذلك لا ينافي انخراط الكثير منهم في الأحزاب المختلفة، ووجود الكثير من البرلمانيين المسلمين في الأحزاب الهولندية الثمانية والعشرين التي تشارك في الانتخابات هناك، وأيضًا يشارك المسلمون في باقي الثمانين حزبًا هولنديًّا. وحصلت بعض الأحزاب الإسلامية الأخرى على مقاعد في المحليات الكبيرة في مدن مثل روتردام ولاهاي، بينما فاز حزب «دينك» بـ13 مقعدًا في المجالس البلدية من أصل 14 مقعدًا تنافس الحزب عليها.

ذلك التأثير والتواجد التركي الكبير بين المسلمين الهولنديين يرجع بالأساس إلى تفوقهم العددي، وليس لتوجهاتهم السياسية أو انتمائهم العرقي، فمن بين مسلمي هولندا يوجد نصف مليون تركي و400 ألف مغربي، ويهتم الأتراك أكثر بالمشاركة السياسية. واستطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن حزب «دينك» سوف يفوز بمقاعد أكثر في الانتخابات القادمة. كما أن الأحزاب المسلمة لم ترفض الاندماج في المجتمع، بل فقط تريد استبدال الكلمة بمصطلح القبول، فهم يريدون أن يتقبلهم المجتمع بوصفهم مكونًا ثقافيًّا يثري التنوع داخل هولندا، وليس مجرد ذوبانهم في ثقافة أخرى.

وفي ما يخص تهمة معاداة السامية، يستدل مانفريد بواقعة رفض حزب «دينك» التوقيع على العريضة التي أعدها اليهود وأجبروا باقي الأحزاب الهولندية على التوقيع عليها، وهي وثيقة تطالب بتوفير دعم مالي حكومي لليهود لمحاربة العداء ضد السامية من وجهة النظر اليهودية، كذلك تدريس التاريخ اليهودي والهولوكوست لعامة الهولنديين بالمدارس. والحقيقة أن رفض حزب «دينك» لم يكن منفردًا، بل تضامن معه «حزب بيج 1» (BIJ1) المكون أساسًا من الأفارقة السود المهاجرين إلى هولندا، وقد رفضا التوقيع على تلك الوثيقة التي اعتبراها مهينة للشعب الهولندي، وكان ذلك أكثر من كافٍ لاتهام الحزبين بمعاداة السامية. رغم تأكيد الحزبين على أنهما يريدان وضع التاريخ العام للهجرة مكونًا تعليميًّا وليس التاريخ اليهودي فقط.

ويستطرد الكاتب المخضرم في تجميع الأدلة على العداء والتحريض ضد إسرائيل، فيورد تصريحًا لأحد مرشحي حزب «دينك» في الانتخابات، يتهم إسرائيل والغرب بأنهما من أسس تنظيم داعش، وهي حقيقة يرددها الكثير من مراكز الدراسات الغربية والعالمية. أيضًا في احتفال بذكرى الهولوكوست في هولندا صرح عضو برلماني هولندي الأصل يعتنق الإسلام، بأن القتلى الفلسطينيين هم ضحايا مساوون لضحايا الهولوكوست، واعتبر اليهود هذا التصريح عداءً واضحًا للسامية، وتحريضًا ضد إسرائيل، رغم رفض القضاء الهولندي تلك الاتهامات.

في نهاية مقاله يحذر مانفريد من أن الأحزاب المسلمة الجديدة سوف تسعى لتطبيق الشريعة في هولندا، وستشجع على الفصل بين الرجال والنساء في المواصلات العامة. ويشير إلى تصريح تلك الأحزاب أنها ستخوض الانتخابات المحلية في 28 بلدية في أكتوبر (تشرين الأول) القادم، وهذا من وجهة نظره سيجعل من الأحزاب الإسلامية ظاهرة ستنتشر في أماكن أخرى من أوروبا الغربية، وتزيد من التحرض والتوتر ضد إسرائيل.

ورغم كل تلك الدعوات والتحريض ضد المسلمين والمهاجرين في هولندا، فإن المجتمع المسلم هناك يتمتع بحريات وحقوق تفوق المتوفرة في بلاد المسلمين الأصلية. فهم يتلقون إعانات مالية حكومية جيدة للمراكز الدينية والمساجد المنتشرة، ومحطاتهم التليفزيونية والإذاعية المستقلة. ورغم محاولات عدة من الجناح المسيحي اليميني، وتعاون الحكومة الليبرالية معه لسحب بعض تلك الحقوق من المجتمع الإسلامي الهولندي، إلا أن الضمانات الدستورية الواضحة، وكذلك تضامن الأحزاب اليسارية مع التنوع الثقافي، حالا دون التعرض لهذه الحقوق، وهذا هو الحال المأمول دائمًا في المجتمعات الديمقراطية النقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد