شهد المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة، عدة تحولات جذرية، كان لها الأثر العميق في تشكيل العلاقات الدولية، على النحو القائم اليوم، مما أدّى إلى بروز وضع دولي جديد، أثّر على العلاقات الدولية، خصوصًا في طريقة معالجة مختلف المشاكل، والقضايا المطروحة، كما أثّر على تطبيق المبادئ، التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني، كمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحق تقرير المصير، وحق التنقل والسفر، وغيرها من المبادئ، والحقوق. وتبعًا لهذه الوضعية، تم إعادة تشكيل الخريطة العالمية، مع بروز قطب سياسي، واقتصادي وحيد، ففقد العالم توازنه الاستراتيجي، وسيطرت على العلاقات الدولية، النزعة الأحادية، التي برزت بالخصوص في مجال أخذ القرارات العالمية، ومعالجة مختلف القضايا والمشاكل المطروحة في العالم، خاصة في معالجة، مشكلة إرهاب الدولة المنظم، مما أدى إلى التدخل، والتأثير على قرارات هيئة الأمم المتحدة، وبقية المنظمات الدولية، إلى جانب انتهاك كافة المعاهدات، والاتفاقيات، التي تنادي بحقوق الإنسان.

ويُعدّ إرهاب الدولة، المصطلح الأكثر إثارة في العصر الحديث، خصوصًا بعد الهجمات التي تعرضت لها دول أوائل القرن هذا، وهذا إن دلّ على شيء، فإنّما يدلُّ على تعدد الجوانب، التي تمسّها هذه الظاهرة. والإرهاب لا يقتصر على فئة معينة أو زمان أو مكان محددين. لذلك، يشكل إرهاب الدولة (إرهاب أنظمة القمع والاستبداد) خطرًا ذا أهمية بالغة على العالم أجمع، وعلى منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة، وعلى وجه أكثر تخصيصًا تجاه الشعب الفلسطيني، من قِبل دولة الاحتلال الإسرائيلي. وقد استثمر الإعلام الغربي هذه الظاهرة ليساوي بين الإرهاب وحق الشعوب المقهورة في المقاومة والتحرير. ولم تحاول الدول المعنية بدراسة هذه الظاهرة ومعالجة الأسباب التي قادت إليها، وإنما عمدت بشكل مباشر لإلصاق التهم الجاهزة للمعسكر الشرقي وشعوب العالم الثالث، التي ما زالت تئن تحت وطأة الجوع والفقر والظلم نتيجة للسياسات الاستعمارية التي استمرت لعقود طويلة. وتنصّلت هذه الدول من دورها في تفريخ التطرف والإرهاب وحصار الآخر في نفق الموت المظلم. وبالرغم من شيوع ظاهرة الإرهاب هذه، أو المقاومة في جوانب معينة منها، إلا أن العالم آنذاك لم يصل بعد إلى ما يسمى بإرهاب الدولة المنظم، وأن تقوم الدول بالتخطيط والتنفيذ للعمليات الإرهابية وحماية الإرهابيين، على مرأى ومسمع من العالم المتحضر، وليس الأفراد والمنظمات التي لا يحكمها لا القانون الدولي العالمي، ولا مبادئ، وأعراف، وتقاليد المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

تعد جريمة إرهاب الدولة، من أخطر صور الإرهاب؛ لأنّ ارتكابها، يتم من دول لها إمكانيات، تفوق بكثير إمكانيات الأفراد، والمنظمات الإرهابية، إلا أنّ المجتمع الدولي، لم يتصدّ لهذه الجريمة، بشكلٍ فعّال، ويرجع ذلك، إلى أنّ معظم مرتكبي جريمة الإرهاب، من الدول الكبرى، ذات التأثير السياسي الكبير، على المنظمات الإقليمية، والعالمية، مما يحول دون اتخاذ موقف دولي، تجاه تجريم تلك الأعمال الإرهابية. وعلى الرغم مما تفعله الدول الكبرى من ممارسات، ودعم للإرهاب، إلا أنّ المجتمع الدولي، قد أقرّ عدم شرعية، تلك الأعمال، التي تمارسها الدول فيما بينها، حيثُ أصدرت الجمعية العامة، للأمم المتحدة قرارًا برقم 159/42 في السابع من ديسمبر (كانون الأول) لعام 1987، أدان كافة الأعمال الإرهابية، بما فيها الأعمال، التي تتورط الدول في ارتكابها، بشكل مباشر، أو غير مباشر، مشيّعة العنف، والإرهاب الذي يهدد السلم، والأمن الدوليين، ويعرضهم للخطر.

دولة الاحتلال الإسرائيلي في كَوْنها إرهاب دولة منظّم

ومن ناحيةٍ تختصُّ بالشعبِ الفلسطيني، وقضيتهِ، ترى أنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي، تُمارسُ أنواعًا مختلفة من الإرهاب، تجاه الشعب الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية، أو قطاع غزة، أو حتّى في الداخل المُحتل، ولكن ترى أن العالم الغربي، لا يتطرق لهذه الأحداث، كإرهاب دولة منظم، كَوْن دولة الاحتلال الإسرائيلي، تُعد الفتى المُدلل للولايات المتحدة الأمريكية، ولتفعل ما تشاء؛ لأنّها ستقوم بحمايتهم في أروقةِ الأمم المتحدة.

ومن الشواهد على إرهاب الدولة المباشر، ما قامت به الطائرات الحربية الإسرائيلية من شن هجوم برّي، بحري، وجوي، على قطاع غزة، عام 2008، وقصف المدنيين العُزّل، وتدمير المدارس، والمستشفيات، والمساجد، وإصابة الآلاف من المدنيين، بإصابات خطيرة، ووصل عدد الضحايا إلى قرابة 2000 ضحية، جلهم من المدنيين. وكذلك الأمر في حرب عام 2012، وحرب عام 2014، أيضًا على قطاع غزة.

وغير ذلك، وجود جدار الفصل العنصري، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية، على المواطنين العُزّل، والإعدام الميداني للطلاب، والطالبات، وعملية الأسر، التي طالت الأطفال، والنساء، والشيوخ، في الضفةِ الغربية، وأيضًا الاستيطان الإسرائيلي، الذي يساهم في التدخل، في الأراضي الفلسطينية، وتهجير المواطنين، وتدمير منازلهم، بغيّة بناء منازل للإسرائيليين، خلافًا لما أقرّته اتفاقية أوسلو لعام 1993، وهي إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي «أوسلو 1993». وهذا العنف، مرتبط ارتباطًا جذريًا، بإرهاب الدولة المنظم، كونه يرتكز على العنف، كإحدى ركائز الإرهاب، في تدمير دولة أخرى.

علاوةً على ذلك،أنّ الاحتلال الإسرائيلي، بعنف مستوطنيه، يؤثر على حق الفلسطينيين، في حرية التنقل، والحق في مستوى معيشي لائق به، وفي سلب الأراضي، وفي ذلك ضرر على حق الفلسطيني، في التملك، وفي البناء، والتوسُّع. وأيضًا تأثير هذا العنف، على نيل الفلسطيني، للخدمات الصحية، والتعليم، وفرص العمل، والتواصل الثقافي، والاجتماعي. بالإضافة إلى سلب المستوطنين، لينابيع المياه، وتأثير هذا على حياة المزارعين، وعلى المياه المتاحة، للاستخدام المنزلي، وإهمال مصارف الصرف الصحي، وأثره على البيئة، وصحة الفلسطينيين على وجه الخصوص، بالإضافةِ إلى الجماعات الاستيطانية، التي تقوم بمجازر بحق الفلسطينيين العُزّل، من خلال، حرق منازلهم، واختطاف أبنائهم، وقتل الشباب، وتدمير الأراضي الزراعية، واستفزاز الفلسطينيين على الحواجز، والعمل على تقييد حركتهم.

وغير ذلك، عمل داخل الأوساط الإسرائيلية العديد من الجماعات الدينية المتطرفة، والتي تحمل أفكارًا عدوانية ضد الفلسطينيين تظهر من خلال آراء الحاخامات المتشددين، وتقوم هذه المنظمات بأنشطة وفعاليات مختلفة قد تصل إلى مستوى القتل أحيانًا، وهو ما تم رصده خلال مجريات الصراع الدائرة في فلسطين المحتلة.

وفقًا لما يقوله الباحث في شؤون الاستيطان عبد الهادي حنتش لـ«المدن»، فإن تسمية العصابة الأخطر على الإطلاق بـ«فتية التلال»، تعود إلى مساهمة هذه الفئة التي تتراوح أعمار عناصرها بين 17 و32 عامًا في الاستيلاء عُنوةً على تلال مملوكة لفلسطينيين، وإقامة خيم وكرفانات عليها تحت أعين جيش الاحتلال وحمايته، ليتحول عدد منها لاحقًا إلى كتل استيطانية «شرعية» بوجهة نظر المؤسسة الرسمية في إسرائيل.

لكن الحادثة التي شكلت نقطة تحوّل في النظرة إلى خطورة وإجرام هذه العصابة، كان فجر الحادي والثلاثين من يوليو (تموز) 2015 عندما أقدم أفراد منها على اقتحام قرية دوما جنوب شرق مدينة نابلس خلسةً، فأحرقوا بواسطة مواد مشتعلة منزل سعد دوابشة (32 عامًا) حيث استشهد سعد وزوجته ريهام (27 عامًا)، وطفلهما الرضيع علي دوابشة (18 شهرًا)، فيما أصيب شقيقه أحمد «الناجي الوحيد من بين أفراد العائلة»، بجروح وحروق بالغة حينها. والواقع، أن هذه الحادثة دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الى النظر بقلق وخشية بالغين إزاء «شبيبة التلال»، لا رأفة بالفلسطينيين، بل خوفًا على مستقبل، وصورة إسرائيل، وروايتها الكاذبة أمام العالم، خاصة وأن هذه الجماعة، تتخذ طابعًا سريًا، واستخدم وزير الجيش الإسرائيلي السابق، موشي يعالون، لأول مرة، قبل أكثر من سنتين، تعبيرًا يصف هذه الجماعة بـ «الإرهابية». وتصف بعض الأطياف السياسية الإسرائيلية هذه المجموعة الاستيطانية الإرهابية بانها كـ «الأعشاب الوحشة» التي يجب اقتلاعها.

 غير أنّ الأمنيين في إسرائيل يصفونها بأكثر من ذلك ويقولون إنها «ظاهرة مثيرة للقلق والخشية الكبيرين»؛ فهي قد تنفذ اغتيالات سياسية لمسؤولين إسرائيليين، ذلك أن قاتل رئيس وزراء اسرائيل الأسبق، إسحق رابين قد خرج من مدرستها الأيديولوجية عام 1995. لكنّ الواضح أيضًا، أن إسرائيل، تتستر قصدًا، على أفعال هذه المجموعة الإرهابية، التي يعود بذور تشكّلها الفكري، إلى بداية التسعينيات، حتى لا تلفت انتباه العالم، على مزاعمها حول ما تقول إنه «إرهاب إيران والاسلام المتشدد» في المنطقة، كما يثير الحديث الإسرائيلي، عن صعوبة حل لغز «شبيبة التلال»، وتفكيكها، تشكيكًا فلسطينيًا، لأنه عندما يتعلق الأمر بعملية فلسطينية، فإن كل إسرائيل تستنفر للوصول إلى المنفذ والمخطط، وفك الخلايا الفلسطينية، فلماذا تُخفق في ذلك عندما يتعلق الأمر بإرهاب المستوطنين؟

أما بالنسبةِ لجماعة شوفو بانيم، وهي إحدى جماعات المستوطنين، الداعية للاستيلاء على الأراضي العربية، وفي فترة تصاعد عمليات، مصادرة الأراضي الفلسطينية، وحمى الاستيطان الصهيوني عام 1984، وكان لهذه الجماعة دورٌ بارز في إلحاق الأذى الشديد بأملاك المواطنين الفلسطينيين. وأدت ممارسات أعضاء هذه الجماعة العدوانية إلى الإخلال بالأمن والاستقرار. ومن أبرز أنشطة أعضاء الجماعة الاعتداء المتكرر على الفلسطينيين المقيمين جوار الحرم القدسي الشريف، وتعمد إزعاجهم بالصياح ليلًا نهارًا، والاعتداء عليهم أثناء أدائهم لفريضة الصلاة.

هذه الجماعات المتطرفة، الإرهابية، الإسرائيلية، موجودة في فلسطين، داخل المستوطنات الإسرائيلية، والمُثير للجدل، أن المستوطنات الإسرائيلية، تعمل على إزالة، وتدمير، مئات المنازل، وتهجير آلاف العائلات الفلسطينية، لإقامة منازل لهؤلاء الإرهابيين، مكافئة على إنجازاتهم، لقتل الفلسطينيين، وسرقة ممتلكاتهم، وتدمير أراضيهم، وتخويفهم، ونشر الرعب، في عيون الأطفال، والنساء، والشيوخ.

إنّ مفهوم الصهيونية للاستيطان، يقضي بتجميع أكبر عدد ممكن من المستوطنين في الأراضي الفلسطينية انطلاقًا من الفكرة الصهيونية القائلة «أن لا صهيونية بدون استيطان، ولا دولة يهودية بدون إخلاء العرب ومصادرة أراضٍ وتسييجها». وبناءً على ما ورد على لسان عضو الكنيست الإسرائيلي «يشعبا هوبن فورت» فإن الاستيطان الإسرائيلي يعني «اتخاذ بلد ما وطنًا يسعى إلى القضاء على وطن الغير، ودخول عنصر أجنبي جديد بهدف الاستيلاء على جزء من الأرض أو كلها».

عملية تكريس المستوطنين على الأراضي الفلسطينية، يتم من خلال، القيام بأعمال إرهابية، كما حصل في نكبة عام 1948، من مجازرٍ، بحق الآمنين في مدنهم، وقراهم، وأراضيهم، العمليات الإرهابية، التي قامت بها الحركات الصهيونية، بشكل منظّم وغير منظّم، لتشريد السكّان، وتدمير منازلهم، من خلال نشر الرعب، وتخويف الفلسطينيين، وعدم الأمان الموجود في المنطقة، عمِل على، دحض السكان، وتشريدهم، من خلال العشوائية في اختيار الأهداف المدنية، كما ذكر ولكنسن في تحديد العناصر سابقًا، مما نتج عنه، انتشار حالة الخوف، لدى الآخرين، واستخدام الوسائل الوحشية؛ لإحداث الاضرار، في صفوف المواطنين، كالذبح، والإعدام الجماعي، كما حصل في صبرا وشاتيلا، وقرية دير ياسين، تخويف الجمهور؛ لتحقيق الأهداف، وهي هجرة السكان، وهروبهم، وسرقة الأراضي. استخدام الوسائل الاستثنائية، في عملية التهجير، هي استراتيجية هجومية، لطرد الفلسطينيين، مُعتمَدة من قِبل مجموعة من الأشخاص، مدعومين من قبل المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، والقيام بهذه الجرائم، بشكل متواصل، على مدار أربع سنوات، عمل على تهجير مئات الآلاف، بل الملايين من الفلسطينيين، من خلال ممارسة القوة غير الشرعية، حسب القوانين الداخلية، والأعراف الدولية، ومعاهدات، ومواثيق الأمم المتحدة.

لم يتم فقط الهجوم على الفلسطيني بحد ذاته، بل طال العنف، الأراضي، والمنازل، والممتلكات، بشكلٍ اعتباطي، وهدفه التخويف، للضغط عليهم بالهجرة، والامتناع عن الوجود، على أرضهم، وهذه الأحداث، عمِلت على تخويف المنطقة العربية، وإرباك الحكومات العربية، والضغط عليهم؛ للوقوف ساكنين أمام ما يحصل، من مجازر بحق الشعب العربي، والشعب الفلسطيني تحديدًا، كما قال أندريه كون، في ذكره للعناصر العشرة للإرهاب. والهدف النهائي سياسي، لإحداث التغيير، السياسي، والديني، والاجتماعي، والإيديولوجي، عن طريق تغيير، وجهة نظر الرأي العام؛ لخدمة مصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي، من خلال السيطرة على الإعلام، واستخدامه كوسيلة عنف، في سبيل الوصول إلى أهدافه.
وبالطبع، كانت الدوافع السياسية، والاقتصادية، والعقائدية، حاضرة، وتُستخدم بأبشع الطرق، لبسط النفوذ، والسيطرة، والهيمنة الاستعمارية، التي مارستها، إسرائيل، مدعومة بالدول الكُبرى، المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ لتحقيق الأطماع. والعنف السياسي، هو كل الأعمال التي تضمنتها الهجوم على الآخرين، للسيطرة عليهم، من خلال القتل، الأسر، وما شابه. سلب خيرات فلسطين أيضًا، متمثلة في سرقة المياه الجوفية، وآبار الغاز الموجودة في عرض البحر المتوسط، وتسيير اقتصاد فلسطين، وفقًا لما تراهُ ملائمًا لها، كي تضمن السيطرة على فلسطين، بعد تحطيمها للبنية التحتية لأراضي عام 1967م.

مما سبق، يمكن القول بأنّ الدول التي تقف وراء الإرهاب، وتحوله، وتفسح المجال للعمل به، يجب أن تخضع للمساءلة الجنائية، والمدنية، عن أعمالها هذه، بعد أن خلفت جرائم إرهاب الدولة، وخاصةً في الوقت الحاضر، تداعيات خطيرة، لم يسبق لها مثيل، على المستوى الدولي، من أبرزها أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ورد الفعل الأمريكي عليها، حيثُ أثارت هذه الهجمات، ردود فعل معظم دول العالم، التي تردت بها، والتي عدتها عملًا إجراميًا، بالغ الخطورة، أوجب ملاحقة مرتكبيها، وكل من ساهم في تدميرها، وتقديمهم للمحاكمة، وفرض العقوبات المناسبة، بحقهم وبحق الدول، التي ساهمت بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، للقيام بمثل هذا العمل.

 ولكن الولايات المتحدة الأمريكية، وضعت القانون الدولي جانبًا، واعتمدت على قوتها العسكرية الهائلة، واستغلت هذا العمل، لتنفيذ أهداف سياسية عسكرية اقتصادية، دون النظر إلى العواقب التي تترتب عليها. وغير ذلك قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، بسلب الأرض الفلسطينية، وإقامتها لدولة غير شرعية، متحدية كل القرارات الدولية، والمجتمع الدولي بأسره، محطمة البنية التحتية للدولة الفلسطينية، من خلال تدمير النظام السياسي، والتعليمي، والاقتصادي، والاجتماعي، والقيام بمجازر بحق المواطنين، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية. وهنا يمكن التساؤل، أليست هذه الأعمال هي أعمال إرهاب دولة؟ للإجابة عن ذلك، لا بد من القول، أن جرائم إرهاب الدولة، قد مارستها بشكل مباشر، وغير مباشر، أكبر دول العالم، التي تدّعي التحضّر، والتي كان الأحرى بها أن تُحارب مثل هذه الظواهر، التي هزت العالم، وأخذت تخفي كل معالم الحرية، والعدل والسلام.

إن الضعف الدولي، في الرد على المخالفات، والانتهاكات التي تتعرض لها مواثيقه، بعقوباتٍ دولية شاملة، ورادعة، وسياسية المعايير المزدوجة، في العلاقات الدولية، وفي التعامل مع القضايا العالمية الساخنة، يفتح المجال، أمام الإرهابيين، وتشجيعهم، لانتهاك قواعد القانون الدولي، والاعتداء على سيادة الدول، ومصالحها المشروعة، بالتهديد، والتشهير، والابتزاز، والقتل وغيرها. هذا التخاذل وعدم تعاون المجتمع الدولي، سوف ينتهي بكارثة دولية، لا حدود لها. واللافت للنظر، أن إرهاب الدولة، لم يقتصر على الكيانات القزمية، التي تعجز عادةً، عن تحقيق أهدافها بالوسائل الدبلوماسية، أو المواجهة العسكرية، كدولة الاحتلال الإسرائيلي، بل امتد إلى أكبر الدول، وأكثرها قوةً، من الناحية العسكرية، والدبلوماسية، كالولايات المتحدة الأمريكية، فاتخذ من الشرعية الدولية، ستارًا لها، في التدخل في شؤون الدول، والاعتداء عليها، بل حتى احتلالها، كما جرى في أفغانستان، والعراق، ودول أخرى. وربما كان تغاضي المجتمع الدولي عن الخوض في جريمة الإرهاب الدولي، راجعًا إلى أنها غالبًا، ما تُرتكب من قبل الدول الكبرى، ذات التأثير السياسي الكبير، في المسرح الدولي، الأمر الذي كان يحول، دون اتخاذ موقف حاسم، تجاه مرتكبيها، وإدانتهم.

ومما لا شكّ فيه، أن دولة الاحتلال، تتلذّذُ بممارسة، قوّتها على الأراضي الفلسطينية، دون رقيبٍ أو عتيد، من خلال القيام بجرائم حربٍ، أو عمليات الإعدام، أو حتّى انتهاك حقوق الأسرى، والكثير الكثير، من الانتهاكات التي أقدمت عليها، طوال وجودها، على الأرض الفلسطينية، مخاوف دولة الاحتلال، تتمحور حول، تحريك دعاوى، وتقديم طلبات، للمنظمة الدولية، لملاحقة ضبّاط، وجنود في الجيش الإسرائيلي، واستصدار أوامر، لتسليمهم، بغرض محاكمتهم، بجرائم الحرب. وأيضًا ملاحقة المسؤولين في دولة الاحتلال؛ لممارسة الإرهاب ضد الفلسطينيين، وأيضًا ملاحقة قادة إسرائيليين مدنيين، موجودين في الدول الأوروبية، بسبب تورطهم في أعمال انتهاك، للقانون الدولي، وأعمال تصنّف جرائم حرب.

في حال تم إدراج الاستيطان الإسرائيلي، في قائمة الأعمال الإرهابية، التي تُمارس بحق الشعب الفلسطيني، أو إن صحّ التعبير، تم اعتبار دولة الاحتلال الإسرائيلي، إرهاب دولة منظّم، سيعمل المجتمع الدولي، على منع هذا النوع من الإرهاب، والتصدي له، وتطوير الإطار القانوني الدولي؛ لمكافحته جماعيًا، ويُلزم قرار مجلس الأمن رقم 1373 لعام 2001، جميع الدول الأعضاء، تنفيذ عدد من التدابير، لتعزيز قدراتها القانونية، والمؤسسية؛ لمواجهة الأنشطة الإرهابية، التي تُمارس من قبل الإرهاب، في منطقتها، وفي أنحاء العالم أجمع، وعلى وجه الخصوص فلسطين، ويُلزم قرار الدول الأعضاء بما يلي:

1- تجريم تمويل الإرهاب، والعمل على تجميد أي أموال تتصل بأشخاص ضالعين في أعمال الإرهاب.
2- الامتناع عن تقديم أي شكل من أشكال الدعم المالي، للجماعات الإرهابية.
3- تقديم الإرهابيين للعدالة.
4- تنفيذ تدابير فعالة لمراقبة الحدود.

ومن ثمّ، مقاضاة دولة الاحتلال الإسرائيلي، في المحاكم الدولية، على العنف، الذي تمّت ممارسته على الشعب الفلسطيني، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والقتل، والأسر، والتدمير، والخراب الذي حلّ بالدولة الفلسطينية، بسبب عنجهية دولة الاحتلال.

عندما ننظُر إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتاريخ الاستيطان، نرى أن الفكر الصهيوني، يتبع سياسة مدروسة، تقوم على القتل، والتشريد، والتدمير، لبيوت الفلسطينيين، وهذا ما ذكره «ثيودور هرتزل» في مذكراته. والادعاء أمام العالم الدولي، أنهم قاموا بشرائها من العرب، وهذا تضليل للرأي العام.
قرارات الأمم المتحدة حرّمت هذه الأفعال، ونبذتها، ورفضتها، ولكن، حتى اللحظة، لم نرَ ردًا فعليًا عليها، سواء بالاعتراض على سياسة دولة الاحتلال، وقمعها، من خلال اتخاذ إجراءات قانونية عالمية بحقها، لوقف التسلّط عن الشعب الفلسطيني.

لقد أصبحت إسرائيل، نموذجًا حيًا، متكاملًا، لإرهاب الدولة، وهو نموذج فريد، لا يوازيه، ولا يماثله أي إرهاب دولة، بين دول العالم، وعلّة هذه الفرادة والنموذجية، تكمن في أن إسرائيل، لا تُقيم أي وزن، أو اعتبار، لأي ميثاق، أو التزام دولي، أو أخلاقي، وليس في العالم كله، دولة، تماثل إسرائيل، في تحللها من كل التزام دولي أخلاقي، ولهذا فقد هانت على إسرائيل، جميع المواثيق، والمعاهدات، والاتفاقيات، والإعلانات، والقرارات الدولية، التي قامت على أساسها إسرائيل، أو انضمّت إليها، أو أيّدتها، لذلك لا بُدّ من توجيه أعيُن العالم، إلى إرهاب الدولة المنظم، وأخذ الاحتلال الإسرائيلي، نموذجًا حيًّا، لهذا الإرهاب، وأخذ كافة التدابير والإجراءات القانونية، بحقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رياض شاهين العيلة، وأيمن شاهين، دراسة بعنوان "الاستيطان اليهودي وتأثيره السياسي والأمني علـى مدينـة القدس "منشورة على شبكة مؤسسة القدس الدولية بتاريخ: 15/ 10 /2008.
بلال محمد صالح إبراهيم، أطروحة ماجستير بعنوان” الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وأثره على التنمية السياسية”، منشورات مركز الدراسات جامعة النجاح الوطنية، نابلس، 2010
عرض التعليقات
تحميل المزيد