مثلما توجد الأعداء يتم خلقها أيضًا، هذه ليست خواطر أو هواجس بل هذه حقيقة؛ تؤدي أدوار وظيفية وحتمية في بقاء واستمرار الدول، قد يكون هذا العدو داخليًّا تصنعه الأنظمة السياسية لتمرير وضع سياسي معين، أو ضمان استمرار هذا الوضع، أو خارجيًّا تضغط به الدول على نسيجها الاجتماعي والثقافي كي يتماسك أكثر، ولا يركن إلى حالة الاسترخاء أو الصراع بين طبقاته وأطيافه المختلفة.

يقول «أرباتوف» (سنقدم لكم أسوأ خدمة على الإطلاق؛ سنحرمكم من وجود العدو)، وصف «أرباتوف» عدم وجود العدو بالخدمة السيئة، أي أنه الحلقة الأسوأ للأنظمة التوسعية أو التي تمتلك هذيان التآمر عليها من كل دول الجوار، هذا الهذيان يتم تصديره للداخل واستثارته دومًا به.

سنطبق هذا المثال على إسرائيل؛ التي لا تكل جهودها الخارجية والداخلية في إنتاج أعداء أكثر وأكثر لشعب الرب المختار، ستجد دومًا أعداء في كل فترة من فترات اليهود، هي ليست كراهية لهم بقدر ما هي إستراتيجية خاصة بهم يحاولون تطبيقها، يقول «كتابهم المقدس» (أبناء المستوطنين النازلين عندكم، تستعبدونهم إلى الدهر، تتخذون منهم عبيدًا وإماء، إخوتكم من بني إسرائيل فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف).

ألم يخطر ببالك يومًا لماذا لم تدمر إسرائيل القضية الفلسطينية من الأساس؟ هل هذا صعب على دولة تمتلك جيشًا من ضمن الأقوى في العالم؟ هل القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية قادرة على الصمود أمام الأنظمة الإلكترونية وأنظمة الأشعة «تحت الحمراء»؟ هل المدى المتوسط أو القصير لصواريخ المقاومة قادر على التشويش على أنظمة «الباتريوت» أو القبة الحديدية؟ بالطبع لا نقصد التشكيك في قدرات المقاومة ولكن تفسير إستراتيجية إسرائيل وبراغماتية وجود العدو بالنسبة لها.

الديموغرافيا الإسرائيلية

ينقسم المجتمع الإسرائيلي إلى طوائف متباينة هم:

1-اليهود: وهذه الفئة تنقسم إلى أربع 1-الأشكناز وهم اليهود الغربيون، 2-السفارديم وهم القادمون من بلاد الأندلس، 3-المزراحيون أو اليهود الشرقيون، 4-يهود الصابرا.

2-المسلمون: نسبتهم ما يقارب المليون ونصفًا إلا قليلًا.

3-المسيحيون.

4-الملحدون.

ماذا لو أغلق المجتمع الإسرائيلي على نفسه؟ ماذا تتوقع لمستقبل هذه الديانات المختلفة وحامليها؟ ماذا بعد التمايز بين «الأشكناز» و«السفارديم» الذي أصبح من مسلمات المجتمع الإسرائيلي؟ هل سيبقى جزء؟ أم ينهار الكل؟

الإجابة تأتي من المصدر، حين صرح رئيس الاستخبارات الإسرائيلية «أمان» «هرتسي ليفي»: «ما ينبغي أن يقلقنا أكثر بكثير هي مسألة كم نحن حقًّا مجتمع واحد، هل سيبقى المجتمع الإسرائيلي مجتمعًا واحدًا بعد عشر سنوات».

تصنيف الأعداء

التوجه الإسرائيلي الخارجي تجده خطابًا معاديًا، لا يتوقف عن إنتاج الأعداء أو محاولة خلق العداوة، يقول «بيار كونيسا» في كتابه «خلق  العدو»: «تأتي صلابة المجتمعات البشرية من حدة خطاب المعاداة للآخر، فالعدو هو موروث بشكل يجعله يتجذر في الماضي ويشكل عنصرًا من عناصر بناء الهوية»، ستجد إسرائيل تصنف العالم بمعيار «العدو»، تحدث العالم بضرورة القضاء على العدو، وتشكل خارطة العدو، لكن أي عدو؟ ستجد القريب (لبنان)، والبعيد (إيران)، دول فاشلة كما تصنفها (سوريا)، منظمات إسلامية (حماس – داعش)، بل ترى الأعجب من ذلك وهو تصريح وزير الدفاع «يعالون» الذي قال «لدينا أعداء مشتركون مع العرب، محور الشر إيران والعراق».

أي لتكوين جملة مفيدة في السياسة الإسرائيلية في مخاطبة الداخل، تستخدم «الشماعة أو الفزاعة»، وهو «العدو» أي أننا محاصرون من كل الأطراف، فلا وقت حاليًا للتفرغ للداخل وما يحدث فيه، دعونا نتخلص من أعدائنا أولًا.

البطالة التقنية

مصطلح استخدمه «بيار كونيسا» لتوصيف حالة عدم وجود العدو وكيفية تعامل الدولة مع هذه الحالة، ويضرب المثال بعد سقوط الشيوعية لم تجد الرأسمالية الأمريكية أي أعداء، وبالتالي قامت باستحداث الحركات العالمية وخلق قوتها إعلاميًّا، لتوحيد الرأي العالمي بأكمله تجاه عدوه الجديد.

الجدلية القائمة: هل تستطيع إسرائيل التخلص من أعدائها؟ بالتأكيد تستطيع وبسهولة كبيرة في ظل متغيرات الداخل لدى أعدائها.

هل القيادة الإسرائيلية إلى هذا المستوى من الغباء الذي لا يمكنهم من استغلال الفرصة المتاحة حاليًا؟ قطعًا أشك في ذلك.

إذا لماذا تترك الفرص تمر هكذا؟ لماذا لا تنسف فلسطين من الأساس وتدمر سوريا نهائيًّا؟

إن ما يعطي إسرائيل سبب بقاء ما تصفهم بالأعداء، هو حتمًا ما يعطيها سبب البقاء، لذلك فوجودنا أقل ضررًا لإسرائيل من رحيلنا.

العرب والتخلص من حالة البطالة التقنية

إسرائيل كما ذكرنا سابقًا لها العديد من الأعداء، على اختلاف درجاتهم وأيديولوجياتهم، لكن يبقى العرب والمسلمون هم الأهم بالنسبة لإسرائيل، كيف يستطيع العرب أن يفرضوا على إسرائيل حالة البطالة التقنية؟

أمامنا خياران: إما الانهيار الكامل وعدم وجود الهوية العربية وبالتأكيد هو احتمال صعب رغم ما نمر به من كوارث.

أما الخيار الثاني: وهو منطقي إلى درجة كبيرة، وهو تغير الأنظمة العربية في خطاباتها العدائية تجاه إسرائيل، أن تحاول مخاطبة الطوائف العربية والإسلامية محاولة أن تؤثر فيهم أو تحركهم، محاولة إيجاد قوة ناعمة لنا داخل إسرائيل. العجيب أننا نعطيهم ما يقوي شوكتهم إعلاميًّا، بأننا فعلًا أعداؤهم، ولكن للأسف عكس ذلك.

يقول «نجيب محفوظ»: «أتحدى إسرائيل أن تفعل بنا مثلما فعلنا بأنفسنا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسرائيل
عرض التعليقات
تحميل المزيد