تحتجز سلطات الاحتلال الإسرائيلي العديد من جثامين شهداء انتفاضة القدس الثانية، وتمنع تسليمهم إلى أسرهم وعائلاتهم، أو تتأخر في تسليمهم لعدة أيامٍ، وتنقلهم إلى مستشفياتها الخاصة، وتحتفظ بهم في براداتها، أو تفرض على ذويهم شروطًا وتطلب منهم التزاماتٍ مكتوبةٍ وتعهداتٍ خاصة قبل تسليمهم جثامين شهدائهم، وإلا فإنها تمتنع عن تسليمهم، أو تقوم بفرض حظر تجوال في مناطق سكن الشهداء، وتقوم دورياتٌ خاصة بنقل الجثامين ليلًا إلى منازلهم، وتبقى قريبة من المقبرة إلى حين انتهاء ذوي الشهداء من إجراءات الدفن، التي تشترط فيها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن تتم بسرعة، وفي ساعات الليل، وفي حضور عدد محدود جدًّا من أسرة وعائلة الشهيد.

لا تكتفي سلطات الاحتلال الإسرائيلي باحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين في المستشفيات والبرادات، بل تتحفظ على جثت الشهداء في نفس المكان الذي تقتلهم فيه، وتمنع وصول الفلسطينيين إليهم، كما لا تسمح لسيارات الإسعاف الفلسطينية بالاقتراب منهم ونقلهم، أو تقديم الإسعاف والمساعدة الطبية لهم.

قتل دافعية المقاومة

أسلوب قديم جديد تتبعه (إسرائيل) منذ عشرات السنين وهو احتجاز جثامين الشهداء وعدم تسلميها لذويهم دون أي سبب أو مسوغ قانوني يشرع لها ذلك. ومنذ بداية انتفاضة القدس، استشهد 76 فلسطينيًّا في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا يزال الاحتلال يحتجز جثامين 24 شهيدًا منهم.

حيث أوضحت دراسة “مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني” أن معظم الشهداء المحتجزين زعمت “إسرائيل” أنهم نفذوا أو حاولوا تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية.

وقال مدير المركز علاء الريماوي عبر وسائل الإعلام: “إن الهدف الرئيسي للاحتلال من احتجاز جثامين الشهداء، قتل الدافعية نحو المقاومة ووقف الانتفاضة، لما للشهداء من أثر وإلهام للشارع الفلسطيني”.

وأوضح الريماوي: “إن معظم المحتجزة جثامينهم، زعمت إسرائيل تنفيذهم عمليات ضد أهداف إسرائيلية”.

وأشار الريماوي إلى إن سياسة الاحتجاز فيما يعرف بمقابر الأرقام، تشكل انتهاكًا خطيًرا للقوانين الدولية التي عملت دولة الاحتلال على انتهاكها جميعًا”.

وأشار الريماوي إلى أن الإعلام الإسرائيلي حاول استخدام هذه السياسة، وأضاف إليها محاولة المس بجثامين الشهداء.

أعضاء الشهداء

وفي هذا السياق حذر مركز القدس، من قيام الاحتلال الإسرائيلي، بسرقة أعضاء الشهداء من خلال استئصال بعضها أو إجراء تجارب على بعضها الآخر.

وأضاف المركز أن هذا الأمر يتطلب تحقيقًا فلسطينيًّا ممنهجًا، خاصة بعد الفضائح الكبيرة التي هزت معهد الطب العدلي الإسرائيلي، وشيوع ما يعرف ببيع الأعضاء.

وسجل مركز القدس جملة من شهادات لأسر الشهداء، والتي تشير بشكل واضح إلى استئصال بعض الأعضاء خاصة في انتفاضة الأقصى وما سبقها انتفاضة الحجر المقدس”.

أساليب قمعية

ومن جانبه أشار المحلل السياسي أ. مصطفى اللداوي إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لا تكتفي باحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين في المستشفيات والبرادات، بل تتحفظ على جثت الشهداء في نفس المكان الذي تقتلهم فيه، وتمنع وصول الفلسطينيين إليهم، كما لا تسمح لسيارات الإسعاف الفلسطينية بالاقتراب منهم ونقلهم، أو تقديم الإسعاف والمساعدة الطبية لهم.

ونوه اللداوي إلى أن الاحتلال يقوم بمنع ذوي الشهداء من معرفة مصيرهم حيث تقوم بنقلهم من مكان الحادث إلى جهاتٍ مجهولة، وذلك بعد ساعاتٍ طويلة يبقون فيها ملقون على الأرض في الشوارع والطرقات العامة، يلتف حولهم المارة من المستوطنين وغيرهم، يشتمونهم ويسبونهم، ويؤذونهم ويتعرضون إليهم بالسوء، وبعضهم يلتقط لنفسه صورًا تذكارية معهم، بينما تقف الشرطة صامتةً برضا فلا تمنعهم.

مستكملًا حديثه قال إن بعض الشهداء لا تقتله الرصاصات مباشرة وإن تكن قاتلة بقصدٍ، بل يستشهد نتيجة النزف الشديد والمتواصل، حيث تبقيه سلطات الاحتلال على الأرض ينزف ويئن، ويتوجع ويتألم، ولا تقوم بتقديم الإسعافات الأولية له، علمًا بأنهم يكونون يتحركون ويطلبون العون والمساعدة، لكن الشرطة الإسرائيلية تصم آذانها عن صراخهم واستغاثتهم، وتمنع أحدًا من الاقتراب منهم بدعوى الإسعاف، لكنها تسمح بالاقتراب لمن شاء أن يسب أو يشتم، أو أن يركل ويرفص، أو يرغب في وضع شرحاتٍ من لحم الخنزير عليه بقصد الإهانة والتحقير، والإساءة إلى مشاعر العرب والمسلمين.

الإطار القانوني

وفي الإطار القانوني، بينت منسقة حملة استعادة جثامين الشهداء، أن جيش الاحتلال تعهد في 13 يوليو 2015 بعدم احتجاز جثامين الشهداء والإفراج عن الجميع، إلا أنه قد أصدر الكابينيت الإسرائيلي قرارًا باحتجاز جثامين الشهداء كنوع من الضغط على الشعب الفلسطيني لوأد الانتفاضة.

وهذا ما أكده المحامي في مركز القدس للمساعدة القانونيّة وحقوق الإنسان محمد أبو اسنينة، أن المركز تقدم بطلب مستعجل للمستشار القضائي لجيش الاحتلال بسرعة تسليم الجثامين لذويهم، مستندا إلى تعهد جيش الاحتلال في شهر تموز من العام الحالي، بتسليم ما لديه، وتأكيده أنّه سيتوقف عن احتجاز الجثامين، وسيعيدها بعد التعرف عليها، بواسطة فحوصات الحمض النووي. وفي الإطار، طالب المركز بِإطلاق سراح جثامين الشهداء المحتجزة لدى سلطات الاحتلال، الذين قتلتهم القوات منذ بدء انتفاضة القدس من بداية أكتوبر الجاري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد