شعرت بغصة وأنا أكتب هذا المقال، خاصة وأنا أرغب من خلاله في تحريك مشاعر لم تكن لتستقر أبدًا في وجدان أي عربي، فالقضية ليست قضية شعب بعينه أو فترة زمنية بعينها، بل هي قضية أمة وزمان كامل، سنين من التيه والقتل والاضطهاد وتشويه الماضي والحاضر والتاريخ، سنين من الاعتقادات الفاسدة وانهيار الإنسان العربي في مقابل أن تقام هذه الدولة التي نتحدث عنها.

فكيف أقوم الآن ممسكًا قلمي لكي أُقنع أمة العرب بما هو مغروس في جدار عروبتها ووجودها إن كان لا يزال لها وجود.

ولكني مضطر على كل حال أن أبدأ ألف باء حق وأبتث جحون انتماء وقضية:

أ ر ض:

هل تتذكر تلك الكلمة الغامضة؟ هذه الكلمة التي ضاعت من أجلها أعمار وانحدر الدم من على تلال الرمال الصفراء في صحراء جرداء في وهج الشمس، ولُفت جثامين آلاف الشهداء بأعلام بلادهم حفاظًا على تلك الحروف الثلاثة من الدنس، وما زالت هناك في تلك البقعة المعروفة للقاصي والداني أرض ملكناها عبر تاريخنا لآلاف السنوات وهي في قبضة هؤلاء إلى الآن.

أتمنى أن أكون قد ذكرتك بمعنى تلك الكلمة باقتضاب، لعلك تتذكر تباعًا باقي الكلمات التي نسيتها أو تناسيتها، كالدم، والشرف والثأر والحرية والحياة وغيرها.

لا تصالح على الدم، حتى بدم

لا تصالح، ولو قيل رأس برأس

أكل الرؤوس سواء؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟

أعيناه عينا أخيك؟

وهل تتساوى يدٌ، سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

ح ر ب:

في عام 1948 استشهد أكثر من 3000 فلسطيني وما يقرب من 2000 مقاتل مصري و1000 أردني و1000 من سوريا وأعداد أخرى من العراق، قتل في أثناء هذه الحرب 13000 فلسطيني لم يستدل على أسماء 4000 منهم حتى الآن أكوام من الجثث والضحايا، والباقون يُعرف فقط أماكن وفاتهم، وعلى الأرجح لم يكن هؤلاء بمقاتلين من الأصل فهم ضحايا التطهير العرقي للفلسطينيين في تلك المنطقة.

أثناء الحرب في فلسطين 1947-1948 وحرب 1948 التالية لها، فر ما يقارب 750.000 فلسطيني أو تم ترحيلهم قسريًا من منازلهم، من إجمالي 1.200.000 عربي كانوا يعيشون في فلسطين تحت الانتداب.

عام 1951، قدرت لجنة التسوية الأممية الخاصة بفلسطين أن عدد اللاجئين الفلسطينيين النازحين من إسرائيل كان 711.000 شخص.

أكثر من 400 قرية يقطنها العرب تم تهجيرهم قسريًا من تلك المناطق من قِبل اليهود والجماعات الصهيونية المتطرفة.

وفي حرب 1967 استشهد وضاع ومفقود ما يقرب من 25000 ألف جندي عربي بين مصر والأردن وسوريا وفي حرب 1973 وعلى عكس المتوقع ورغم الانتصار إلا أن الخسائر البشرية في مصر كانت 3 أضعاف الخسائر في إسرائيل، كل هذا الدم كان من نتائج حروب بين جيوش نظامية، من المنطقي أن تكون هناك خسائر أثناء الصراع المحتدم بين طرفين، ولكن الذي يشكل الجرائم الكبرى في التاريخ الإنساني الحديث كان القصف المتنوع للطيران الإسرائيلي لأهداف مدنية داخل البلدان العربية من بعد1967 وإلى الآن ومن قبلها للعصابات الصهيونية منذ ثلاثينات القرن المنصرم وحتى إعلان الدولة المزعومة.

سيقولون:

جئناك كي تحقن الدم

جئناك. كن يا أمير الحكم

سيقولون:

ها نحن أبناء عم

قل لهم إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

واغرس السيف في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

إنني كنت لك فارسًا وأخًا، وأبا وملك

أ ش ل ا ء:

مجزرة حيفا: وقعت هذه المجزرة في تاريخ 6 مارس 1937 في سوق حيفا، حيث ألقى إرهابيين من عصابتي «الإتسل» و»ليحي» في السادس من آذار1937 قنبلة على سوق حيفا، مما أدى إلى استشهاد 18 مواطناً فلسطينيا.

مذبحة بلدة الشيخ: اقتحمت عصابات الهاجاناه، في 31 ديسمبر 1947، قرية بلدة الشيخ «يطلق عليها اليوم اسم تل جنان» ولاحقت المواطنين العزل، وقد أدت المذبحة إلى مصرع العديد من النساء والأطفال حيث بلغت حصيلة المذبحة نحو 600 شهيد وجدت جثث غالبيتهم داخل منازل القرية.

مايو 1948، هاجم مجموعة من قوات «الهاجاناه» الصهيونية قرية الطنطورة، وبعد معركة قصيرة سقطت القرية في أيديهم، وقد هجّروا 1200 من سكانها إلى قرية الفرديس المجاورة، وقتلوا حوالي 200 فلسطينيًا.

مجزرة قطار القاهرة ـ حيفا: وقعت هذه المجزرة بتاريخ 31 مارس 1948، حيث لغمت عصابة «شتيرن» الإرهابية الصهيونية قطار القاهرة ـ حيفا السريع، فاستشهد عند الانفجار 40 شخصًا.

مجزرة دير ياسين: وقد وقعت هذه المجزرة في تاريخ 9 أبريل 1948، في دير ياسين، وهي قرية فلسطينية تبعد حوالي 6 كم للغرب من مدينة القدس المحتلة، حيث باغت الصهاينة من عصابتي «الأرغون» و«شتيرن» الإرهابيتين الصهيونيتين، سكان دير ياسين، وفتكوا بهم دون تمييز بين الأطفال والشيوخ والنساء، ومثلوا بجثث الضحايا وألقوا بها في بئر القرية، وكان أغلب الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ، وقد وصل عدد الشهداء من جراء هذه المجزرة (254) شهيدًا.

في الثالث من نوفمبر 1956، اجتاحت القوات الإسرائيلية محافظة خان يونس بقطاع غزة، وقتلت ما يقرب من 500 فلسطيني.

أمطرت قوات العدو الصهيوني، في يونيو 1967، مدينة القدس وسكانها، بوابل من القصف المتواصل بالقنابل المحرقة، جوًّا وأرضًا، وبموجات من رصاص الرشاشات؛ مما أدى إلى استشهاد حوالي (300) من المدنيين.

قصفت طائرات من طراز فانتوم مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر، أدى الهجوم إلى مقتل 30 طفلاً وإصابة 50 آخرين وتدمير مبنى المدرسة تمامًا.

لا تصالح ولو حرمك الرقاد صرخاتُ الندامة

وتذكَّر

إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد

ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة

أن بنتَ أخيك «اليمامة»

زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا- بثياب الحداد

ت ط ب ي ع:

في أواخر السبعينات كان الدم لا يزال ساخنًا يتساقط على كثبان الرمال وذلك حين شرع الرئيس السادات في ابرام اتفاقية منتجع كامب ديفيد، وكان لهذا الأمر عظيم الأثر فقد انقلب الواقع الثقافي المصري آنذاك على الرجل الذي كان ما زال يحمل شعلة الانتصار، وأول نصر في معركة حقيقية للعرب ضد الكيان الصهيوني، ومع ذلك لم يشفع له ذلك أبدًا فانطلقت الأبواق نثرًا وشعرًا وكتبًا وآراءً وسخرية وكل أشكال الفن ترثوا السادات كأنه قضى نحبه فها هو يضع يده في يد قتلة أبناءه على مدى سنين، بل لا زال الدم يجرى مجرى النهر العظيم ولا زالت الأرض التي تجلى بها الله مدنسة بدنس من يضع يده في أيديهم الآن، عشرات الكتاب والمثقفون في السجون استقالة وزراء وتخبط عام أدى إلى مقتل السادات نفسه في أقل من ثلاث سنوات من إعلان الاتفاقية.

ولم يقتصر الأمر على الواقع المصري لينتقل إلى الشارع العربي وكان أشد ضراوة حيث ما سلكته الشعوب سلكه الحكام، 10 سنوات من القطيعة المستمرة لقلب الوطن العربي، 10 سنوات من التخوين والاستغراب والقطيعة المرة، يا لهذا الجرم الذي ارتكبته القاهرة أيستحق كل هذا العقاب؟ نُقل مقر الجامعة العربية من القاهرة وعلقت عضوية مصر في الجامعة العربية وهي الدولة المؤسس، تعليق الرحلات الجوية ومقاطعة المنتجات المصرية حتى أنه وصل الأمر في ذلك الوقت لمقاطعة الأفراد بعضهم بعضًا، كارثة حقيقة يبدو أن السادات فعل جرمًا عظيمًا لا يغتفر.

ولكن ما فعله السادات من ابرام معاهدة سلام، يفعله الأن بعض القادة العرب بأريحية كاملة على هيئة «تطبيع كامل»، دون الدخول في خصومة مع جيرانه العرب، دون مقاطعة ولو لـ 10 ساعات لا سنوات، دون تعليق، صمت كامل لا يُغتفر إلا إذا اعتبرنا التعليقات المؤيدة للقرار  كانت بناءً  على أن القرار سيُخرج دولًا لم ترفع قشة يومًا على إسرائيل في تاريخها القصير من مستنقع الحروب وأشلاء الضحايا.

لا تصالح ولو توَّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ؟

وكيف تصير المليكَ

على أوجهِ البهجة المستعارة؟

كيف تنظر في يد من صافحوك

فلا تبصر الدم

في كل كف؟

إن سهمًا أتاني من الخلف

سوف يجيئك من ألف خلف

فالدم الآن صار وسامًا وشارة

ملحوظة: الأبيات الموجودة في المقال هي من شعر الشاعر المصري أمل دنقل، وقد قالها أثناء التفاوض على اتفاقية السلام بين مصر والكيان الصهيوني في آواخر سبعينات القرن المنصرم، ليته كان لا زال هنا ربما نظم شعرًا آخر، فالحمقى الآن أكثر بكثير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد