سب عباس للسفير الأمريكي

تصريح أي مسؤول يحسب إما له أو عليه، واللغة الدبلوماسية أحيانًا تكون غير مباشرة، خصوصًا فيما يتعلق بالمشاورات بشأن قضية ما، حيث إن الأمر يحتاج إلى نفس طويل، وصبر أطول للوصول إلى الأهداف المرجوة.

وليست في كل الحالات تكون الدبلوماسية الكلامية مناسبة، فبعض الحالات تحتاج عبارات وألفاظ جريئة تخرج عن المألوف للتعبير عن مستوى الغضب والحدث، بيد أن الأمر لا يعني الخروج عن الإطار المألوف واللياقة بشكل صارخ، خصوصًا إذا كان مسؤولًا كبيرًا.

قول الرئيس الفلسطيني محمود عباس إن السفير الأمريكي في إسرائيل المحتلة ديفيد فريدمان (ابن كلب) لا يجوز، فمثل تلك الألفاظ ممكن أن يطلقها مواطن عادي مثلي، أو حتى مسؤول، لكن ليس على الملأ؛ بالطبع موقف الرئيس عباس والشعب الفلسطيني والعرب والمسلمين الشرفاء من الإدارة الأمريكية يجب أن يقدر.

في الحقيقة، رغم أني أرفض كلمة (ابن الكلب) من الرئيس عباس للسفير الأمريكي، لكن جموعًا غفيرة في الشارع العربي والإسلامي، منهم أنا، تردد هذه الكلمة يوميًا، وعلى الملأ، وتوجهها للمستوطنين الإسرائيليين والجنود الذين يقتلون الأطفال والشيوخ ويدمرون ويحرقون المنازل والمزارع، وكذا لكل الدول التي تدعم إسرائيل على حساب الفلسطينيين.

لكن عباس لم يكن موفقًا في سبه للسفير باستخدام هذه الكلمة، فالتراشق بالكلمات يعتبر سلاح العوام والبسطاء، وليس الرؤساء والسياسيين؛ لأن لديهم أدوات ووسائل ضغط أخرى كثيرة يمكن استخدامها لتحقيق الأهداف.

ينتفض الشارع ويغلي، سواء في فلسطين، أو العالم العربي، أو الإسلامي، منذ إعلان ترامب قراره المستفز والعدواني، ومستعد للتحرك واتخاذ خطوات تصعيدية ضد العدو الإسرائيلي، لكن ليس لديه إرادة في ذلك، فقط يعبر عن غضبه من خلال المظاهرات أو المسيرات المناهضة أو حتى عبر منصات إعلامية لم تعد مؤثرة بالقدر الكافي، بسبب وجود لوبي إعلامي صهيوني يجمل صورة الكيان ويصوره بأنه الضحية، بينما هو المجرم والقاتل والسفاح والمغتصب والمحتل والجاني وغيره من الصفات الأخرى المشينة.

لماذا لم يعلن عباس انسحاب فلسطين من الاتفاقيات الدولية التي وقعتها مع إسرائيل؟

لماذا عباس مثلًا لم يعلن عن انسحاب فلسطين من كل الاتفاقيات الدولية الموقعة بسبب الانتهاكات اليومية التي ترتكبها القوات المحتلة ضد الشعب الأعزل وعدم تنفيذ القرارات الأممية المتعلقة بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين من الشتات، وغيرها من الحقوق المشروعة والمتفق عليها.

يقل الدعم الدولي والإقليمي، سواء على المستوي المادي أو المعنوي أو الإنساني تجاه القضية الفلسطينية بسبب الصراعات التي اندلعت في المنطقة، والتي كلها تصب في صالح إسرائيل، وبعض الأنظمة العربية والإسلامية، التي لم تظهر العداء ولو من خلال تصريحات لهذا الكيان الصهيوني المغتصب.

كان من الأولى أن يعي القادة الفلسطينيون والعرب أن الأمريكان لم – ولن – ينحازوا للقضية الفلسطينية، ويولوا ظهورهم لإسرائيل، وهذا مبدأ يعرفه الأمي قبل المتعلم، والبسيط قبل السياسي، بل الطفل قبل الرجل الأشيب.

عاصمة بديلة للقدس مرفوض

تصريح عباس بشأن السفير أغضب الإسرائيليين والأمريكيين وربما بعض حلفائهم، لكن الأمر لم ينته بعد؛ فبعدما أحدث عباس هذه الضجة، لم يجن أي مكاسب بل، ربما بعلى لعكس، سوف يخسر من جراء هذا التصريح، خصوصًا أنه لم يعد مرغوبًا فيه بالنسبة للأمريكان في خضم رفضه لمقترح التخلي عن القدس، وبناء دولة في ضاحية أبوديس قرب القدس.

كان لابد للفلسطينيين وكل الشرفاء في العالمين العربي والإسلامي رفض هذا المقترح الدنيء والخسيس؛ لأنه بصراحة يضيع كل حقوق الفلسطينيين والمسلمين بالتخلي عن مدينة القدس التي تحتوي كل المقدسات الإسلامية، فلا يملك أي رئيس أو مسؤول مهما كانت سلطاته أن يفرط في القدس.

ليس من الحصافة اتهام حماس

في ظل هذه التطورات الدولية والإقليمية التي تسعي لوأد القضية الفلسطينية وطمس معالهما، لم يكن عباس حصيفًا بالقدر الكافي بإصداره تصريحه الناري الذي أثار ضجة كبيرة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي واتهامه لحركة حماس بأنها وراء محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت موكب رئيس الوزراء رامي حمد الله أثناء زيارته لقطاع عزة.

فمثل هذه التصريحات لا تخدم المصالحة الوطنية، ولا القضية الفلسطينية، بل تمزقها إربًا إربًا، وتبعث على القلق فيما يتعلق بملف المصالحة، خصوصًا أنه لم يقدم أي دليل على ما قاله وهو رأس السلطة.

ثم ما مصلحة حماس في القيام بمثل هذا العمل؟ ولماذا لم تقم به في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حينما اجتمعت السلطة لأول مرة في قطاع غزة بعد التوصل إلى اتفاقية المصالحة بوساطة مصرية، تنص على تسليم حماس السلطة بشكل فعلي للسلطة الفلسطينية؟

من مصلحة حماس تطبيق بنود المصالحة بشكل فعلي على أرض الواقع؛ حتى ترتاح من الحمل الثقيل الذي تحملته على مدى 10 سنوات منذ حصار القطاع، وعايشت معاناة الشعب الفلسطيني داخل غزة التي يعيش فيها حوالي 2 مليون شخص، معظمهم لاجئين.

لكن البديهي لعباس ولغيره أن حماس لن تتخلي عن سلاح المقاومة، وهذه المسألة قد تم تأجيل مناقشتها فيما طبقًا لتصريحات صدرت من قبل الطرفين في الفترة التي أعقبت التوقيع على الاتفاقية.

سلاح المقاومة ضرورة حتمية

مسلمات حركة حماس وغيرها من الحركات الإسلامية وحركات المقاومة الأخرى تحتوي في أبجدياتها على عدم تسليم سلاح المقاومة والتخلي عنه، بل رفعه وإشهاره دوما في وجه العدو المحتل، وهذا مسألة حياة أو موت بالنسبة لها وبالنسبة لكثير من الناس الذين يؤمنون بهذا المبدأ.

تصريحات عباس ضد حماس أوغرت في الصدر، ربما الأمر يحتاج فترة حتى يندمل الجرح؛ لكن المصلحة الوطنية تقضي بالقفز على كل الخلافات في تلك الآونة، والبدء بشكل حقيقي في تنفيذ بنود المصالحة، والعمل على التصدي لكل معوقات في طريق ملف القضية الفلسطينية والدفاع عنها.

غياب الوحدة الفلسطينية والتنسيق على مدى الفترة السابقة أدى إلى فقدان الأراضي الفلسطينية واغتصاب المزيد منها من قبل الكيان الذي عمل على بناء مزيد من المستوطنات في مدن عدة في كل أنحاء فلسطين، وهذا الذي دفع عباس لسب السفير عندما قال: إن بناء المستوطنات من حق إسرائيل، ومن ثم غلى الدم في عروق عباس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد