ما إن انقضت السويعات الأولى من جولة التصعيد الأخيرة بين المقاومة الفلسطينية، والعدو الصهيوني، والتي تكبد خلالها الصهاينة ضربة مؤلمة حتى بدأت الأوساط السياسية والعسكرية الصهيونية على السواء تبكي على أطلال قوة الردع المفقودة للجيش الذي «لا يقهر»، حسب الدعاية الصهيونية التي أقيم على أساسها المشروع الصهيوني، وترغب بتجذيرها بوصفها قناعات ومعتقدات لدى الداخل والإقليم بتفوق الجندي الإسرائيلي، ورصانة منظومته الأمنية والاستخباراتية، وتطور قدرات بلاده التكنولوجية التي تضمن له الأمن ومواجهة حركات المقاومة الفلسطينية، والدول المناوئة للهيمنة والاستعمار الصهيوني في المنطقة العربية.

كانت 48 ساعة أو دون ذلك بقليل كفيلة بنزع فتيل المواجهة، وإعادة تثبيت التهدئة التي أثبتت الجولات السابقة هشاشتها وسقوطها عند أي محك، في ظل استمرار الاحتجاجات السلمية المطالبة بإنهاء الحصار، والتي دخلت أسبوعها الرابع والثلاثين، رغم استشراء آلة البطش الصهيونية وارتقاء الشهداء، وتعرض الكثير من المشاركين لإعاقات كافة، ناهيك عن شح الأدوية الأساسية ووصول رصيدها إلى الصفر.

وضعت المواجهة الملتهبة أوزارها بسرعة تفوق تكهنات جميع المحللين السياسيين والعسكريين للشأن الصهيوني، إلا أن الآثار والنتائج العميقة لهذه المواجهة بدأت تلوح علامات فشلها فوق رؤوس قادة المنظومة الأمنية والعسكرية، وأظهرت مدى الهشاشة التركيبية للكابينت الصهيوني، وبحث معظمهم عن المناصب السياسية أكثر من بحثهم عن قارب نجاة يخرجهم من ورطاتهم المتلاحقة وهزائمهم المتتالية، وتهشم منظومة الردع التي هي الضمان المبدئي لبقاء المشروع الصهيوني على قيد الحياة.

باتت القيادة العسكرية والأمنية مقتنعة أن الجيش قد مُرِّغَ أنفه في تراب غزة، وجرى سحل كرامته في أزقتها ومخيماتها السامقة؛ فـأعلن الأنوك «ليبرمان» استقالته من منصبه في اليوم التالي للمعركة؛ حفظًا لماء الوجه، ذاك الدب الروسي المنفلت العقال، الفاشل في جميع مواجهاته العسكرية، المجيد للصراخ والجعجعات الجوفاء لتسويق نفسه لليمين المتطرف في الكيان. ومن ثَمّة ألقى رئيس الوزراء الصهيوني «بنيامين نتنياهو» خطابَ ترهيب وتهويل للعب على حبل أمن إسرائيل، وإحراج أعضاء الائتلاف الحكومي بعدم مغادرة الكابينت واللحاق بوزير الحرب «ليبرمان» الذي يتطلع للعودة إلى الحكومة من بوابة رئاسة الوزراء؛ لا سيما بعد تهاوي شعبية «نتنياهو»، ومطالبة الكثير من الأوساط الشعبية باستقالته؛ بسبب فشله في معالجة معضلة غزة، وتوفير الأمن لمغتصبات الغلاف التي يبيت معظم ساكنيها في الملاجئ أكثر من مبيتهم فوق الأرض.

تستشعر دولة الكيان أنها تلقت إهانة كبيرة وجرحًا غائرًا من جراء الفشل والإخفاق في المواجهة الأخيرة مع حركات المقاومة في غزة، وتعرض سمعة الترسانة العسكرية الصهيونية لصدمة ميدانية قبل أن تنتقل مشاعر اليأس والإحباط إلى القيادة السياسية في تل أبيب، وهذا يستدعي بالضرورة التفكير السريع بعمل عسكري، أو فتح جبهة جديدة يمكن من خلالها إعادة الثقة والدفء لقوة الردع الصهيونية التي تآكلت تآكلًا كبيرًا في حروب إسرائيل الأخيرة مع المقاومة الفلسطينية وحزب الله، وبالتالي تحسين شعبية نتنياهو المتمسك بمنصب رئاسة الوزراء.

ثَمّة تكهنات كثيرة عن وجهة إسرائيل التالية وحربها القادمة التي أصبحت تلوح في الأفق، في الوقت الذي يتعرض فيه «نتنياهو» لانتقادات شعبية واسعة ومظاهرات عارمة غصت شوارع تل أبيب. لكن يبدو من المستبعد أن يفكر صانع القرار الصهيوني في هذه المرة بتوجيه ضربة انتقامية لغزة، لا لأن إسرائيل لا تستطيع ضربها بقوة نارية فتاكة يمكن أن تحدث ضغطًا على المقاومة، وإنما لقناعة الكثير من القادة الأمنيين والسياسيين أن أداء الجيش الإسرائيلي ضعيفٌ جدًا في الحروب غير النظامية التي تشبه إلى حد كبير حرب العصابات، وعدم قدرة المنظومة الاستخبارية الصهيونية على تكوين بنك أهداف جدير باشتعال حرب رابعة يمكن أن تقوض القدرات العسكرية لحركات المقاومة. كذلك وأن التجارب السابقة أثبتت أن إسرائيل لا تحتمل الحروب طويلة الأمد؛ بسبب هشاشة العمق الجغرافي والديموغرافي للكيان، ووقوع جميع البلدات الصهيونية تحت مرمى صواريخ المقاومة.

إزاء التطورات والمعطيات هذه، أعتقد أن إسرائيل تفكر هذه المرة بشن حرب خاطفة على إيران، أو استهداف بعض المواقع المحددة لحزب الله في لبنان وسوريا، وقد بدأت أمائر هذه النوايا تتضح في الأيام القليلة الماضية بعودة استهداف الطيران الحربي الصهيوني لمواقع الحرس الثوري الإيراني ومعسكراته في سوريا، بعد توقف دام زهاء شهرين ودخول موسكو على خط المواجهة.

من المرجح أن صانع القرار الصهيوني يفكر في هذه المرحلة الصعبة بتوجيه ضربة عسكرية لمنشآت عسكرية ودفاعية واستراتيجية في إيران على غرار عملية «أوبرا» التي استهدفت مفاعل تموز النووي في العراق عام 1981، وأدت إلى تدميره بالكامل، وقد بررت إسرائيل هجومها آنذاك برغبة نظام صدام حسين إنتاج أسلحة نووية لأغراض عسكرية. فمن المعقول أن تستثمر إسرائيل حالة التقارب الكبير بينها وبين الكثير من الدول العربية لتحقيق هذا الهدف، وتباشر بتوجيه ضربة جوية خاطفة لإيران لا تزيد على بضعة أيام، وتضرب الأفعى في عقر دارها بعد أن بدا واضحًا لدى الأوساط الأمنية والسياسية في إسرائيل وصول أسلحة وصواريخ نوعية للمقاومة الفلسطينية، والتي أفصحت عن بعضها في المواجهة الأخيرة؛ لا سيما الصواريخ التي أعلن الجهاد الإسلام دخولها في المعركة الأخيرة، وأظهرت قدرة تدميرية كبيرة دفعت القيادة السياسية في إسرائيل إلى الموافقة على تثبيت الهدنة منذ السويعات الأولى.

لربما تكون الجبهة الشمالية في دائرة الاستهداف الصهيوني المحتمل، وإن كان الهجوم الجوي المباشر على إيران أكثر ترجيحًا في هذه الظروف التي تشهد فيها إسرائيل الكثير من الإرباك السياسي والتخبط الأمني، وبحث حكومة الاحتلال عن مخرج لاستيعاب نزيف الصدمة الأخيرة. ومع أن «نتنياهو» أكد في خطابه التهويلي أن إسرائيل في أوج معركة معقدة لم تنتهِ في الجبهة الجنوبية، إلا أنه أظهر الكثير من الحذر في المواجهة الأخيرة، وعدم الرغبة في إطلاق العنان للجيش بتنفيذ اجتياح واسع لقطاع غزة، وإن كانت فرضية قيام إسرائيل باغتيال شخصية سياسية بارزة في المقاومة الفلسطينية ما زالت قائمة؛ الأمر الذي سيقود إلى تفجير الأوضاع من جديد، واشتعال جولة محدودة من المواجهة قصيرة الأجل تنتهي بدخول الوسيط المصري على خط الأزمة.

أيًّا كانت التكهنات، فلا بد أن تكون المقاومة الفلسطينية حاضرة في الميدان، وجاهزة لأسوأ الاحتمالات، ومستعدة لأي غدر محتمل يمكن أن يقدم عليه «نتنياهو» لترجيح حظوظه في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. لا نبغي من وراء ذلك الترويع والتهويل، وإنما ضرورة الاستعداد لأكثر السيناريوهات قسوة، فلربما كان الهدف من المناورات الإعلامية والسياسية التي يطلقها قادة الكيان هو التمويه على النوايا الانتقامية للعدو من غزة، ودفع المقاومة إلى الاسترخاء والركون، وبالتالي نجاحه لا قدر الله في اقتناص فريسته التي يرغب أن يبدأ بها حربه المقبلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد