ينقل لنا الكاتب فوزي سعد الله في مقاله الصادر في صحيفة الوطن الجزائرية، دور إسرائيل في معارضة الثورة الجزائرية، ومحاولة تعاونها مع الاستعمار الفرنسي بكل أطيافه اليسارية واليمينية من أجل عرقلة حركة استقلال الجزائر، التي أضحت وشيكة الحدوث أواخر خمسينيات القرن الماضي، بعد مفاوضات لوغران، مما جعل الجالية اليهودية على موعد مع الرحيل نحو إسرائيل، خاصة في ظل النجاح الباهر لحركة التحرير الجزائرية في جعل الحكومة الفرنسية تلجأ إلى الورقة الدبلوماسية من خلال فتح أول جولة من المفاوضات السياسية لجس نبض المطالب الجزائرية، ودرجة النضج التي تتمتع بها جبهة التحرير الجزائرية، ينقلنا الكاتب فوزي سعد الله من خلال سرد وقائع يجهلها الكثيرون بخصوص دور إسرائيل في محاولة تعطيل مشروع الاستقلال، من خلال التعاون مع حركة لوس السرية المعادية للجزائريين، وإغراء ديغول بفكرة إسرائيل الجديدة على أرض الجزائر؛ لضمان بقاء فرنسا، لكن القدر كان يخبئ موعدًا مع الرحيل إلى إسرائيل نهائيًّا من الجزائر.

على إثر فشل المفاوضات في «لوغران» بين ديغول وجبهة التحرير الوطني، بدأ الجنرال يفكر في تقسيم الجزائر، أو على الأقل يهدّد الثوّار به؛ ليفرض عليهم رؤيته للحلّ الذي كانوا يتفاوضون بشأنه. هنا بالذات يطرأ العنصر الإسرائيلي مشوّشًا على الثورة ومناهضًا لاستقلال الجزائر، وذلك من خلال زيارة خاطفة للزعيم الصهيوني الإسرائيلي بن غوريون للجنرال ديغول.

كتب ميشال بار زوهار (Michel Bar-Zohar) في Ben Gourion (بن غوريون) الصادر عن دار فايارد (Fayard) في باريس عام 1978 عن هذا اللقاء: «بعد الغذاء، اختفى الاثنان -ديغول وبن غوريون- في قاعة العمل التابعة للجنرال (…) كان بن غوريون متخوّفًا من الصعوبات التي سوف تواجهها إسرائيل لو غادرت فرنسا الجزائر. فلم يدّخر جهدًا لردع ديغول عن اتخاذ قرارٍ كهذا، لكنّه لم ينجح في إقناعه. وبعد أن استمع إلى الخطّة التي تصوّرها محدّثُه (الإسرائيلي) للإبقاء على الوجود الفرنسي في الجزائر، علا صوت الجنرال: (سبحان الله! أنتم تحاولون إنشاء إسرائيل جديدة في الجزائر! – نعم، ردّ عليه بن غوريون، لكن بفارق واحد: إسرائيل الجديدة سوف تكون مؤَيّدة من طرف فرنسا، بالملايين الـ: 45 من سكّانها وتحالفاتها مع البلدان الغربية)…».

جرى هذا اللقاء الذي لم يتمكن بن غوريون خلاله من إقناع الجنرال ديغول في يوم 17 يونيو (جوان) 1960، أي، كما يقول رضا مالك، «أسبوع قبل ندوة مولان (conférence Melun) في 25 إلى 29 يونيو (جوان) 1960».

لكن الإصرار الإسرائيلي على الوقوف في وجه استقلال الجزائر لن يتوقف عند هذا اللقاء، وبدون أيّ تحفّظ أو خوف على مستقبل الطائفة اليهودية بالجزائر، التي تطالب الدّولة العبرية منذ سنوات بتعويضها عن خسائرها وأملاكها (أي الطائفة اليهودية) في الجزائر بعد رحيلها في 1962. كتب رضا مالك في «الجزائر في إيفيان»: «في شهر مايو (ماي) 1962، يتذكرّ ألبير بول لانتان (Albert Paul Lentin) –في حديث مع رضا مالك في 1989- دخل 200 مواطن إسرائيلي من اليمينيين إلى الجزائر؛ ذهب 50 منهم إلى قسنطينة و60 إلى وهران. «كانوا يتفاخرون» بوجودهم في الجزائر، يضيف لانتان، الذي كان قد التقى بعضهم. كانت لديهم قوائم من الأسماء اليهودية بغرض الإقامة عندهم. بالتأكيد، بلغت إلى آذان الأمن الديغولي أصداء التدخّلات الإسرائيلية مع منظمة الـ OAS. هذا الجانب، الذي يشكل أحد الجوانب المجهولة أكثر من غيرها من حرب الجزائر، من المفيد أن يلقي عليه الضوء لتوضيحه في يوم من الأيام. في يوليو (جويلية) 1962، لانتان، المعروف بقربه من المسؤولين الجزائريين، يتلقى اتصالًا من طرف سفارة إسرائيل في باريس، إذ قيل له بالعبارات التالية: «سوف تصبح الجزائر أحد البلدان العربية الأكثر أهمّية. لقد ذهبت بعض عناصر اليمين الإسرائيلية إلى الجزائر، للأسف، ديغول غير سعيد بذلك».

أما عن عدم رضا ديغول عن هذا الأمر، فإن هذا ما تؤكدّه المهمة السّريّة التي كلّف بها جان لُوي فيجييه (Jeau-Louis Vigier) السيناتور المستقل والرئيس السابق لـ: «مجلس باريس». حسب السيناتور «لقد صُدِم ديغول بتسلّل عناصر إسرائيلية إلى الجزائر جاءت لتدريب الـ OAS، فكلفه إذن بأن يطلب بشدة من الحكومة الإسرائيلية أن تسحب فورًا رعاياها من التراب الجزائري، وإلاّ سوف تسوء العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية. التقى سيناتور باريس في تل أبيب وزير الشؤون الخارجية أبا إيبان (Aba Ebban) الذي اعترف له بأنّ هذه العملية ليست من صلاحياته، وأن المبادرة فيها تعود إلى زعيم الإرغون مناحيم بيغن. بعد الاتصال بهذا الأخير من طرف مبعوث الجنرال ديغول، انحنى أمام هذه الرسالة الصارمة التي وجّهت له».

ورغم كل هذه الدسائس والمؤامرات، لم يجد الوزير الأول الإسرائيلي ليفي آشكول (Lévy Aschkol)، عند إعلان استقلال الجزائر، أيّ حرج أو حياء من إرسال برقية تهنئة إلى الدولة الجزائرية على انتزاعها حرّيتها، برقية أهملها الثوار الجزائريون ولم يعيروها أيّ اهتمام، بل أثارت استغرابهم واستهجانهم.

يظهر إذن واضحًا كل الوضوح من خلال شهادة رضا مالك، وكذلك ميشال بار زوهار، وألبير بول لانتان، وجان لويس فيجيي تورّط شريحة من يهود الجزائر مع إسرائيل والـ: OAS لضرب الثورة الجزائرية واستقلال الجزائر. يمكن أن نضيف لها جميعًا شهادة الجنرال الفرنسي إيدمون جوهو، الرجل الثاني في منظمة الـ: OAS في كتابه Ce que je n’ai pas dit (ما لَمْ أَقُلْهُ)، الصادر عن دار فايارد ببارس عام 1977، الذي أكّد أنه استُقبِل استقبالًا رسميًّا كمسؤول في منظمته الإرهابية بالمعبد اليهودي لمدينة وهران، مؤكّدًا في السياق نفسه أن المجلس الملّي لهذه المدينة كان يطالب يهودها ويضغط عليهم بأن يستعجلوا الانضمام جماهيريًّا إلى هذه المنظمة الإجرامية صاحبة إرث «الأرض المحروقة».

قام جهاز الموساد الإسرائيلي وراء هذه العملية، بالتمهيد لمباشرة تهجير اليهود الجزائريين إلى إسرائيل.

يعد ضابط جهاز المخابرات الإسرائيلي الذي تولّى ترتيب عملية تهجير اليهود من شمال إفريقيا إلى إسرائيل، ويُدعى «شلومو حفيلو»، وكان مبعوثًا لـ«إيسر هرئيل»، رئيس «الموساد» آنذاك، ودامت الجولة التي قام بها، بناء على تصريحه للقناة الثانية الإسرائيلية، حوالي ثلاثة أشهر، امتدت من تونس إلى الشواطئ المغربية مرورًا بالجزائر.

تورد المصادر التاريخية أنَّ أفراد الخلية الاستخباراتية التابعة للموساد في الجزائر فتشت عن اليهود الجزائريين الراغبين في الهجرة إلى إسرائيل في كل أرجاء المغرب، ووفّروا لهم جوازات سفر مزوّرة، وجرى تهريبهم إلى إسرائيل عبر السفن، مشيرًا إلى أنّ جزءًا من هذه العملية تمّ بتعاون مع السلطات الفرنسية، التي وافقت على عبور المهاجرين اليهود إلى إسرائيل عبر أراضيها. توفي «شلومو حفيليو» في شهر مايو (ماي) 2017، عن عمر يناهز 96 عامًا بعد أن كان مسؤولًا عن نقل عشرات آلاف اليهود إلى إسرائيل من الدول العربيّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد