نشهد الكثير من التغيرات في الوضع الإقليمي مؤخرًا، وآخرها صفقة القرن التي تشمل التفريط الشامل في الأراضي الفلسطينية، وربما أراض عربية أخرى لإسرائيل، وتصفية القضية الفلسطينية. وسبقها التنازل عن تيران وصنافير لتدويل مضيق تيران وضم السعودية لاتفاقية كامب ديفيد، بالتزامن مع تصريحات السيسي عن ضرورة توسيع الاتفاقية لتضم أطرافًا عربية جديدة، والتطبيع السريع والعلني مع إسرائيل، والتنسيق الأمني المصري الإسرائيلي في سيناء، وما يثار عن تنازل مصر عن بعض غاز المتوسط لها، ليس هذا فقط بل الدخول في تحالف معها في نادي غاز المتوسط، وكذلك استيراد الغاز  المنهوب من الفلسطينيين منها لتسيله وتبيعه للخارج وفقًا للرواية الرسمية، أو استخدامه في الداخل وفق المصادر الإسرائيلية، في صفقة فساد كشف موقع «مدي مصر» عن تربح كبير لقيادات المخابرات العامة والجيش منها.

هذا بالتوازي مع منح الشركات الرأسمالية الكبرى العاملة بمجال الغاز ومجالات أخرى عديدة مزايا استثمارية كبرى، فمثلا 80% من أسهم شركة «إيجاس» لإسالة الغاز في دمياط تحوزها لشركة «يونيون فينوسا» الإسبانية، بينما تمتلك الهيئة المصرية العامة للبترول 10%، والمصرية القابضة للغازات الطبيعية و«إيجاس» 10%.

مما يعني أن نصيب مصر من الصفقة لن يتعدى 20%، وشركة الإسالة في إدكو يتوزع رأس مالها كالتالي: %35.5 لشركة «البريطانية للغاز»، و35.5 % لشركة «بتروناس الماليزية»، و%5 لشركة «الفرنسية للغاز».

ولا تملك مصر سوى 24% فقط من رأسمال الشركة، هذا غير حقل «ظهر» للغاز والذي تملك شركة «إيني» الإيطالية 40% منه والـ60% الباقية تمتلك «إيني» منها حصة 35%.

كذلك التفريط في أصول الدولة وضم الكثير منها للصندوق السيادي غير الخاضع لأي رقابة، والبدأ فعليًّا في بيع بعض هذه الأصول لشركات إماراتية وأخرى عربية وأجنبية، وإنفاق المليارات على العاصمة الجديدة، والإنفاق الضخم على التسليح والأمن الداخلي للنظام. وكل هذا يأتي بالتزامن مع ارتفاع مهول في حجم الدين الخارجي تتحدث عنه الحكومة دون خوف أو خجل، وانهيار شديد في مستوى معيشة المواطنين وارتفاع كبير في مستويات الفقر والبطالة.

كل هذا وغيره من المؤشرات في تقديري له تفسير أولي.

يقول ماركس أنه «في الصراعات التاريخية ينبغي التمييز بين مقولات وخيالات الأطراف المشاركة في هذه الصراعات، وبين تكوينهم الحقيقي ومصالحهم الحقيقية، بين تصورهم لأنفسهم وبين حقيقتهم»، ونحن نعيش اليوم مرحلة انسلاخ لدولة ضباط يوليو على المستوى الفكري والاقتصادي والاجتماعي عن عقائد وشعارات الطبقة الوسطى الستيناتية المعادية للكيان الصهيوني والمنحازة إلي حد ما إلى الجماهير المصرية والعربية عموما، هذه الشعارات التي تشكلت بالأساس بعد فضيحة «لافون» ثم العدوان الثلاثي في 1956، ولا عجب أن يكون السادات أحد الضباط الأحرار والقائد الاعلى للقوات المسلحة، هو نفسه عراب هذه المرحلة، فهو المطبع الأول مع إسرائيل باتفاقية «كامب ديفيد»، هو أيضًا صاحب أولى قرارات الانفتاح الاقتصادي، وهو أيضًا صاحب أول القوانين التي سمحت بمشاركة قيادات الجيش في الاقتصاد، ليستمر خلفاؤه على نفس النهج.

وبعد مرحلة طويلة من التطبيع الخفي مع خلفائه وحاشيتهم، صار حتميًا نظرًا لتضخم ثرواتهم وترابط مصالحهم مع الرأسمالية العالمية أن يكونوا أكثر اتساقًا مع تكوينهم الطبقي الجديد كرأسمالية كبيرة منبتة الصلة بعموم الشعب.

وهذا ما يعنيه السيسي بتعبير علاقات أكثر دفئًا مع إسرائيل، وهذا أيضًا ما يفسر حالة التسارع في بناء العاصمة الإدارية الجديدة والانفصال داخلها عن عموم الشعب، وهذا أيضًا السبب الأصيل للعداء لثورة يناير التي كشفت عن عدم إمكانية تعايشهم مع الوضع القديم وضرورة التسريع من خطا العزلة داخل كومباوندات جغرافية وفكرية مغلقة، فما أحدثته ثورة يناير من خلخلة هددت وضعهم الطبقي من ناحية، بالإضافة إلى الأزمة الاجتماعية المتفاقمة، جعل من هذا حتمية تاريخية لهم، إما هذا أو الفناء الكامل.

وما يحدث محليًّا أيضًا ينطبق على المحيط العربي والإقليمي كذلك، فالتغيير الذي طرأ في طبيعة العلاقات العربية والإقليمية تجاه الكيان الصهيوني، لتكون أكثر صراحةً وانكشافًا، بعد عشرات الأعوام من التطبيع السري الخجول، هو في تقديري لنفس الأسباب.

نحن نشهد هذه الأيام تعزيزًا لتحالف صريح وعلني لا مواربة ولا خجل فيه للطبقات الحاكمة في الشرق الأوسط مع الكيان النووي الوحيد بالمنطقة وكبرى الشركات الرأسمالية العالمية لحماية وتوطيد عروشهم ودعمهم في مواجهة أي هبات جماهيرية قادمة، ولن تفرق معهم الديون أو بيع الأصول أو حتي التفريط في الثروات، طالما سيكونون شركاء في الأرباح، حتى لو كان هذا على حساب الشعب المصري والشعوب العربية كافة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد