(1)

تناقلت وسائل الإعلام المختلفة بشكل واسع ما تم نقله من اجتماع رئيس وزراء الكيان نتنياهو مع نواب للجنتي الشئون الأجنبية والدفاع في الكنيست (الإسرائيلي)، فقد قال متسائلاً عما إذا كان علينا أن نعيش وبيدنا السيف إلى الأبد؟ فأجاب بقوله: سأقول نعم!

 

وأكد أن على (إسرائيل) الاحتفاظ بسيطرتها على كامل الأراضي الفلسطينية في المستقبل المنظور، وختم حديثه بالقول: “كلنا نعرف حقيقة واحدة مفادها: أن السلام مرتبط بالأمن، ويجب علينا أن نبدد آمال الفلسطينيين بإمكانية هزيمتنا بحد السيف، فحين يدركون بأن هذا أمرا لن يكون بمقدورهم سنعيد السيف إلى غمده”.

 

نعم، هذا ما رسخته الحركة الصهيونية في ذهنية قادتها العسكريين، بأن السيف لن يكون في غمده حتى يستسلم العرب للقوة، عندها سيزعنون لمتطلبات السلام، فإن حقيقة هذا المفهوم هو تعريف إجرائي عملي للاستسلام في أخزى صوره.

 

ولعل هذا المفهوم للسلام من وجهة النظر الصهيونية هي جوهر النظرية الأمنية التي دشنت بها عصابات الإجرام الصهيونية الدولة العبرية قبل 67 سنة.

 

(2)

 

وعلى هذا كانت دوماً تنعقد المواجهة بين السيف الباغي عندما يستشعر بأي استعداد لمواجهته؛ ويبرهنون بالواقع السياسي الذي كان يتشكل بعد كل مواجهة ومعركة إلى ما قبل عدوان 82 وحصار بيروت، التي كانت آخر ما يمكن أن يبرهن على هذا المفهوم.

 

فلعل أول انجاز حقيقي سياسي لصالح هذا الكيان كان التدخل العربي الرسمي في مواجهة قرار التقسيم (181) عام 1947، وقد انتهى هذا التدخل باقتطاع العصابات الصهيونية (الهاجاناة، الأرجون اشتيرن، وليخي..) من الأرض العربية أكثر ما أعطاهم القرار الأممي الظالم، غير صورة النصر العسكري الذي اكتسى به الكيان الوليد في مواجهة ما سمي بـ (ستة جيوش عربية)!

 

مع أن الحقيقة التي تعكسها الأرقام تشير إلى أن التفوق العددي كان لصالح العصابات الصهيونية بما يقترب من أربعة أضعاف تعداد الجيوش العربية الست، وكذلك التفوق في التجهيز والعتاد الذي كان لصالح العصابات الصهيونية كذلك المدعومة من انجلترا العظمى وفرنسا.

 

(3)

وهكذا جاء عدوان خريف 56 لتعبر دولة الكيان عن قدرتها في الوفاء لحلفائها (بريطانيا، فرنسا) بكونها قوة فاعلة في مواجهة أية تحرشات بمصالح الكبرى (قناة السويس).

 

وأكثر ما عبر عن جدية هذه النظرية وعمق الجرح العربي كانت هزيمة صيف 67، ففي ساعات كانت قوات الجيش الصهيوني قد وسعت حدود كيانها بما يزيد عن خمسة أضعاف المساحة التي أقامت عليها الكيان العبري.

 

بالإضافة أنها أدخلت في قاموس الحل السياسي قراراً دولياً يستند في الحل إلى ما شكلته الحرب وهو قرار (242 و338) والذي يقضي بالانسحاب من أراض أو الأراضي- حسب الترجمة الفرنسية والانجليزية- التي أحتلت في عام 67 ، حدود الرابع من حزيران لهذا العام.

 

غير أن حرب العاشر من رمضان كانت ثمة في سيف البغي، ولكن- بكل أسف- لم يغير من الواقع السياسي ما يخدم الحق الفلسطيني، بل كانت النتائج السياسية كارثية يوم خرجت الدولة العربية الكبرى (مصر) من الجبهة المعادية للكيان، واتجهت نحو ما سمي صناعة السلام مع العدو الذي لازال سيفه يقطر دماً، ولا زال يحتل أراضٍ عربية، فيما سمي باتفاق كامب ديفيد 79.

 

والذي تفرغت بعده دولة الكيان لمهمة عدوانية سُميت بسلامة أصبع الجليل، والتي انتهت بحصار بيروت، وإخراج الفدائيين الفلسطينيين من آخر دول الطوق العربي، بعدما أخرجوا من الأردن (الضفة الشرقية) التي لها أطول حدود ممتدة مع فلسطين المحتلة فيما سمي بأيلول الأسود.

 

(4)

واستمر الكيان يحافظ على العقيدة الأمنية القائمة أن سلامة الكيان لا تحفظ إلا بالإذعان لقدرته على الحسم العسكري، وقوته القادرة على تشكيل الواقع السياسي بما يزيد من أوراق الوقة التي يحفظ بها بقائه على الأرض المحتلة.

 

ومع هذا لم يكن غريبا يؤمن به الكيان بـ : “أن الذي لم يحل بالقوة، فإنه لا يحل إلا بمزيد من القوة”، ولكن الغريب أن أنظمة عربية كبيرة، ومحيطة بالكيان هي اليوم أشدُّ إيماناً من الكيان نفسه بهذه النظرية، وعلى ذلك شيَّدت نظرية موازية ومتماهية معها تنطلق من “أنَّ الذي لم يتحقق بالسلام، فلن يتحقق إلا بمزيد من البحث عن الوصول إلى السلام”. ولذلك جعلت ما سمي بالسلام الخيار الاستراتيجي الوحيد والأوحد!

 

وهذا ما شكل أرضية لكامب ديفيد الأولى، ولمؤتمر مدريد، ولتفاهمات أوسلو واحد وأوسلو اثنان باريس الاقتصادية)، ولاتفاقية وادي عربة، لتفاهمات واي ريفر، ولنقاط خارطة الطريق في شرم الشيخ ولكل اتفاقيات الذل والمهانة العربية مع الكيان، والتي كانت تستند إلى هذه الفلسفة المتناغمة تماماً مع نظرية السيف الباغي.

 

(5)

في المقابل شكلت المقاومة الفلسطينية واللبنانية واقعاً ترسخ بمعطيات جديدة، ولدتها ميادين المواجهة استطاعت تلك المعطيات أن يبرهن على العكس، فتشق طريقاً حقيقياً للوصول إلى الحق.

 

وهذا الذي سلكته المقاومة ليس إبداعاً جديداً، بل هو قانون كوني يقوم على أن القوة يجب أن تجابه بقوة تحد وصمود، وقدرة على الابداع في المواجهة، وأنَّ المزيد من القوة يجابه بالمزيد من العطاء والاستعداد للتضحية وعدم تعجل النتائج.

 

وعلى هذا المنوال تنطلق انتفاضة القدس التي تدخل شهرها الثاني، ولازالت تجدف نحو أملها في كنس الاحتلال وتطهير المقدسات.

 

وبهذه الفلسفة التي تستند إلى السنن الإلهية في الكون رسخت المقاومة حقائق لا يمكن تجاوزها أبرزها أنها جعلت قادة عسكريين من العدو ينسحبون من أراض أحتلت بالقوة، فـ(باراك)، انسحب مزعناً ومن طرف واحد من جنوب لبنان بعد انهيار حائط الصد (جيش لبنان الجنوبي العميل) عام 2000.

 

وهذا الذي جعل آخر ملوك الكيان العسكريين (شارون) ينسحب من قطاع غزة في صيف عام 2005، وهذا الذي يجعل قائد أركان جيش الاحتلال الأسبق (بيني غانتس) في كلمة ألقاها خلال زيارته لـ (كيبوتس غافيم) السبت 31 أكتوبر 2015 بغلاف غزة وهو من قاد الحرب الأخيرة على غزة (العصف المأكول) أن يشكك في قدرة جيشه على حل مشاكل غزة بالقوة وحدها، ولفت إلى استحالة احتلال غزة وإبقائها تحت سيطرة الجيش للأبد، كان ذلك.

 

نعم، هذه ما بات يدركه جيداً القادة العسكريين والأمنيين في الكيان، وهذا ما يدركه (بيبي) نتنياهو نفسه وقد رضخ من قبل لمطالب القسام في صفقة وفاء الأحرار واحد، وفي إيقافه الحرب الأخيرة بعد أن علقت قواته على مشارف غزة وتلطخ بمزيد من قتل الأبرياء في عمليات انتقامية بحتة.

 

وإن كان يكابر اليوم وهو يواجه بعنجهيته جموع الثائرين في الضفة والقدس وكل الأرض الفلسطينية، فإنه ليس أمامه وإن طال المطاف إلا الإذعان لإرادة الأحرار في الحرية وتقرير المصير، وأنه ليس ثمة من يستجديه بعد اليوم وقد وصلت مسيرة الوهم (أوسلو) منتهاها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد