في إطار العملية التي أطلقتها تركيا من أجل القضاء على التظيمات الإرهابية في شمال شرق سوريا، وهي ما عرفت بنبع السلام، توالت ردات الفعل بين معارضة ومعربة عن قلقها، وبين متماهية ومؤيدة، تعد إسرائيل من أكثر الدول وضوحًا في التعبير عن رفضها لهذه العملية، ومن أكثر مؤشراته مستوى التصريحات التي صدرت من المؤسسات «الإسرائيلية» المختلفة بشأنها، وحالة الضغط التي شكلتها إقليميًّا لرفض هذه العملية.

لماذا الرفض الإسرائيلي لعملية «نبع السلام»؟

في إطار ما يسمى بمشروع «صفقة القرن» التي تقوده إسرائيل إقليميًّا، والذي يعمل على دمجها في المنطقة وتحقيق السلام الاقتصادي، وتفتيت القوى لصالح تفوقها في كافة المجالات، تعمل على تحقيق دولة للأكراد في الدول التي يقطنوا فيها بما يخدم هدف التفتيت وإعادة فك المنطقة وتركيبها على أساس ديني وعرقي وقومي.

ولقد شكل الانسحاب الأمريكي حالة فراغ، مما يضعف الموقف الإسرائيلي ومساحات نفوذه، والتي تدير فيه إسرائيل حلفًا ضمن ما يسمى بمحور الاعتدال، والذي تمثله الدول العربية بهدف الضغط وإضعاف إيران ومحورها، وهذه العملية تشكل تهديدًا للوجود الكردي في الخواصر التي تبنيها إسرائيل.

التحول الديموغرافي الذي تعمل عليه إسرائيل

ولو نظرنا إلى التقدم الكردي في الموصل وكركوك، سنجد أن حالة السيطرة الكردية أدت إلى زيادة الوجود الكردي هناك، فبعد أن كان أصل السكان قبل 2014 نحو حوالي 700 ألف نسمة، أصبح العدد قرابة المليون و700 ألف نسمة، وهو تزايد كردي مدروس لتحقيق التوسع الديموغرافي، والذي يشكل خطرًا بالنسبة لتركيا، في فرض أمر واقع لدولة كردية، وكذلك يشكل خطرًا على التركمان الموجودين هناك.

وكذلك فإن منطقة العمليات التي تقودها تركيا الآن في سوريا، شهدت تحولًا ديموغرافيًّا لكنه محدود، فالمناطق التي يسيطر عليها الكرد هي مناطق عربية، حيث إن متوسط الوجود العربي في كل من منبج، والحسكة، ودير الزور، وتل أبيض، والرقة ما يقارب 89%، وباقي المناطق هي خليط بين الكرد، والتركمان، والعرب، والشركس، والأخطر في مفهوم التقسيم الواقع الذي فرض على الأرض، أن العربي السوري لو جاء من مناطق مختلفة في سوريا إلي مناطق الخاضعة للميلشيات الكردية، فإنه بحاجة لتصريح سفر عبر كفيل كردي. وهو الأمر الذي يعطي مؤشرات مهمة عن مدى السيطرة والنفوذ الذي يتحكم فيه حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الشعب الكردية في تلك المناطق.

وهنا يتضح الموقف الإسرائيلي، بعد قرار الانسحاب الأمريكي قال نتنياهو: «سوف تتذكر إسرائيل وتنفذ القاعدة الأساسية التي تقودنا: وهي أن إسرائيل ستدافع عن نفسها ضد أي تهديد بمفردها»، ويحمل هذا التصريح اتجاهين؛ الأول: وهو الثابت دائمًا في خطاب المظلومية. أما الثاني: فهو مؤشر للدور الإسرائيلي الجديد التي ترى فيه أنها رائد لحلف جديد، ستسد الفراغ عن التدخل المباشر للولايات المتحدة، وهو الذي يمكن أن نسميه تبادل أدوار في طمأنة الأكراد أن الأخيرة ما زالت معهم وداعمة لهم. وعليه يبقى المشهد في حالة شد أطراف للوصول إلى حالة تعديل في المسارات التي تحكم مستقبل نفوذ الأكراد وتوسعهم وفق ميزان حسابات القوى.

إلى هنا: عملت إسرائيل على تحقيق الحشد الدولي والإقليمي بكل قوة، لدفع تركيا للتراجع عن العملية؛ حتى تحمي نفسها من الانهيارات التي يمكن أن تحدث في أماكن النفوذ الكردي، والتي تزيد الأمور تعقيدًا في ظل المهدد الإيراني، الذي تتسع دائرة نفوذه. طبعًا ما زالت حالة الغموض هي الكفة الراجحة في مستقبل المنطقة الآمنة وباقي الملفات التي تتعلق بهذا الشأن، وطبيعة التفاعلات والمواقف المختلفة فيها. ويبقى المستقبل يحمل مؤشرات مهمة لتحقيق حالة الاستقرار في سوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد