يعتبر التطبيع في مفهومه الاصطلاحي واحدًا من أهم ركائز الاتفاقات بأنواعها بين أية أطراف كانت في نزاع ما. فالتطبيع، وهو إعادة العلاقات، بمعنى جعلها طبيعية مرة أخرى بعد فترة من القطيعة، وقديمًا، ولا زالوا يرددون فى مجالسنا النصف ثقافية تلك المقولة عن أن «الطبع يغلب التطبع»، في إشارة واضحة، وإسقاط أكثر ما يكون، فعن خسة ووضاعة لمن غلب طبعه على تطبعه، تراه فى حيوان مفترس نشأ أليفًا بين أهل بيتك، بعد أن آووه وأطعموه، وقد كادت المجاعة أن تفتك به وبفصيلته، وقد عاش سنين تحت سقف بيتك، وما إن اشتد عوده، وقويت أنيابه، حتى افترسك أنت وكل من معك، تلك الصورة التخيلية للخيانة الحيوانية، والمقولة سابقة الذكر تتلخص في جملة شعبية تتكلم عن ذيل الكلب، وعن استحالة إصلاحه وإعادة تطبيعه، مهما تثبت ذلك الذيل بأثقال واتفاقات.

ذلك الكيان الصهيونى المحتل الجاثم على صدور العرب أجمعين، والمتشعب بجذوره الفاسدة فى مركز العرب، بشقيهم الإفريقى والأسيوي، لهو أبعد ما يكون عن أن يستحق تطبيعًا مع العرب، طالما حلم به قادة تلك الدولة المزعومة.

حلم التطبيع العربى الإسرائيلى عند الإسرائيلين ذو الملامح الوردية، لهو كابوس لمن تبقى من العرب، تحاول دولة الاحتلال دائمًا وأبدًا التلويح بالتطبيع كخطوة واجبة النفاذ من العرب حتى يتحقق السلام، معاهدات سلام بين إسرائيل، ودولتين عربيتين، واتفاقات سرية بين دول أخرى، وعلاقات مشبوهة، تكاد تمس بقية الدول العربية الأخرى، بالرغم مما يصرح به قادتها دائمًا عن أمانيهم بفناء الاحتلال، وعن رفضهم التام لكل ما هو قادم من تلك الدولة الاحتلالية، وخوفًا من رد الشعب العربي، حال ظهور تلك العلاقات على الساحة، ترى الكل ينأى بنفسه عن إظهار علاقات تطبيعية على المستوى السياسي.

بالرغم من معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، إلا أن التطبيع بين الدولتين، وحتى ذلك اليوم، لم يأخذ، سوى شكل واحد من تطبيع العلاقات، وهو التطبيع السياسي؛ فنرى قادة الدولتين في اجتماعات إقليمية ودولية مشتركة، نشاهد بأعيننا أعلام كل دولة وقد ارتفعت على قطعة من أرض الأخرى، كسفارة، وقنصلية دبلوماسية، خطابات دبلوماسية متبادلة، وتفاهمات عسكرية ذات سرية عالية، كما تلك السرية التى يعرفها المصريون عن نفقات وواردات جيشهم العسكري.

كل ذلك، ولم نر تطبيعًا ثقافيًا أو اجتماعيًا من أي نوع، فلم نر مباراة كرة قدم بين المنتخبين، ولا ندوة ولا مهرجان فنيًا يجمع بين مثقفي الدولتين، لم نر كتبًا مترجمة من العبرية بمكتباتنا، ولم نشاهد فيلمًا عبريًا على قناة من قنواتنا العربية، الخاصة والحكومية على حد سواء، كل ما سبق لهو حلم للعديد من الإسرائيلين، حلم يسعون لتحقيقه بالغش تارة، وبالتدليس تارة أخرى، فمرة ترى رواية مصرية شهيرة وقد ترجمت للعبرية؛ لتعرض هناك في مكتباتهم، وهي تلقى حفاوة وترحيبًا؛ لظن منهم باعتراف المثقف المصري بشرعيتهم المكذوبة، مثلما فعل السياسي المصري مسبقًا، وتارة أخرى تشاهد يوم السبت، وأسبوعيًا على «القناة الثانية» الإسرائيلية، فيلمًا مصريًا قديمًاً أو جديدًا.

يحبون أن يترجموا رواياتنا العربية للغتهم، ويساعدهم في مبتغاهم مؤلفون عرب يتناسون الاحتلال لأرض العرب؛ طامعين في الفتات من عوائد وأرباح ترجمة مؤلفاته للعبرية، تناسى مؤيدو التطبيع وعرابيه أن التطبيع العربي الإسرائيلي ليس له سابقة يقاس عليها، لا تقوموا بقياس على حالات سابقة، كالعلاقة التطبيعية التي تملأ الحياة بين فرنسا والجزائر، بالرغم مما ارتكبته الأولى في حق نساء وشيوخ وأطفال الجزائر، إلا أن هناك تطبيعًا على شتى المستويات الثفافية والفنية والسياسية والأكاديمية… إلخ، كذلك مصر والمملكة المتحدة، فرنسا والمملكة المتحدة، الهند والمملكة المتحدة، أغلب إمبراطورية الشمس والمملكة المتحدة، كلها علاقات تأزمت وتهشمت؛ نتيجة احتلال جثم على صدور تلك الأمم المستضعفة، عدا فرنسا والمملكة المتحدة فيما بينهم، احتلال نهب ثروات، واغتصب أراضي، وخيرات، وانتهك أعراضًا وحرمات، إلا أن ذلك الأمر وقت أن انتهى، وقد استتبعه تطبيع على أغلب المستويات، بدرجات متفاوتة بين تلك الأمم وبعضها، إسوة بتلك المقولة عن أن أعداء الأمس هم أصدقاء اليوم.

الكيان المحتل ليس بحالة ولا دراسة ليقاس على كل ما سبق، فمن يتمنى هلاكك، ويرى دولته على أنقاضك، ولا زال حتى يومنا هذا يحتل أرضك، ويغتصب كل حقوقك، لهو من الصعب جدًا تدارك تطبيعه واستسهاله بين عامة الشعب العربى.

وللكيان الصهيونى أقول بأن العرب مستعدون للتطبيع، بشرط أن تقوموا أنتم أولًا بالتطبيع مع الفكرة النازية – وليست ألمانيا – تجاهلوا عداوتكم للنازيين، تناسوا محرقتكم المشكوك فيها، وقتها فقط سنتجاهل عداوتنا لكم، ونتناسى محارقكم ومجازركم المؤكدة المرتكبة في حقنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد