لطالما رأى العالم «إسرائيل»  كيانًا ولد ولادة قسرية على أنقاض شعب عريق، موطنه قلب العالم القديم، ومهد حضارته، فكيف تسوّق نفسها؟ وقد جاءت عبر توافقات إمبريالية والآعيب دبلوماسية، ككيان مقبول في عالم كُتب تاريخه بالمعاناة، والجوع، وامتهان الكرامة الوطنية، ونهب الثروات، ومسخ الهوية، ودماء ملايين لا تحصى من سكانه على يد عالم «الرجل الأبيض»، والذي زعم أن مهمته تنوير الشرق وتحديثه، وبالرغم من أنّ هذا الكيان المسخ حاول تسويق نفسه بالأساليب الدبلوماسية الاعتيادية في غير الدول الغربية،ولكن جهوده كثيرًا ما كانت تبوء بالفشل، وإن نجحت؛ فسرعان ما تنتكس.

محاولات الأنسنة

ولذا فإنه يستغل الحوادث المأساوية، سواءً كانت طبيعيّة، كالزلازل، والأعاصير، والتسونامي، أو من صنع البشر كالحروب والهجمات الإرهابية؛ ليدخل مساحات لطالما كانت لا تثق به، والهدف من ذلك محاولة النظام الصهيوني الإمبريالي الإحلالي أنسنة الكيان الغاصب المسمى إسرائيل وتبيض وجهه، وجعله أكثر قبولًا عند الشعوب والحكومات، التي لطالما نظرت إليه كخارج عن القانون، وقد تضمنت مشاركته عديدًا من الدول، مثل دعمه كينيا، إثر الهجمات الإرهابية عام 1998، وإعصار كاترينا عام 2005، وتسونامي اليابان عام 2009، وبوركينا فاسو في نفس العام، ومن ثم فيضانات البلقان التي ضربت صربيا والبوسنة عام 2014، وزلزال نيبال العام الماضي، وأخيرًا الفيضانات التي ضربت سريلانكا في شهر مايو (أيار) الماضي، في محاولة، كما أسلفنا، لرفع هذا المشروع المتوحش من مصاف العصابات الإجرامية إلى مصاف الدول، في محاولة للتلبيس على عموم الناس من غير الملمّين بما يحدث على أيدي العصابات الصهيونية من تطهير عرقي وإبادة جماعية ضد السكان الأصليين من الفلسطينيين العرب في فلسطين المحتلة منذ قرابة قرن من الزمان.

وقد أودت الفيضانات بحياة أكثر من مائة شخص، وأن مائة آخرين ما زالوا في عداد المفقودين، كما تسبّبت الفيضانات كذلك بانزلاقات واسعة للتربة، ودمّرت أكثر من خمسمائة منزل تدميرًا كاملًا، وذلك غير حوالي أربعة آلاف منزل تعرّضت لأضرار جزئية، أما ثلث سكان عاصمة سريلانكا، كولمبو، وبالبالغ عددهم حوالي ثلاثة أرباع المليون، فقد اضطروا إلى الخروج من منازلهم، وقد قدّرت وزارة المالية الأضرار التي لحقت بالصناعة والتجارة بحوالي ملياري دولار أمريكي.

الرفض الشعبي السريلانكي

لطالما كان الكيان الصهيوني الغاصب مرفوضًا من الشعب السريلانكي؛ لأسباب تتصل بمعاناة هذا الشعب من استعمار متعاقب، برتغالي ثم هولندي ثم فرنسي وأخيرًا إنجليزي، فهو قد جرّب الاستعمار، وكيف يمكن له أن يمتصّ خيرات البلاد ويحوّل أهلها إلى أقنان يعملون من أجل طعامهم، ولا يكادون يجدونه، ولذا فإنه عندما يرى معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاستعمار الإحلالي الصهيوني يتذكر مأساته التي عانى منها قرونًا عدة، ويستحضر تاريخًا طويلًا من المعاناة والألم، بالإضافة لما لمسلمي سريلانكا، والذين تبلغ نسبتهم حوالي عشرة بالمائة من السكان، أثر بالغ على العلاقة بين بلدهم والكيان الصهيوني، وذلك لأسباب دينية لا تخفى، كما أن لتأثر المثقفين وشرائح واسعة من الشعب بالفكر اليساري والمناهض للاستعمار تأثيرًا بالغًا في هذا المجال، وعلى طريقة رسم السياسات الخارجية لسريلانكا.

المفارقة المضحكة

إنها لمفارقة مضحكة أنّ إسرائيل التي هجرّت شعبًا كاملًا من أرضه، وحاصرت ما تبقى منه، ومارست عليه كل ألوان العدوان، أن تزعم أنّها تهتم ببشر آخرين، يعيشون على بعد آلاف الأميال، فها هو موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية ينشر أن «دانيال كارمون» سفير إسرائيل في سريلانكا قد تبرع بقيمة عشرين ألف دولار من مواد الإغاثة لصالح منكوبي الفيضانات، وأعلن أنّ الصداقة تظهر وقت الشدة وهكذا تكون «إسرائيل» بمبلغ عشرين ألف دولار من المواد التي قدمتها للمتضررين, والذين بلغت خسارتهم ما لا يقل عن ملياري دولار، تكون قد وقفت مع الشعب السريلانكي وقت شدته، في وقت تحتفل فيه «إسرائيل» بما يسمى «عيد الاستقلال»، أي تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، وحال الكيان الصهيوني لا يختلف الحال عن عصابات المافيا التي اكتسبت أموالها من العدوان على دماء وأموال الآخرين، ثم راحت تستر سوأتها بإنشاء مستشفى هنا أو دار أيتام هناك، ولو أنهم انتهوا عن القتل لما كان هناك حاجة لمستشفى ولا لدار أيتام، فالإسرائيليون عندما ينفقون إنما ينفقون من مال مغصوب وأرض مسروقة، يستثمرون قليلًا من المال الذي سرقوه من أفواه الفلسطينيين؛ كي يجملوا به وجههم القبيح، ويقنعوا المنكوبين أن الإسرائيليين هم أمة كسائر الأمم.

ولعل الكيان الصهيوني اكتسب بعض الحظوة عند السياسيين السريلانكيين أثناء الحرب الأهلية، وذلك أن الصادرات الصهيونية من السلاح كانت من الصادرات الأساسية عند الجيش السريلانكي، ويعتقد البعض أنّها أسهمت بشكل فعّال في إنهاء الحرب الأهلية التي استمرت زهاء ثمانية وعشرين عامًا، ولكن الكثيرين يعتقدون بأنّ إسرائيل كان من أسباب إطالة أمد الحرب، وذلك بتزويد طرفي النزاع بالسلاح والقاء المزيد من الحطب على نار الحرب الأهلية المشتعلة، وفي لقاء الصحفي «حفيل فارس» 22 مايو (أيار) 2015 مع سفير الكيان الصهوني لصحيفة محلية «ديلي ميرور» أنكر معرفته بأنّ إسرائيل كانت تزود مقاتلي جبهة نمور إيلام التاملية، العدو اللدود للحكومة بالسلاح، بالرغم من ورود ذلك في كتاب «عن طريق الخداع» لأحد ضباط الموساد السابقين، بل إنّه أنكر معرفته بالكتاب ابتداءً، مع أنّ شهرته كانت قد طبّقت الآفاق حينها، ولم يفت السفير حينها بأن يمنّ على سريلانكا بأنّ دولته وقفت معها في وقت الشدة، وها هو يعيد نفس السلوك ويذكّر السريلانكيين بأنّ المنحة الإغاثية التي قدّمتها حكومته للمتضررين من الفياضانات الأخيرة، هي نوع من الوقوف إلى جانب سريلانكا وقت الشدة، بالرغم من أنّ دولًا عديدة قد قدمت مساعدات ضخمة، كالهند ـ على سبيل المثال ـ والتي قدمت سفينتين من المساعدات الإغاثية، تجعل المساعدة الإسرائيلية أضحوكة لا معنى لها، ولكنها على أية حال كانت كافية لأن توفّر صورًا للسفير، وهو يسلّم صناديق كرتونية عليها علم إسرائيل بغض النظر عن محتواها وعددها، وهكذا تكون قد تمت صناعة الصورة المطلوبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد