وصل حصار الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة إلى محطته العاشرة، والذي بدأ بعد خطف كتائب القسام (الجناح المسلح لحركة “حماس”) الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، والتي كانت تحكم قطاع غزة من خلال حكومتها العاشرة، والذي يترأسها إسماعيل هنية.

 

فبدأ مسلسل الحصار الإسرائيلي من خلال إغلاق المعابر مع قطاع غزة، في سبيل إعاقة دخول المواد الأساسية منها الغذائية أو البترولية أو مواد البناء.

 

لجأ الفلسطينيون إلى حفر الأنفاق الواصلة مع مصر، والذي اعتبره الاقتصاديون بأنه شريان حياة جديد لسكان القطاع، وإن جاءت من تحت الأرض، فقط لأنها كانت ضرورية؛ بسبب الإغلاق المستمر للمعابر الإسرائيلية؛ بذرائع “تافهة” منها الأمنية والفنية…إلخ.

 

ويعتبر عام 2012م بمثابة “الربيع العربي” لسكان القطاع، وذلك بعد فوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية المصرية، حيث شهدوا انفراجة كبيرة في البضائع والمواد التموينية التي تأتي من مصر عبر الأنفاق الأرضية، وإن كانت مهربة بنظر القانون الدولي، ولكن في سبيل عدم الاعتماد على المعابر الإسرائيلية لإدخال البضائع الأساسية للقطاع.

 

وبعد سقوط مرسي “رجعت حليمة لعادتها القديمة”؛ حيث سيطر عبد الفتاح السيسي على سلطات الحكم، فقام بإغلاق معبر رفح، حيث يعتبر المنفذ الوحيد للفلسطينيين بغزة بشكل متواصل، وحارب الأنفاق عبر تدميرها، واستمر ذلك بإغراق الحدود؛ في سبيل القضاء على ما تبقى من الأنفاق، وأعتقد أنه نجح بنسبة كبيرة.

 

وبعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع منتصف عام 2014م والذي راح ضحيته ما يزيد عن 2000 شهيد وآلاف الجرحى، اشتد الحصار الإسرائيلي الخانق على القطاع، وبدأنا نلحظ فقدان بعض المواد، منها الأساسية والثانوية.

 

وأخص بالذكر مواد البناء، حيث يحتاج القطاع إلى بناء ما دمره الاحتلال من آلاف المنازل على مستوى المحافظات الخمس بالقطاع، فأصبح إعادة بناء المنزل المدمر حلما يراود الغزيين خلال الفترة الأخيرة.

 

ولم يسلم أي مواطن في قطاع غزة من الحصار الإسرائيلي، سواء كان طالبًا أو عامل بناء، والقافلة تطول، ولكن أود أن أذكر هنا تحديدًا فئة الشباب ما بين أعمار 18 إلى 28 عامًا، حاولوا الالتحاق بسوق العمل، لكن باءت جميع محاولاتهم بالفشل، وبنسبة كبيرة منهم.

 

وتحدث المحلل الاقتصادي سمير أبو مدللة خلال ورشة عمل عقدت بمدينة غزة حول “الخريجين…أرقام وحقائق ودلالات”، قال فيه: إن عام 2015 هو من أصعب الأعوام على الشعب الفلسطيني فكل التقارير تتحدث عن استحالة العيش في غزة في عام 2020 في ظل تدهور وانعدام الحياة المعيشية، منوها إلى أن قطاع غزة لا يصلح الآن للمعيشة؛ فالأرقام التي تعد وتحصى لا تبشر بالخير؛ حيث إن 30 بالمائة من أبناء الشعب الفلسطيني بتلقون المساعدات الإنسانية من الخارج أما عن بطالة الخريجين فقال أبو مدللة إنها تشكل كابوسا في الاقتصاد الفلسطيني؛ حيث تشير التقارير الواردة من قطاع غزة أن هناك ارتفاعا كبيرا وحادا لأعدادهم؛ حيث تعتبر الأعلى عالميا وفقا للتقارير الدولية.

وعن أبرز العراقيل التي تواجه سوق العمل الفلسطيني، قال أبو مدللة إن هناك تراجعا لدور الحكومة في توفير فرص العمل؛ فالقطاع الخاص يعد الأكثر استيعابا للعاملين بنسبة 61 % يليه القطاع الحكومي بنسبة 23 % والذي لا يستوعب سنوياً أكثر من 15 ألف عامل. مضيفا: إن إسرائيل تشغل من الفلسطينيين ما نسبته 11 % يليها المنظمات الأهلية. منوها إلى أن القطاع الخاص، والذي يستوعب أعدادا كبيرة من العاملين لا يعني أن من يتلقون رواتبهم منه يعيشون في مستوى معيشي جيد، بل الكثير منهم يعيش في ظروف قاسية لقلة الدخل المعيشي المقدم لهم.

وأكد أبو مدللة أن عدد الخريجين العاطلين عن العمل في قطاع غزة بلغ 100 ألف عاطل بلا عمل، أما الجامعات الفلسطينية فتخرج سنويا حوالي 30 ألف طالب.

وذكر أن تقرير البنك الدولي في أيلول 2015، أشار إلى أن هناك صعوبة في تحقيق النمو الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية دون تحقيق استدامة مالية، إذ إن نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي في الضفة الغربية وقطاع غزة بلغت 23.5%، وهي متدنية عن مستواها في الاقتصاديات المشابهة 28.6%، ويعود هذا أساسا إلى التدني الكبير فيما تجمعه البلديات، والذي لا يزيد عن 2% من الناتج المحلي، موضحاً أن التقرير دعا إلى توسيع القاعدة الضريبية.

وعن الاستثمار الدولي في الأراضي الفلسطينية، أكد أبو مدللة أن تقارير سلطة النقد تشير إلى أن أرصدة استثمارات الاقتصاد الفلسطيني الموظفة خارج فلسطين، حتى نهاية الربع الثاني من العام 2015، قد فاقت أرصدة الاستثمارات الخارجية الموظفة في الاقتصاد الفلسطيني (الأصول الخارجية- الالتزامات الأجنبية) بقيمة بلغت 1.2 مليار دولار، وقد استحوذت الإيداعات النقدية المحلية في البنوك الخارجية، إضافة إلى النقد الأجنبي الموجود في الاقتصاد الفلسطيني على النصيب الأكبر بما نسبته 64.1% من إجمالي الأصول الخارجية.

 

وهذه عينة من بعض التقارير الإعلامية، بحيث لم يستطيع الأغلبية العظمى من الشباب الحصول على عمل يستطع تكوين نفسه منها، تجميع مبلغ المهر، ليتمكن من التقدم لأية فتاة بغزة، أو بناء شقة سكنية أو بناء مستقبل يحصل به على جرعات من التفاؤل.

 

ولنعد إلى قصة أحد الشباب، حيث خرجت مع صديقي إلى بحر غزة لأستنشق بعض الهواء النقي، إذ حصل موقف يمكنني وصفه بالرهيب، بعد أن وقف شاب في العشرينات من عمره في آخر طريق اللسان – آخر ممر ترابي داخل البحر يتجاوز الـ20مترا ـ وإذ  بالشاب يتحدث مع نفسه وبصوت عال ويحرك يديه.

 

فقام صديقي  بالتحدث مع الشاب قائلا له: “ما بك، لماذا تتكلم بصوت عالٍ؟” فانفجر الشاب، وكأنه أنبوبة غاز توشك على الانفجار، فقال لنا: “أهذه حياة! أنا شاب وعمري 25 سنة، لم أحصل على عمل حتى الآن، إلى متى آخذ مصروفي الشخصي من والدي الذي لا يعمل، إلى متى لا أتمكن من تكوين نفسي لبناء شقة وأتزوج الفتاة التي أريدها”.

 

فقلت له: “يبدو أنك مقدمٌ على فعل شيء لا تحمد عقباه”، فأجابني: “كنت أنوي الغطس في البحر رغم أني لا أستطيع السباحة، إما أفارق الحياة التي لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، أو يكتب الله لي عمرًا جديدًا”، فتفاجأت أنا وصديقي من هذه الواقعة.

 

شاب في مقتبل العمر وأمامه الكثير الكثير لكي يفعله، ويبنى مستقبلا مشرفا ويأكل من عرق جبينه، لكن الحصار الإسرائيلي المفروض أثر على المؤسسات والمصانع المحلية ما اضطرها إلى طرد كثير من الموظفين لديها، أو عدم استيعاب موظفين جدد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد