في وطنٍ كمصر حيث الحرية فكرة غير معروفٍ معناها والإجراءات الاستثنائية دائمًا مُطبَقَة والاتهامات الجاهزة دائمًا ما تُوَجَه، من الطبيعي للغاية أن يكون هناك خوف من غير المألوف ورفض للأفكار المختلفة عن المعتاد, أي أنه مجتمع تسوده الأحادية الفكرية.

تحدثت عن الأحادية الفكرية وأخطارها في  هذا المقال

 

 

وعندما تسود الأحادية الفكرية؛ فإنها تصيب المجتمع كأنها مرض, فيصبح الناس كالإنسان الآلي الذي يردد أمرًا مُبرمجٌ عليه ولا يفقه غيره.

 

 

ستجد الشعارات الجوفاء تنتشر في الإعلام وعلى ألسن الناس, ومعظم من يرددون الشعارات لا يفقهون معناها ولا الآثار المترتبة عليها.

 

 

منذ شهور قليلة تم نشر صورة لعلم إسرائيل داخل جامعة مصر الدولية وخلفها عدد من الطلبة فانقلبت مواقع التواصل الاجتماعي على الجامعة والطلبة واعتبروا هذا نموذجًا للتطبيع والعمالة للخارج.

 

 

 

ستجد كثيرًا من هذه الاتهامات في التعليقات هنا.

 

ملحوظة: إذا كنت من مرضى الضغط لا تشاهد التعليقات.

 

https://www.facebook.com/tayseerarab/posts/896427453753719?pnref=story

 

ما قصة هذا العَلَم وهؤلاء الطلاب؟ هل هم خونة حقـًا؟ أم هل المعلقون على الفيسبوك هم هؤلاء المرددون للشعارات دون وعي أو فهم؟ فلنفهم القصة.

 

 

هناك ما يُسَمَي بمجالس المحاكاة, مجلس المحاكاة هو نشاط يحدث في الجامعات لرفع وعي الطلبة وإلمامهم ببعض الأمور عن طريق محاكاة الواقع السياسي بمجلس من المجالس التي لها تأثير بارز في المشهد العام.

 

 

فمثلاً هناك مجلس محاكاة للأمم المتحدة كنموذج جامعة مصر الدولية الذي تسبب في هذا اللغط, يتم في البداية إعطاء المشتركين بعض المحاضرات عن المجلس والظروف المحيطه به وفي النهاية يُختَتَم الأمر بمؤتمر ختامي، يتم مناقشة مشكلة ما في المؤتمر بشكل رسمي كأن المناقشة تحدث في الأمم المتحدة بالفعل.

 

 

يكون المؤتمر محاكيًا تمامًا للمؤتمرات الحقيقية من حيث التنظيم وطريقة الحوار والموضوعات التي تُعرض للمناقشة, وفي المحاضرات ما قبل المؤتمر يتم تأهيل المشتركين ليكونوا على مستوى الحدث.

 

 

هناك مجالس محاكاة عديدة في الجامعات لمجالس مثل الأمم المتحدة ومجلس التعاون الإسلامي والكونجرس الأمريكى ومنظمة المؤتمر الإسلامي  ومجلس الوحدة الاقتصادية  وجامعة الدول العربية وغيرهم.

 

 

الأمر عظيم للغاية, تستزيد من المعلومات والوعي وتحاكي ما يقوم به كبار السياسيين في العالم وتقابل أشخاصًا جدد يشاركونك اهتمامك بالشأن العام.

 

 

صورة العلم الإسرائيلي كانت لتمييز وفد الطلبة الممثلين لدولة الاحتلال في نموذج الأمم المتحدة.

 

 

لا أري أن هذا نموذجًا للتطبيع إطلاقـًا, الواقع أن إسرائيل جزء من الأمم المتحدة وجزء من الصراعات في المنطقة ولهذا فأية محاكاة للواقع ستحتوي إسرائيل، هل الحل هو أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونعيش في حالة إنكار لوجود هذا الكيان؟ أم الأفضل أن نفهم كيف يفكر الساسة والناس هناك؟

 

 

من هذا المنطلق أري أن إطلاق نماذج لمحاكاة الكنيسيت الإسرائيلي أمر مهم للغاية لفهم الحياة في إسرائيل بشكل عميق وكيفية اتخاذ القرارات هناك.

 

 

مستوى وعي الناس بالسياسات الإسرائيلية والأحزاب وتفكير الشعب و أمور أخرى مهمة في التكوين الإسرائيلي يكاد يكون صفرًا.

 

 

هل فهم هذه الأمور تطبيع وخيانة؟ مرحبًا بهذه الاتهامات إذا جاءت من مرددي شعارات تافهين لا يفقهون شيئًا.

 

 

ولأنقل لكم فكرة مجالس المحاكاة سأحكي تجربتي معها, لعل هذا يدفع شخصًا أو أكثر للتجربة.

 

 

مجالس المحاكاة تُقام في الجامعات ولكن كان لمدرستي الحظ في إقامة نموذج محاكاة أظنه الأول في المدارس المصرية, نموذج Juniors program .

 

 

كنت في الصف الثاني الثانوي وقتها أي في السادسة عشرة من عمري.

 

 

كان المجلس الذي انضممت إليه مَعّنِيًّا بالشأن المصري، وكان هناك آخر مَعّنِيٌ بالشأن العربي.

 

 

في ثلاث محاضرات علمنا كثيرًا عن النظم السياسية ونظم الانتخابات و تناقشنا في أمور عديدة والمناقشة تقود للأخرى في جو صحي مليء بالأفكار والشباب المتحمس للمناقشة والفهم وتبادل الأفكار, كان الأمر رائعًا حقـًا, كان نقيضًا للأحادية الفكرية المقيتة.

 

من يُدَرِسُونَ لك المحتوى العلمي هم طلبة بالجامعة يكبرونك بأعوام قليلة, بعد محاضرة أو اثنتين يصبح هؤلاء أصدقاءك الذي ستستمر صداقتك معهم لأعوام عديدة بعدها ويصبحون من أخلص أصدقائك.

 

 

بعد ثلاث محاضرات جاء المؤتمر الختامي, لن أستطيع أن أوجز في الوصف لأن هذا اليوم كان مهمًا جدًا وأظن أنه أثر فيّ للغاية.

 

 

الحضور بزي رسمي, كل وفد مُمثلٌ بعضوين, بمجرد دخولك القاعة يجب أن يصبح الأمر حقيقيًا وألا تتصرف بشكل عادي, أنت الآن فرد في وفد حزب معين قادم لتوضح فكر الحزب في المؤتمر.

 

 

المؤتمر كان اجتماعًا للأحزاب المصرية لتقرير قانون الانتخابات البرلمانية ووضع بعض التوصيات لسير العملية الانتخابية بنزاهة.

 

 

لست أنت من تختار وفدك, قد تقع في وفد حزب يناقض أفكارك فهذا ليس أمرًا مهمًا، ستقرأ عن وجهة نظر هذا الحزب وستدافع عنها بقوة أثناء المؤتمر, ستكتسب القدرة على النقاش والمناظرة وأيضًا ستتعلم كيف تنظر للأمور من زاوية أخرى غير زاويتك، وبتعاونك مع زميلك في الوفد ستتعلم كيفية العمل في فريق.

 

 

حسنًا جلسنا الآن في مقاعدنا, ماذا سنفعل؟

 

 

بالطبع هناك كلمة افتتاحية مقتضبة لكل حزب بعد كلمة رئيس المؤتمر.

 

 

ثم يفتح رئيس المؤتمر باب النقاش, إذا أراد ممثل وفد أن يتحدث فعليه رفع يده لطلب الكلمة ومن غير المسموح إطلاقًا أن تقاطع من يتحدث.

 

 

الكلام يكون باللغة العربية الفصحى وهذا يتطلب قدرة على الإرتجال وبعض المقدرة اللغوية.

 

 

يحدث شد وجذب وحديث من هنا ومن هناك وممثل حزبٍ يَقُولُ رأيًا فيطلب حزبٌ آخر الكلمة ليعارض ما قاله وهكذا, كل هذا بإدارة رئيس المؤتمر.

 

 

ستتعلم هنا الارتجال والقدرة علي الحديث أمام الناس دون خوف, ستتعلم النظام واحترام كلمة غيرك وأنه من المهم أن تستمع قبل أن تتحدث.

 

 

بالطبع يجب أن نحاكي الواقع, ولهذا فمن المفترض أن تقوم ببناء تحالفات مع الأحزاب الأخرى, ولذلك فهناك شخصان مسئولان عن تمرير الملاحظات والأوراق بين ممثلي الأحزاب حتى تستطيع الوفود الإتفاق على بعض الأمور ويقومون بعمل تحالفات دون إخلال بنظام المؤتمر.

 

 

ستتعلم هنا كيفية تكوين تكتلات وكيفية تقدير الوضع لتعرف من معك ومن ضدك.

 

 

وفي النهاية تكون هناك فرصة للمداولة وتتحدث الأحزاب المتعاونة لتخرج بورقة توصيات وتخضع للتصويت ويتم التصديق على البنود التي تفوز بأغلبية الأصوات, وهنا تكمن أهمية تكوين التكتلات.

 

 

هل تعلم تأثير حدث مثل هذا على من هم في سن الخامسة والسادسة عشر؟ أن تجلس كأنك سياسي حقـًا وتقوم بكل ما يقوم به السياسيون؟ هذه فرصة عظيمة للغاية وأظنها من أفضل التجارب التي خضتها في حياتي.

 

 

مما تعلمته أيضًا من المؤتمر أن الاتفاق سهلٌ إذا نظر الجميع للمصلحة العامة لا للمصالح الشخصية الضيقة, الاتفاق سهل فعلاً إذا كانت نية المتفاوضين سليمة, هذا ما لا يحدث في أروقة السياسة، وقام به شباب قد يقول البعض عنهم أنهم محض أطفال, لقد تفوق الأطفال على الكبار الذين أفسدوا حياتنا.

 

 

هذه التجربة تستحق أن تكون في جميع الجامعات والمدارس في مصر لإخراج جيل واعٍ قادر على تصدر المشهد السياسي في يوم من الأيام وقد تربى على أسس سليمة وتم بناء وعيه بحق.

 

 

ومهم للغاية أن يكون القائمون على الأمر يمتلكون الأمانة لتعليم هؤلاء الطلبة وإفادتهم دون محاولة توجيههم لاتجاه معين حتى لا يفقد الأمر قيمته ويصبح نقمة.

 

 

أرى أن مجالس المحاكاة أمرًا في غاية الأهمية ويجب أن يتم تطبيقه على مجالس مختلفة مؤثرة في مصر وخارجها ليجرب الشباب موضع القيادة واتخاذ القرارات الهامة منذ صغرهم ويزداد وعيهم بالعالم من حولهم. وفي ظل الظروف الأمنية الحالية أتمنى ألا يتم التضييق على هذه النشاطات لنتجنب آفة الأحادية الفكرية ولننشئ جيلاً واعيًا بحق, أتمني.

 

 

هذا الأمر وغيره هو أسهم في قلب الأحادية الفكرية وطعنة رمح في قلب الجهل والشعارات الجوفاء, فلنسدد سهامنا ورماحنا جيدًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد