تبدو إسرائيل اليوم بعد مضي عقود من الصراع العربي الإسرائيلي، وفي خضم الفوضى العنيفة التي تهز أرجاء العالم العربي، قوة إقليمية مؤثرة ماسكة بخيوط اللعبة السياسية من مختلف الجوانب والأبعاد متفوقة بذلك على كل منافسيها وفي كل المجالات.

تفوق لم يكن بتاتًا وليد الصدفة، وإنما وراءه  تفكير استراتيجي، أساسه فهم واضح للعدو، ولنقاط ضعفه وقوته، ولطبيعة الصراع معه وكيفية إدارته، فبينما كان الخصم العربي غارقًا في نزعاته الداخلية، وتائهًا بين الاختيارات التنموية والصراعات الأيديولوجية، كان في المقابل خصمه الإسرائيلي واضح المرامي، دقيقًا في توجهاته، موفقًا في اختياراته.

ومن خلال استقراء معطيات التاريخ والنبش في ركامه وإعادة رسم مشاهده المفككة يمكن فهم طبيعة الصراع الوجودي بين العرب وإسرائيل، ويمكن فهم أسباب التفوق الإسرائيلي وتفكيك عناصره وتجلياته في أبعاده الثلاث السياسة والقوة العسكرية والتفوق التكنولوجي، ولأن استحضار الماضي  بتأن وموضوعية صار واجبًا استراتيجيًا للخروج من حالة الانسداد الحضاري الذي انزلقت إليه الأمة، كما أضحى مطلبًا ملحًا لتذكير الأجيال الحالية بثوابتنا الأساسية في ظل تأزم الواقع العربي على جميع الأصعدة وانحراف الأولويات، حيث أصبح الحديث عن عدالة القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسيطني رجسًا ينبغي التخلص منه، بينما التطبيع والسلام مع العدو الغاصب أمرًا مباحًا لا حرج فيه.

ديبلوماسية القلعة: حاصر حصارك

وجود إسرائيل في العالم العربي أشبه ما يكون بتلك القلاع التي وجدت في العصر الوسطى بأوروبا مجال صغير المساحة محدود الإمكانيات وضعيف الموارد ومحاط ببيئة عدائية تتحين الفرصة لابتلاعه والإجهاز عليه، ومنذ انطلاق المشروع الإسرائيلي تنبه الآباء المؤسسون لدولة الكيان إلى حجم الأخطار المحيطة بمشروعهم والمحدقة بدولتهم الوليدة، خاصة محدودية الموارد والارتباط الدائم بالدعم الغربي وهاجس البقاء وحدود القوة، فلقد كانت هذه المحددات دائمة الحضور في عملية صنع القرار، وشكلت هاجسًا يسمو على كل الأولويات والاختيارات، وعليه ترسم الخطط الآنية والمستقبلية. 

فما من شك أن قلعة إسرائيل حتى تظل على قيد الوجود كانت محتاجة إلى الإمدادات والمساعدات للبقاء، ووجدته في حضن الاستعمار الغربي، فهو من خلقها وحماها من الزوال وأغدق المليارات لدعمها عسكريًا واقتصاديًا، وباشر عملية شرعنة وجودها السياسي بانتزاع الاعتراف الدولي بها، وعلى الرغم من ذلك كان هناك وعي داخل دوائر صنع القرار في إسرائيلي باستحالة استمرارية الدعم الخارجي الغربي، وخطورة استفحال تلك التحديات الجسام التي تتطلب إيجاد حلول لها جذريًا، وبشكل آني.

وعلى ضوء الوقائع التاريخية اعتقد صناع القرار في الكيان العبري منذ لحظة إعلان دولتهم بأن الصراع  مع الجوار العربي قدر محتوم ينبغي حسمه على جميع الأصعدة، وأن الصدام أمر لا مفر منه، وبالتالي لابد من المبادرة بالهجوم عوضًا عن الاستكانة وانتظار الضربة، خاصة أن السياق الدولي والإقليمي مضطرب يموج بتصاعد حركات التحرر القومي والنضال ضد الاستعمار، ومحيط إقليمي يغلي مع بروز  أنظمة تحررية قومية  شديدة العداء للتدخل الأجنبي في المنطقة، وعلى رأسه الاحتلال الإسرائيلي في كل من مصر وسوريا، ثم العراق.

ولقد عانت إسرائيل خلال بداياتها من حالة العزلة خانقة حيث استطاعت القوى العربية أن تنجح في تشديد الخناق والطوق الديبلوماسي عليها، مستندة في ذلك إلى الضغوط التي مارسها عبد الناصر كقائد قومي ضمن منظمة عدم الانحياز ولعل أبرزها ما حدث في مؤتمر الدول الأفريقية والأسيوية في باندونج سنة 1955 حينما هددت الدول العربية والإسلامية بمقاطعته في حال تمت دعوة إسرائيل.

وكان من جملة الصعوبات  التي صادفتها، الفشل الذريع في تطبيع وجودها وإقامة علاقات دبلوماسية مع الخارج أسوة بباقي الدول، فمن أصل 10 بلد منتم إلى هذه المنظمة بالكاد ربطت إسرائيل علاقات ديبلوماسية مع بضعة بلدان قليلة غير مؤثرة وهامشية في إطار السرية تامة، ولقد كان ذلك مرده إلى السمعة المشبوهة المقترنة بها ككيان غير شرعي ولد في ظروف غير طبيعية والميول عدوانية والارتباط بالإمبريالية الغربية، ثم كذلك بفعل النفوذ العربي القوي داخل هذه المنظمة التي كانت في غالبها تميل لصالح المواقف والمصالح العربية ومتقاربة معها في توجهاتها.

ويكفي للتدليل عن الصعوبات التي واجهتها اسرائيل في محاولتها لكسر العزلة هي تلك الحادثة التي ذكرتها جولدا مائير في مذكراتها حينما كانت وزيرة خارجية إسرائيل، ففي إحدى الحفلات الدبلوماسية طلبت من أحد معاونيها أن يتصل بأحد أعضاء الوفد الصيني لترتيب لقاء بين جولد مائير ورئيس الوفد الصيني، لكن المحاولة فشلت بعد رفض الأخير لأي اتصال بينهما، كما سخر من إسرائيل حينما وصفها بدمية الولايات المتحدة، بل قال: لو أن كل مجموعة من ثلاثة ملايين أنشأت دولة، فلك أن تتصور كيف سيكون العالم.

ولذلك فحينما رأت إسرائيل أن انتصاراتها العسكرية في حروبها ضد العرب لم تخدم أهدافها السياسية، بل عمقت عزلتها الدولية، اتجهت نحو بلورة نوع جديد من الحروب ترتكز على توسيع دوائرالصراع لتشمل ساحات الدبلوماسية والعلاقات الخارجية، وهي التي بينها بن غوريون في قوله:

نحتاج مع العرب إلى مفهوم جديد في الحرب، ورأيي أنه يجب أن تكون تلك الحرب حرب استنزاف متواصلة ونشيطة في كافة المجالات، وهذه الحرب يجب أن تكون سياسية ونفسية، واقتصادية، وعسكرية إذا اقتضى الأمر شرط أن نعرف أن للسلاح حدودًا في حالتنا مع العرب.

ولأن القوة العسكرية غير كافية، ثم أنها مكلفة فلم يغب عن ذهن صناع القرار كما ورد سالفًا أهمية تدعيمها بالوسائل الناعمة حتى تزول تلك الصورة النمطية كدولة عدوانية عنصرية وعميلة للغرب، فابتكار هذا الشكل الجديد من الحرب هو ضرورة استراتيجية لتجاوز المقاطعة والعزلة الخانقة، وكذلك لضمان الأمن الحيوي.

الحرب الناعمة

عملت إسرائيل على تفعيل استراتجية القوة الناعمة إيمانًا منها بكون محيطها العربي أقوى بشريًا وأغنى من حيث الموارد وقادرًا على تحمل الضربات العسكرية وتعويض الخسائر، بينما هي عاجزة عن ذلك، ولذلك فلا بد من تقمص مظهر البلد المحب للسلام  المضطر لاستخدام القوة العسكرية ليس للعدوان على جيرانه، وإنما  للدفاع عن نفسه من تحرشاتهم الدائمة، والذي يرغب في مد يد الصداقة للجميع، وبدون استثناء بمن فيهم جيرانه، فالعزلة المفروضة على إسرائيل من طرف جيرانها العرب ولدت لدى قادة الكيان رغبة عارمة في تحديها والالتفاف عليها، وفي سبيل ذلك اتصلوا بالعديد من البلدان الحديثة العهد بالاستقلال لربط علاقات دبلوماسية معها عارضين مساعداتهم وخبراتهم الفنية العسكرية والعلمية، ومبدين تحمسهم للمشاركة في المشاريع التنموية بها في مجالات العسكرية والزراعة والبنية التحتية مقابل نيل الاعتراف بشرعية وجودها والانحياز لقضاياها ومصالحها، أو على الأقل ضمان حيادها في الصراع بينها وبين العرب.

وبموازة الضغوط العربية على بلدان كتلة عدم الانحياز، دشنت دولة إسرائيل علاقات دبلوماسية نشطة عبر برنامج المساعدات الخارجية الذي رصدت له ميزانية مهمة وحققت من خلالها مكاسب هامة؛ إذ استطاعت بفضله  تطويق الحصار، حيث كونت حلف مضاد للعرب عرف باتفاقية الرمح الثلاثي ضمت شرقًا إيران الشاه، وشمالًا تركيا، وجنوبًا إثيوبيا ضد العراق ومصر سوريا، بعد أن أججت مخاوف إمبراطور إثيوبيا هيلاسيلاسي من سياسات عبد الناصر التحررية في أفريقيا، ومثيرة أحقاد الأتراك على العرب بعد طعنة الثورة العربية إبان الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى استغلال النزعة القومية الفارسية لنظام الشاه العميل للغرب والمعادي للعروبة والإسلام، واستهدفت من وراء ذلك إضعاف القوى القومية العربية الأكثر تحمسًا في الصراع العربي الإسرائيلي.

واتسعت النجاحات الديبلوماسية بعد كسب حلفاء جدد في دول العالم الثالث، خاصة في أفريقيا وآسيا، وهنا تتضح فداحة الخسائر الديبلوماسية للعرب؛ إذ لطالما ظلت معظم دولها حليفًا استراتيجيًا لهم ونصيرًا لقضاياهم، فما سر هذا الانقلاب العجيب؟

والجواب نجده عند جولدا مائير رئيسة الوزراء في مذكراتها؛ إذ تقول:

وأعتقد أننا نجحنا مع الأفريقيين لأننا لم نتصرف بالأسلوب الذي كانوا يتوقعونه منا كأجانب، لقد كنا نعمل جنبًا إلى جنب معهم، ولقد ساعدنا ذلك على بناء الثقة بالنفس لدى الأفارقة، وجعلهم يؤمنون بإمكانية أن يصبحوا جراحين وطيارين، ولقد حاول العرب إقناعهم بأننا استعماريون غير أن الافارقة فهموا جيدًا أن الخبراء الإسرائيليين عندما عملوا في مزارع الدجاج لم ينتجوا دجاجًا استعماريا.

فكانت اتفاقيات التعاون الدولي والمشاريع المشتركة والمساعدات الإنسانية والاقتصادية سلاحًا فعالًا وقوة ضاربة في استراتيجية التوسع الخارجي وكسب الأصدقاء والحلفاء حيث نحجت في التخلص من شبهة الإمبريالية، حيث نفذت إسرائيل بسخاء وحماس العديد من المشاريع التنموية في مجالات الزراعة ومشاريع الري والبنية التحتية والتدريب العسكري في 80 دولة أفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية بأيدي 50 ألف مستشار إسرائيلي، كما عقدت مؤتمرات دولية علمية لتقاسم خبراتها، ووظفت خطابًا براجماتيًا يتماهى مع السياقات، ففي بلدان آسيا الاشتراكية البعيدة عن الدين واليهودية عرفت إسرائيل نفسها بكونها بلدًا اشتراكيًا يسعى لتقاسم تجاربه التنموية في المجال الزراعي عارضة نجاحاتها في استصلاح الأراضي البور، وتجربة المزارع التعاونية المعروفة بالكيبوتزات.

بينما في بلدان أفريقيا وأمريكا اللاتينية ذات الغالبية المسيحية وظف الخطاب الديني والقومي لإثارة العاطفة الدينية، خاصة في أفريقيا، حيث اجتهد ممثلو إسرائيل في استخدام لغة المظلومية والمعاناة من القهر الذي مورس عليهم من طرف الأوروبيين البيض، وعن ضرورة التعاون بين الشعوب المقهورة لتحقيق الاستقلال والتحرر والتنمية، ولضمان ولاء هذه البلدان وجرها لصفها تشبث قادة الكيان بضرورة فتح أبواب مراكز التدريب في بلدهم أمام آلاف الطلبة والمهندسين والعسكريين على أساس أن هؤلاء سيشكلون لوبيات مؤثرة لصالح إسرائيل داخل بلدانهم.

وهكذا استطاعت إسرائيل بفضل تفكيرها الاستراتيجي المرتكز على طول النفس والتأني وبعد الأفق أن تجني النجاحات الديبلوماسية حينما نجحت في شرعنة وجودها السياسي وانتزاع الاعتراف الديبلوماسي وأصبحت تمثيليتها الدبلوماسية ومصالحها الاقتصادية منتشرة في أغلب بلدان العالم كاسرة بذلك حالة الحصار والعزلة المفروضة عليها، واتسعت نجاحاتها أكثر حينما اخترقت حتى الكتلة العربية، وشقت صف وحدتها بعد أن استنزفت قواه المحورية، خاصة مصر من خلال سلسلة من المواجهات العسكرية العنيفة، ثم جرتها نحو سلام بطعم الاستسلام، فما سر هذا التحول العجيب الذي أصاب الكتلة العربية من المبادرة والهجوم إلى الاستكانة والخضوع؟ ذلك ما سنجيب عنه في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. اعترافات جولدا مائير،ترجمة عزيز عزمي، مؤسسة دار التعاون
2. ديان يعترف، اعداد شوقي ابراهيم، مركز الدراسات الصحفية بمؤسسة دار التعاون
3. مجدي منصور، اسرائيل بعد الناصرية: مشروع يبحث عن تثبيت امبراطورية
عرض التعليقات
تحميل المزيد