«وكم بالدنيا من جملة عجائب … عربُ ولكن عبرانيو المذاهب»

 

ثمانيةٌ وستون عامًا مرت تحرق أكبادنا بالذكرى التي تتكرر مشاهدها وأحداثها كل يوم فتجعل من تلك الأعوام الثمانية والستين أعوامًا أكثر بعدد أيامها وساعاتها الطويلة، ومآسيها التي تأبى الانقضاء.

تائهون في طيات الصحراء، مسافرون بين أطلال وطنٍ مسروق يبحثون عن الأمان في صحراء النقب وربما على الضفة الأخرى من نهر الأردن، بين حكايات الخراب والوحشية نشأت مملكة الخوف والمعاناة التي صارت موطنهم الجديد، معبرهم للأمن صار جسرًا مهدمًا وأملًا أغلب الظن فيه أنه كاذب، صار الوطن رجاءً في النفوس وحُلمًا بالعودة وروايةً بليغة تتلخص مشاهدها العديدة وأحداثها الطوال في مِفتاحٍ حديدي لبوابة الدار الذي هجروه عن غير رغبة، وإن لم تكن تلك البوابة هناك حين يعودون، على الأقل استطاعوا أن يحملوا شيئًا من جنبات هذه الدار، شيئًا من الوطن، مِفتاحه.

من المؤكد يا أخي أنك تكره ذاك الرجل الذي حرمك موطنك وسلبك خيرات حقلك، من المؤكد أن تكره ذلك الرجل الذي يمشي حيث كانت تمشي قدماك بغير حق؛ ذلك الرجل الذي يشرب من ماء البئر في زمام بيتك، البئر الذي امتزجت ماؤه بدماء أبيك يوم أُخرجت من دارك وتشبث هو بجذع شجرة زيتون عمرها من عمره؛ وُلدتْ يوم مولده وطاولا السماء سويًا، قتلوه لأنهم أدركوا أنه لن يخرج من داره على ساقيه كما شجرة الزيتون تلك لن تخرج قبل أن تُقطع ساقها التي تحتضن الأرض بجذورها الضاربة في الأعماق.

ولكن يبدو يا أخي أن ليس الجميع يكره هذا الرجل، يبدو أن هذا الرجل صار وديعًا مسالمًا متحضرًا، صار له حقٌ في دارك؛ وصار إرثُك جملةً من حقه وعليك أن تفاوضه على الفتات بأدبٍ جم.

«السلطة الوطنية الفلسطينية» مؤسسة نشأت نتيجةً لاتفاقيات أوسلو التي تمت بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية، «السلطة» لا هي حكمٌ ذاتي بالمعنى المتعارف عليه؛ ولا هي استقلالٌ بدولةٍ فلسطينيةٍ مجتزأة، ولا هي أي شيءٍ من نظم الحكم والإدارة السياسية  المعمول بها في العالم.

مجموعة من المكاتب والمناصب والمسميات الوظيفية، تمارس على بعض مناطق الضفة سيادة على الورق لا مجال لها على بساط الواقع.

 

حديقةٌ خلفية للإدارة الإسرائيلية تريحها من الكثير من أعباء الضفة الغربية عن طريق وكلاء يؤدون عن إسرائيل تلك الوظائف المزعجة طواعيةً.

تتجلى هذه الرؤية الجديدة في التعامل مع الاحتلال في عدة مواقف للسلطة ورئيسها محمود عباس الذي ما ينفك يذكر ويؤكد للجميع أنه ضد الكفاح المسلح ويعارض قيام انتفاضة ثالثة.

في مايو (أيار) 2014م عقد محمود عباس لقاء مع صحفيين إسرائيليين في مقر المقاطعة برام الله، بدأ الرجل لقاءه الحميمي بـ«شالوم» وربما ثقلت على لسانه الكلمة بمنطوقها العربي فقرر إرسالها بالعبرية،

تحدث عن السلام وخيار المفاوضات قائلًا «لا يوجد طريقٌ آخر على الإطلاق؛ ولا نريد أي طريقٍ آخر إلا طريق المفاوضات السلمية للوصول إلى سلام بين الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي».

ولم يفت الرجل أن يؤكد على قدس الأقداس في سياسته فقال «التنسيق الأمني مقدس، وسنستمر سواء اختلفنا في السياسة أو اتفقنا».

تتعجب حقًا وأنت تتابع تطورات الشأن الفلسطيني على مدى الأعوام الماضية.

في سبتمبر (أيلول) 2015م صرح عباس خلال لقائه بالرئيس الفرنسي أنه يحذر من اندلاع  «انتفاضة ثالثة لا نريدها».

وما أن وقعت هذه الانتفاضة حتى تنكر الرجل لشهدائها وتعاملت السلطة بكافة أجهزتها ببرودٍ تام مع قضايا الشهداء وعمليات الإعدام بدمٍ بارد في شوارع القدس والخليل وعلى حواجز التفتيش.

نحن أمام فكرٍ عجيب يجرد نفسه من كل قوة ويتنازل عن قناعاته ومبادئه بالجملة، ويقف أمام محتلٍ غاصب عاريًا يستجدي التفاوض.

علام؟! وحين تطرح بندقيتك أرضًا وتلقي حتى الحجارة من يديك؛ بأي شيءٍ تضغط على خصمك؛ وبأي أوراقٍ تفاوض وقد جردت نفسك طواعيةً من كل شيء؟!

التساهل والتماهي مع واقع الاحتلال البغيض لم يقف هنا، ولكن ذهب وما زال يذهب إلى نقاطٍ أبعد، ها هو محمود عباس يخبرنا عن المغني الإسرائيلي «العظيم» الذي يستمع له كل يوم، ويكيل آيات الإعجاب والاحترام للمسؤولين الإسرائيليين ويصف العديد منهم بـ«صديقي».

في معرض حديثه عن أوسلو مع الصحفيين الإسرائيليين قال «المرحومان ياسر عرفات ورابين».

وربما استحق رابين الترحم عليه لدوره العظيم في عصابات الهاجاناه التي نكلت بالفلسطينيين وشردتهم عن أوطانهم وارتكبت في حقهم أبشع الجرائم!

وفقًا لهذا الواقع الذي يحرص عليه محمود عباس والإسرائيليون على حدٍ سواء؛ فعباس وسلطته الوطنية لا يمثلان أي تهديد للكيان الصهيوني أو مصدر من مصادر القلق على الإطلاق، فالسلطة على ما يبدو مؤسسة وديعة لا تسبب أدنى درجات الإزعاج حتى ولو كلاميًا.

في ديسمبر (كانون الأول) 2014م تُوفي الوزير الفلسطيني زياد أبو عين نتيجة لاعتداء جنود الاحتلال عليه أثناء فعالية مناهضة للاستيطان.

اكتفى رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية و«الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني» أن يرد على مقتل وزير في حكومته بالتصريح أن ما حدث «اعتداء وحشي وعمل بربري لا يمكن السكوت عليه أو القبول به، وسنتخذ كافة الإجراءات الضرورية بعد انتهاء التحقيقات  وكل الخيارات مفتوحة».

نحن الآن في منتصف عام 2016م ويبدو أن عباس لم يجد بعد القرار المناسب للرد ولم يتخذ تلك «الإجراءات الضرورية»، ربما لأن التحقيقات لم تنتهِ بعد، ويبدو أيضًا أنه حينما قال إن «كل الخيارات مفتوحة» كان يقصد أن منها خيار الصمت والتناسي، أو ربما لأن أوراق القضية والتحقيقات تاهت عن غير قصد بين جدول أعماله المليء بمواعيد المقابلات مع مسؤولين وصحفيين وعسكريين إسرائيليين.

في مارس (آذار) 2016م وفي ما يبدو أنه الرد المنتظر على مقتل الوزير زياد أبو عين، قدم وفد رسمي من السلطة الفلسطينية العزاء في منير عمار الضابط بجيش الاحتلال ورئيس الإدارة المدنية في الضفة الذي لقي مصرعه إثر سقوط طائرة كان يقودها، وتحدث بعض أعضاء الوفد بحميمية وحزنٍ شديدين عن «المرحوم» ومحاسنه.

الآن عزيزي القارئ لا يلتبس عليك الأمر، «المرحوم» هنا ليس الوزير الفلسطيني الشهيد بل الضابط الإسرائيلي.

«لا نريد أن نرجع إلى التاريخ» محمود عباس.

ربما لأنه لو عاد إلى التاريخ لأخبره بأنفاسٍ مفخَّمة وصوتٍ رخيم عن أناسٍ في دير ياسين قُتلوا ذبحًا ولم يفرق القتل بينهم وإن فرقت بينهم درجات الأعمار، لربما أخبره عن شيخٍ مسجى على عتبات داره وقد اتشح شاله بالدماء، عن حاملٍ قُتلت وقُتلت فيها روحان، عن طفلةٍ مشردة بين خيام اللجوء وذكريات الخوف تطاردها في ساعات نومها القلائل ويقظتها الممتدة في هجير الصحراء.

لا يريد أن يعود إلى التاريخ ربما ليأمن صفعتَه، لأنه قبِل أن يكون على خط الزمان مسخًا يتتبع أسطر ماضيه الطويل بالممحاة.

ربما يأمل الرجل أن يحوز يومًا بسياسته تلك نوبل للسلام ولو مناصفةً مع صديقه الإسرائيلي.
ربما.

السلطة يمكن تلخيص دورها وفاعليتها في أنها توفر الأمن للإسرائيليين بشكلٍ حثيث، تحبط محاولات الثورة وتحاول إخماد نيران الثأر والانتفاضة، التنسيق الأمني في ازدياد مضطرد ومشين، ووصل إلى أن تقوم السلطة بالقبض على فلسطينيين لارتباطهم بالمقاومة وتسليمهم للجانب الإسرائيلي على طبقٍ من ذهب وبوفرة من المعلومات أيضًا بعد أن ينالوا نصيبهم من التعذيب والتنكيل، ما يجعلها مجرد فرع من أفرع الشاباك يقدم خدماته الجليلة اللامنقطعة.

أضحى جليًا أن السلطة الوطنية الفلسطينية مؤسسة إسرائيلية بامتياز.

إذًا فكل شيءٍ قابل للنسيان، ومسلمات التاريخ والوطن صارت جدليات للنقاش وربما الهدم والاستبدال، كل شيءٍ صار على قارعة السوق مطروحًا للبيع بسعرٍ بخس.

ولكن يا فتى، بكم تبيع عثرات طفولتك في حديقة دارك؟! بكم تبيع ركنًا لجأت إليه تبكي حين انتابتك موجات الحزن والألم؟! بكم تبيع ذلك العقال فوق رأسك؟!
يا فتى…
بكم تبيع رفات أبيك وجدك تحت طيات التراب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد