مقدمة طالت بأكثر مما أردت

هذا هو الجزء الثاني من موضوعي عن التغيرات الاستراتيجية التي تجرى في إسرائيل اليوم، كنتُ في الجزء الأول تحدثت عن استراتيجية إسرائيل في الصراع مع العرب ودور العنصر النووي فيها، والتي خطها الآباء المؤسسون للدولة العبرية، وعلى رأسهم دافيد بن جوريون (المُعلم، كما كانوا يلقبونه).

  • وأعترف أن البحث والكتابة في هذا الموضوع قد أحدثا لي أثرًا مزدوجًا، فهو أفادني وأجهدني، أفادني من حيث التعرف على الاستراتيجية الإسرائيلية في حربها مع العرب، وكيفية الإعداد والتخطيط من قبل صاحب (الأسطورة) المغتصِب لخوض الصراع ضد صاحب (الحق المضطرب)، وأجهدني لأن معرفتي بالحقائق أثارت وحركت لدى أسئلة عن الماضي والحاضر والمستقبل العربي العابس الحزين الأليم.

وفي حين أن العربي صاحب الحق راجع فكره وتراجع عن ثوابته وتنازل عن حقه، فإن الإسرائيلي تثبت بموقفه وتمسك بأسطورته ولم يتنازل قيد أنمله عن محرماته التي خطها لنفسه وأعلنها للغير.

  • أعترف أني من مؤيدين الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وأنبه أني من مؤيديه، ولستُ من دراويشه، إنه التأييد العاقل الذى يعرف أن الرجل على المستوى السياسي تجربة أصابت وأخطأت، نجحت وفشلت، تقدمت وتراجعت، ارتفعت وانخفضت، انتصرت وانهزمت، ولكن خطها الأساسي الاستراتيجي على المستوى الداخلي والخارجي كان واضحًا وصحيحًا وصائبًا.

ولا أظن أن الهجوم من بعض المترأسماليين الجُدد مثل نجيب ساويرس سيُضير عبد الناصر أو يأخذ منه، فلقد حاول من قبله أسياده (إقليميًا ودوليًا) ولم يفلحوا، إن ميزة جمال عبد الناصر  أو لنقل مكمن قوته أنهم كلما أرادوا تشويهه ازداد بريقًا ولمعانًا، وكلما أرادوا تنفير الناس منه إزدادت الجماهير إقبالًا عليه، وكلما أرادوا محوه انتصب كعادته مرفوع الهامة منتصب القامة ليرى الجميع الفرق بين العملاق والأقزام، إن هؤلاء الذين يحاولون تشويه عبد الناصر من منتصف السبعينات وحتى يومنا هذا لا يحاربون عبد الناصر الشخص؛ لأن الشخص واراه التراب منذ عام 1970، ولكن الهدف والقصد المقصود هو ضرب الرمز وتشويه الفكرة وقتل المشروع.

وظني أن إيقاظ الفكر العربي عامةً والمصري خاصةً من ثُباته خطوة على الطريق لعودة الوعي من الممكن أن تتطور لتُعيدنا لطريق المبادرة والفعل من جديد في صراعنا مع عدونا الذي لم نختره، بل فُرض علينا فرضًا وجبرًا.

1- سياسة الغموض ومعضلة التمويل

منذ أن قامت فرنسا بعد عدوان السويس على مصر 1956 بإعطاء مفاعل ديمونة لإسرائيل وسياسة بن جوريون هي فرض طوق من السرية على برنامج إسرائيل النووي، وكان خوفه من المعارضة الداخلية والخارجية (خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية) للمشروع، وبلغت شدة الحرص على السرية والغموض إلى أن بن جوريون والمجموعة القائمة على ذلك المشروع عملا على عدم كتابة أهداف المشروع النووي على أوراق، بل منع ذكر كلمات ومصطلحات معينة قد تُشير أو يستنتج منها أهداف ذلك المشروع حتى في الاجتماعات السرية بين فريق المشروع.

وكانت المعضلة الكبرى أمام بن جوريون هي معضلة التمويل، خصوصًا أن إسرائيل مثقلة بأعباء اقتصادية نتيجة توسع الهجرة للدولة، وكذا ارتفاع ميزانية التسليح الإسرائيلية نتيجة خوف الدولة العبرية الشديد من التغيرات السياسية والاستراتيجية في تلك الفترة (إتمام الوحدة المصرية السورية، وسقوط حلف بغداد) ولعل ما يُظهر تلك المشكلة ما قاله بن جوريون في جلسة لمجلس الوزراء: إن الحرب لم تستطيع تركيعنا، وأخشى أن يقوم الإفلاس بهذه المهمة.

ثم ترك بن جوريون الكلمة لوزير المالية بن عازر كابلان، والذي شرح الحالة الاقتصادية لإسرائيل قائلًا: إن إسرائيل تلقت تبرعات قدرها 90 مليون دولار من يهود العالم، بينما كانت نفاقاتها 263 مليون دولار، وذلك أنشأ حالة عجز شديدة لم نعد نستطيع مواجهتها. وساد صمت الإحباط على الاجتماع.

إلا أن الحل جاء من رئيس الحركة الصهيونية العالمية ناحوم جولدمان، الذي عرف من بن جوريون بالحالة الاقتصادية البائسة للدولة العبرية، ويضيف جولدمان أنه عندما كان يتابع محاكمات نورمبرج للقادة النازيين عن جرائم الحرب، وتحديدًا بحق اليهود، جاءته رسالة من وزير مالية إسرائيل يسأله فيها إن كان يستطيع تدبير 100 ألف دولار على عجل، وكان جولد مان مرتعبًا من دولة تحتاج إلى 100 ألف دولار بهذه السرعة واللهفة. وتبرق في ذهن جولد مان الفكرة المنقذة للدولة العبرية وهي: أن تعوض الدولة المسئولة عن عذاب اليهود (ألمانيا) وريثهم السياسي (إسرائيل)!

وقابل جولدمان مستشار ألمانيا أديناور وعرض عليه الفكرة، ووافق مستشار ألمانيا على الفكرة، وبينما هو يتفاوض على قيمة التعويض جاءت لجولد مان رسالة من الحكومة الإسرائيلية تطلب منه الاستعجال؛ لأن دولة إسرائيل على وشك الانهيار، وبعد مفاوضات اتفقوا على أن ألمانيا ستعطى لإسرائيل 1.5 بليون دولار، لكن الغريب أن إسرائيل عادت لتطالب بالمزيد، ويقول جولد مان في مذكراته: أننا بدأنا بطلب 1.5 بليون دولار، وانتهينا وقد دفعت ألمانيا لإسرائيل 60 بليون دولار. وكانت عملية إنقاذ إسرائيل ومشروعها النووي تتم بنجاح منقطع النظير.

وكان المصدر الثاني لتمويل البرنامج النووي الإسرائيلي هو حملات التبرعات من أغنياء اليهود في العالم التي نظمها بن جوريون وبيريز، بالإضافة إلى ما شكله بيريز عام 1960 مجموعة تضم أهم واغنى اليهود في العالم المتبرعين للمشروع النووي الإسرائيلي أطلق عليها (لجنة الثلاثين) والتي ضمت البارون إدموند دي روتشيلد من باريس، وإفراهام فاينبيرج من نيويورك وغيرهما، وكانوا هؤلاء يدفعون لمصلحة ما كان يطلق عليه السلاح المميز.

2- تطور على طريق صناعة القنبلة

إن إسرائيل وفرنسا اتفقوا على العمل ضد الزعيم القومي العربي جمال عبد الناصر وذلك الاتفاق هو الذى قاد إلى عقد اتفاقية سيفر بين كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل للعدوان على مصر عام 1956، وقد تعهدت فرنسا بأن تعطى لإسرائيل مفاعلًا نوويًا من طراز E .L.3، وأن تشارك في توفير 10 أطنان من الماء الثقيل جاءت فيما بعد من النرويج . ثم إن فرنسا سوف تساعد في تركيب المفاعل وتشغيله، وبعد انتهاء العدوان. 

 وحدث أن بورجيس مانورى وزير الدفاع الفرنسي تولى رئاسة الوزراء بعد سقوط رئيسه السابق جي موليه، وقام مانوري بدعوة شيمون بيريز إلى باريس ليقول له:

إن فرنسا لم تغير أهدافها، وأنها ما زالت مُصممة على دعم أمن إسرائيل إلى النهاية، وأنه قرر أن المفاعل النووي الذي تقدمه فرنسا لإسرائيل يجب أن يكون بضعف طاقة الأول حتى تستطيعوا أن تفعلوا ما تريدون.

مفاعل ديمونة بدأ يُنتج البلوتونيوم سنة 1964 وبعد سنتين، وطبقًا لتقرير نوقش في لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس الأمريكي، فقد اتضح أن هذا المفاعل قد أنتج فعلًا سنة 1966 كمية من البلوتونيوم تسمح بصنع قنبلة ذرية بحجم 19 كيلو طن، أي أنها تعادل القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما في أغسطس (آب) من سنة 1945.

وابتداءً من سنة 1966 فإن هذا المفاعل راح يُنتج كل سنة تقريبًا مثل هذه الكمية من البلوتونيوم التي تسمح بصنع قنبلة ذرية واحدة من نفس هذا الحجم، حجم هيروشيما ونجازاكي.

لقد كان التصور السائد لدى كل الخبراء هو أن الجزء الصعب في صنع القنبلة الذرية هو (عملية إثراء اليورانيوم)، فقد كانت هذه هي العملية التي اقتضت أكبر وأصعب الجهود. الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وفرنسا، ومنها ترسخ الاعتقاد بأن إنتاج القنبلة الذرية يحتاج إلى مجمعات صناعية وكيميائية هائلة.

وحين قدمت فرنسا كثيرًا من المساعدات لإسرائيل فيما بين سنة 1957 وسنة 1961، وحين قدمت إدارة المخابرات المركزية مساعدات أخرى لإسرائيل في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات. حين حدث ذلك كله فقد كان الظن بأن إسرائيل سوف تعرف الحقائق العلمية في صنع القنبلة، ولكن الوسائل العملية لصنعها فعلًا سوف تظل بعيدًا عن متناول يدها إلى وقت طويل.

بقى الظن كذلك إلى أن حدث شيء مخيف حامت الشكوك حول حدوثه، ولكنه لم يصبح مؤكدًا إلا سنة 1974، حينما تقدم اثنان من العلماء الإسرائيليين، هما الدكتور بنين زاهل، والدكتور مناحيم ليفين، وكلاهما من خبراء وزارة الدفاع الإسرائيلية، بطلب في ألمانيا الغربية لتسجيل اكتشاف علمي توصلا إليه واستطاعا به استعمال أشعة الليزر في فصل اليورانيوم 235 عن اليورانيوم الطبيعي، وقد عرضت بعض تفاصيل هذا الاكتشاف على هيئة الطاقة الذرية الأمريكية، وكان تعليق نائب رئيسها ريتشارد ليفي كما نقلته عنه مجلة العلوم الأمريكية هو قوله:

إنني أتمنى أن لا يكون ذلك صحيحًا، ومع ذلك فما أغربها من طريقة لإعلان وجود برنامج للأسلحة النووية. إنها جعلتنا جميعًا نرتعش إلى أعماقنا.

ثم نقلت نفس المجلة عن أحد أساتذة أشعة الليزر قوله:معنى ذلك أن الإسرائيليين يستطيعون بناء قنبلة ذرية في بدروم بيت عادي! وقد علق الأستاذ روبرت جيليت في كتابه (إثراء اليورانيوم)، وهو أهم المراجع في تخصصه، بقوله: إن معنى استعمال أشعة الليزر في إثراء اليورانيوم أنه من الآن فصاعدًا لم يعد من الصعب تنفيذ برامج إنتاج الأسلحة النووية، ولم يعد من الصعب أيضًا إخفاؤها.

3- مشاهد لظهور القنبلة النووية الإسرائلية فى ميادين الحروب العربية!

المشهد الأول – هو مشهد استطلاع الطائرات العسكرية المصرية يوم 17 مايو (أيار)  1976 لإسرائيل وقد تحدثت عنه تفصيلًا في مقالي قصة مثيرة من حرب يونيو (حزيران) 67، وخلاصة القصة أن قيادة الجيش المصري وقتها (عبد الحكيم عامر) أراد اختبار قوة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ولذلك أرسل طائرتي استطلاع لاختراق المجال الجوي الإسرائيلي من (إيلات إلى بئر سبع إلى الخالصة إلى سد بوكر)، ثم عادتَ الطائرتان بسلام. كانت تلك الصورة في مصر.

وأما في إسرائيل كانت الصورة مغايرة تمامًا والسبب مفاعل ديمونة!

يظهر في الملفات أولًا : تقرير من الجنرال إسرائيل ليور (مدير المكتب العسكرى لرئيس الوزراء) بأن عمليات الاستطلاع الجوي المصري (أثناء اختراقها لمنطقة النقب الجنوبي) مرت فوق منطقة ديمونة، وذلك في تقدير ليور: يكشف أن (التسهيلات النووية الإسرائيلية قد وضعت كأولوية أولى في خطط مصرية للحرب، ومجلس الوزراء المصغر سوف يبحث هذا الأمر الخطير، ولدينا مذكرة من رئاسة الأركان وقد طلبنا تقريرًا جديدًا من المخابرات العسكرية عن حسابها للاحتمالات بعد ما حدث).

وتظهر في الملفات ثانيًا: مذكرة كتبها الجنرال ييجال آللون، وهو عضو رئيسي في لجنة الأمن والدفاع في مجلس الوزراء تقول: (من الواضح الأن أن مفاعل ديمونة على رأس قائمة الأهداف المصرية، وهذا في حد ذاته يفرض على إسرائيل أن تقوم بشن حرب وقائية ضد مصر لأن أي تهديد لـ(ديمونة) تهديد للرادع النهائي الضامن لأمن إسرائيل).

ثم يظهر في الملفات ثالثًا: تقرير مراجعة قامت به هيئة المخابرات العسكرية (آمان) وهو بتوقيع الجنرال أهارون ياريف جاء فيه نصًا: (أنه يبدو الأن أن النوايا المصرية لا يمكن اعتبارها مظاهرة سياسية، وإنما عملية عدوانية)!

ثم يظهر في الملفات الجنرال (إسحاق رابين) رابعًا: أنه حين قرأ رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول هذا التقرير بالمراجعة لهيئة المخابرات العسكرية الإسرائيلية التفت إلى ناحيته وقال له: (إنها الحرب.. أقول لك إنها الحرب سواء أردنا أو ترددنا).

وعندما صدر في مصر قرار إغلاق خليج (العقبة) مساء 21 – 22 مايو كان رئيس وزراء إسرائيل يُرجح أن هذا القرار هو (الذريعة) لضرب مفاعل (ديمونة).وطبقًا لمحضر اجتماع للجنة الأمن والدفاع في مجلس الوزراء، فإن أول تعليق لأشكول على القرار كان قوله: (أظن أن نواياهم الحقيقية ليست في خليج العقبة، فهم يعرفون أن بواخرنا العابرة من مضايق (تيران) تكاد (لا تظهر هناك)، ولذلك فإن الحصار الذى ضربوه على المضايق غير مفيد في الواقع العملي. والتفسير المُقنع في رأيي هو أن هذه الخطوة (إغلاق الخليج) تصاعُد مقصود يُريد خلق الأعذار لعمل من جانبنا، يردون عليه هُم بضرب (ديمونة)، والغالب أن ذلك هدفهم من التصعيد).

وبعدها ذهب رابين (رئيس أركان الجيش الإسرائيلى) إلى المُعلم دافيد بن جوريون خائفًا مرتعدًا ليسمع نصائحه في تلك الأزمة، وسأله بن جوريون: (هل الأمريكان معكم بالكامل؟) وأجاب رابين: (لا أستطيع أن أقول بالكامل، ولكن تقريبًا). وهنا علا صوت بن جوريون وخبط رابين على كتفه وصاح فيه قائلًا جملته التي عُدت من يومها إلى اليوم قانون تسير إسرائيل عليه:

إيشيا (تدليل إسحاق) فى الحرب لا يوجد شيء اسمه تقريبًا.. فيما يتعلق بمصير إسرائيل لا يوجد شيء اسمه تقريبًا

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٢‏ شخصان‏

أي أن مفاعل ديمونة كان سببًا رئيسًا في عدوان يونيو 67.

المشهد الثاني – هو مشهد شيمون بيريز عندما وجد الخلافات تتسع وتكاد تتحول إلى عراك بالأيدي بين الجنرالات (وايزمان، وشارون، ورابين) والساسة (ليفي أشكول، وجولدا مائير، وإسرائيل جاليلي) في إسرائيل قبل حرب يونيو 67،  وقد كتبت القصة تفصيلًا في مقالي (سر الانقلاب العسكري في إسرائيل عشية حرب يونيو 67)  وخلاصة القصة أن كُلًا من الساسة والجنرالات كانوا مصممين على ضرب عبد الناصر في القاهرة وإنهاء أسطورته، ولكن قبل الحرب مباشرةً حدث الاختلاف بين الساسة والجنرالات بسبب طلب الساسة من الجنرالات الصبر قليلًا قبل افتتاح الحرب حتى يتم التأكد من موقف الولايات المتحدة الأمريكية بشكل تام ونهائي، في حين أن الجنرالات يرون ويقولون:أن الحرب الآن.. الآن وليس غدًا!

وفي ذلك الاجتماع الذي تم بين رئيس الوزراء وقتها ليفي أشكول وبين الجنرالات تحرج موقف أشكول الذي بدا غير واثق من نفسه بعد أن أهانه الجنرالات، واتهموه صراحة بالجبن والتخاذل، والعجز عن تزعم وزارة حرب، وطالبوه بالتنازل عن منصبه لبن جوريون، وبإعادة موشى ديان مرة أخرى من الاستيداع، والأهم نقل تبعية السلاح الأهم في الترسانة الإسرائيلية (القنبلة النووية) من رئيس الوزراء لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي.

وفي تلك اللحظة المعبأة بالخلافات والمؤامرات والأحقاد والضغائن ذهب شيمون بيريز إلى كلٍّ من وزير الدفاع ديان وبعده لرئيس الوزراء أشكول يهمس في آذانهم قائلًا لهم اقتراحًا لم يخطر على بال أحد غيره كالعادة! قال:

إن الوزارة في تلك اللحظات تواجه طلبًا أمريكيًا بالانتظار حتى يتأكدوا من تثبيت موقف السوفييت، والاطمئنان على موقف أصدقائهم العرب من الملوك (الملك فيصل في السعودية، والملك حسين في الأردن). والكل مع تصميمه على ضرورة ضرب ناصر وإهانته مترددًا في اللحظات الأخيرة تحسُبًا لوقوع خسائر كبيرة، واقتراحي عليكما ما يلي: أن تُعلن إسرائيل الآن وفورًا أنها سوف تُجرى تجربة على جهاز نووي. ويُضيف بيريز: إنه على حد علمي فإن إدارة مشروع رافائيل (الجهة المسئولة عن المشروع النووي الإسرائيلي) لديها ما يُمكن أن تجربه، وبعد ذلك (وفق تقديره) فإن مجرد صدور إعلان بهذا المعنى كفيل بإسقاط ناصر. لأن الجيش والشعب في مصر كليهما سوف يدركان أنهما أمام قوة نووية، وحينئذ تنتهى المعركة قبل أن تبدأ.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏‏أشخاص يجلسون‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏

أي أن السلاح النووي كان حاضرًا، بل مطروحًا في حرب يونيو 67 .

المشهد الثالث – وهو مشهد اجتماع لمجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ويومها عاد وزير الدفاع ديان من استطلاع للجبهة المصرية، وكذا للجبهة السورية منهارًا، وبعد استعراض الأوضاع على جبهات القتال. قال ديان: إنه الأسلوب الروسي، لقد عبر المصريين في حماية ألف مدفع، ثلاث سنوات يا جولدا من إعداد المصريين والسوريين مع السوفييت. وأضاف: نصيحتى هي الانسحاب العام لتقصير الخطوط الإسرائيلية.

وهي نصيحة رفضتها جولدا مائير، واستدعت الجنرال حاييم بارليف من الاستيداع لكي يساعد في إدارة المعارك على الجبهة السورية أولًا، ثم على الجبهة المصرية بعدها قائلةً له بمرارة تشوبها السخرية القاتلة:

ديان.. ديان العظيم.. يأتي الآن ينصحني أن آمر بانسحاب عام! لن يحدث هذا يا جنرال!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٢‏ شخصان‏

وأضافت جولدا مائير ردًا على دايان:أتفهم أنه ليس هناك سبب يمنعهم من الاستمرار . إنهم ذاقوا طعم الدماء. و هم يريدون القضاء على إسرائيل والقضاء على اليهود، وخراب الهيكل من جديد. على الأمريكان أن يفهموا ذلك،على كيسنجر أن يعي ذلك، إن مستقبل إسرائيل على المحك، أنا جاهزة لأسافر سرًا إلى واشنطن وألتقي بنيكسون وكيسنجر، عليهم أن يعوا خطورة ما نوجهه اليوم.

ثم تكمل مائير وتشير إلى احتمالية استخدام أسلحة نووية قائلة:

سأقول لهم إن لم تساعدونا فسوف نفتح أبواب الجحيم، وسنهدم المعبد على رؤوس الجميع، وليس على رأسنا وحدنا.

ومرة ثالثة كان  السلاح النووي حاضرًا، بل مطروحًا كحل أخير (في سيناريو ميكرع هاكول الذي وضعه بن جوريون في الخمسينات) في حرب أكتوبر (تشرين) 1973.

وأخيرًا

يقال إن الصورة لا تكذب، وأن الحقيقة المُرة خيرٌ ألف مرة من الأوهام الحُلوة، إلا أن القيادات العربية استطاعوا أن يثبتوا أن الصورة في الشرق الأوسط أكبر محترف للكذب! فقد قلب هؤلاء القيادات الصورة، ورأوا ما لم يره غيرهم حتى داخل الكيان الإسرائيلي المحتل! فأصبح رجال مثل عزرا وايزمان وإسحاق رابين وشيمون بيريز وحتى إسحاق شامير ومناحم بيجن وأرئيل شارون وبنيامين نتنياهو (كلهم ارتكبوا مجازر بحق العرب) في نظرهم أنبياء سلام ورسُل محبة وقديسين من أجل رفاهية البشرية! والثابت أن القيادات العربية فضلوا الأوهام الحُلوة على الحقيقة المُرة، وذلك ثابت بأقوالهم عن: عملية السلام، وتصفية الأجواء، وإسقاط الحاجز النفسي. ولعلهم يصدق عليهم قول أمير الشعراء أحمد شوقي: إن الذين آست جراحك حربهم .. قتلك سلمهم بغير جراح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الوثائق الإسرائلية - محمد حسنين هيكل.
سياسة إسرائيل النووية وعملية صنع القرار فيها - د. محمود محارب.
الخيار شمشون - سيمور هيرش.
تقرير لجنة أجرنات (انتصار أكتوبر فى الوثائق الإسرائلية) . إبراهيم البحراوى.
المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل (1) - محمد حسنين هيكل.
عرض التعليقات
تحميل المزيد