هذا هو الجزء الثالث من موضوعي عن التغيرات الاستراتيجية التي تُجرى في إسرائيل اليوم، كنت في الجزء الأول تحدثت عن استراتيجية إسرائيل في الصراع مع العرب ودور العنصر النووي فيها، وفي الجزء الثاني تحدثت عن كيف بنت إسرائيل قنبلتها؟ وكيف تغلبت على أهم العقبات التي واجهتها؟ وأهم المشاهد لظهور القنبلة النووية الإسرائيلية في ميادين الحروب العربية، واليوم أتحدث عما يدور في إسرائيل اليوم من نقاشات ومشاورات في مواقع صُنع القرار في مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر (الكابينت) ولجنة الدفاع والأمن القومي بالكنيست الإسرائيلي والمؤسسات البحثية المتنفذة مثل مركز أبحاث الأمن القومي بتل أبيب، ومركز بيجن السادات، ومؤتمر هرتزيليا.

التفاهمات الأمريكية الإسرائيلية بشأن المشروع النووي

في 10 مارس (أذار) 1965، وقعت إسرائيل وأمريكا مذكرة تفاهم، وتناولت المذكرة العلاقات الثنائية، وتم الاتفاق فيها على صيغة تفاهم بشأن المشروع النووي الإسرائيلي، وقد التزمت إسرائيل في هذه المذكرة «بأنها لن تكون الدولة البادئة بإدخال سلاح نووي إلى المنطقة».

وفي عهد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، كتب مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر مذكرة للرئيس جاء فيها: «إن أمريكا لا تستطيع إرغام إسرائيل على تجميد مشروعها النووي، كما أنها لا تستطيع إجبارها على تفكيك قنابلها النووية». وبناء على ذلك يقترح كيسنجر أن تستند سياسة الولايات المتحدة تجاه هذه المسألة: «إلى التمييز بين امتلاك إسرائيل السلاح النووي علانيةً وامتلاكه سرًا».

وأشار كيسنجر إلى أن «امتلاك إسرائيل سلاحًا نوويًا يزيد في الأخطار في الشرق الأوسط»، إلا أنه قال «إن خطورة علنية امتلاك إسرائيل للسلاح تكاد تساوي خطورة امتلاكها له». لذلك وبما أنه لا يمكن لأمريكا تجريد إسرائيل من سلاحها النووي أو تجميد مشروعها النووي، ولهذا ينبغي أن تكون سياسة أمريكا تجاه هذه المسألة الحفاظ على سرية امتلاك إسرائيل لهذا السلاح».

وكان ذلك التوجيه والتمييز بين الامتلاك العلني للسلاح النووي والامتلاك السري له هو الذي شكل الأرضية الصلبة للتفاهم التاريخي الذي جرى بين الرئيس الأمريكي نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير والذي كانت أبرز نقاطه:

وقف الضغط على إسرائيل لحضها على توقيع معاهدة الحظر النووي، وكذلك وقف زيارات الرقابة التي كان يقوم بها العلماء الأمريكيون لمجمع ديمونة، في حين التزمت إسرائيل عدم إعلان حيازتها أسلحة نووية وعدم إجراء تجارب نووية علنية.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏أشخاص يجلسون‏‏ و‏بدلة‏‏‏

تجديد التفاهم النووي مع كل رئيس أمريكي منتخب

كانت إسرائيل تخشى ألا تلتزم أي إدارة أمريكية جديدة تأتي عقب إدارة نيكسون وتفاهمه مع جولدا مائير في شأن وضع إسرائيل النووي، وخاصةً أن هذا التفاهم ليس مُلزمًا من الناحية القانونية للإدارة التالية، وقد كشف عوزي أراد «رئيس مجلس الأمن القومي» الإسرائيلي الأسبق، والمستشار السابق لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تقوم «بتجديد» هذا التفاهم مع كل رئيس أمريكي منذ عهد الرئيس جيرالد فورد وحتى الرئيس باراك أوباما.

وقد واجهت إسرائيل مشكلة في ذلك الموضوع مع رئيسين جورج بوش الأب، وبيل كلينتون، لأنهم اهتموا بمبادرة نزع السلاح النووي من الشرق الأوسط، وقد نجحت إسرائيل في إحباط المبادرة، وقد استغل نتنياهو رغبة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في عقد اتفاقية سلام مع الفلسطينيين، من أجل الحصول على إنجاز في مصلحة إسرائيل بشأن الملف النووي الإسرائيلي. فقد حصل نتنياهو على تعهد أمريكي مكتوب ينص على:

أن الولايات المتحدة لن تُضعِف قُدرة الردع الإسرائيلي في أي مبادرة تتعلق بنزع الأسلحة النووية من الشرق الأوسط.

وفي لقاء لشيمون بيريز (وهو وزير الخارجية وقتها في حكومة إسحاق رابين) بالمسئولين في القاهرة، سُئل بيريز عن أسلحة إسرائيل النووية، فزاغ من الإجابة بالعودة للتاريخ قائلًا: (لقد قيل لنا إنه بين الأسباب التي دفعت الرئيس السادات للذهاب للقدس سنة 1977 هو خوفه مما قيل إنه لدينا أسلحة نووية. ونحن لا نعرف إذا كان ذلك عنصرًا مؤثرًا في تفكيره أم لا. ولكننا نعرف أن أحسن ما فعله هو أنه جاء إلينا بعرضه العظيم للسلام. إن أصدقاءنا المغاربة قالوا لنا إنهم سمعوا منه أن الذي أتى به إلينا في القدس هو قلقه من مفاعل ديمونة، وقد ذكروا لنا أنه في حديث معهم كرر الإشارة إلى ديمونة خمس أو ست مرات. وأحسوا من جانبهم أن ذلك كان عنصرًا أساسيًا في تفكيره).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏‏أشخاص يجلسون‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏

السباحة في بحر متلاطم!

منذ فترة طويلة تقوم مؤسسة الأمن الإسرائيلية بمراجعة التطورات الدولية والإقليمية حولها، وكان أبرز التقييمات التي عُرضت مؤخرًا على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ما نشرته جريدة يديعوت أحرونوت، وكان أهم ما فيه:

إن سياسة الحكومة والجيش الإسرائيلي في مجال الردع «وصلت إلى طريق مسدود»، صحيح أن التمركز العسكري الإيراني بسوريا تم لجمه، إلا أن الردع الإسرائيلي تجاه إيران وسوريا لم يعد قائمًا كالسابق.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏‏لحية‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏‏

  • الصواريخ والقذائف والبالونات الحارقة، مستمرة بالسقوط، حتى عمليات القنص ضد جنود وضباط الجيش، تتطلب من إسرائيل إعادة النظر في قوة الردع، واتخاد قرارات دراماتيكية على الجبهتين.
  • استراتيجية الردع الإسرائيلية، وصلت إلى طريق مسدود، فالجيش لم يعد قادرًا على فرض تهدئة بغزة، أو حتى الحفاظ عليها، حتى إن الجيش الإسرائيلي لم يعد قادرًا على خلق وضع مستقر بالجنوب، ليشعر سكان الغلاف بالأمن.
  • الإيرانيون وحلفاؤهم بالمنطقة، ورغم الضربات التي يتلقونها، ما زالوا يحافظون على سخونة الجبهات مع إسرائيل، في الجنوب والشمال، إطلاق طائرات مسيرة بدون طيار، وإطلاق صواريخ وإطلاق نار على الجبهتين، والحلول «الجزئية» التي تقدمها إسرائيل، لهذه القضايا، تدل على أن قوة الردع الإسرائيلية، وصلت إلى ذروة ضعفها.
  • على الجيش الإسرائيلي إعادة النظر في سياساته الأمنية والعسكرية، خصوصًا على الجبهة الجنوبية، فحتى الآن لا يوجد تهدئة على الجبهة الجنوبية، الهدف من استمرار التوتر بالجنوب، هو جر الجيش لمعركة، بهدف قتل وأسر جنود إسرائيليين جدد، من أجل الإفراج عن أسرى فلسطينيين.
  • حماس تحافظ على حالة التوتر، ومعنية بعدم التوصل إلى تهدئة حتى تحقق مطالبها وأهدافها السياسية والعسكرية، وهو رفع الحصار عن غزة. لذلك تغض حماس البصر عن نشاطات التنظيمات العسكرية المسلحة الأخرى بغزة، وتحافظ على استمرار ظاهرة البالونات الحارقة، حتى تستجيب إسرائيل ومصر والسلطة والأمم المتحدة لمطالبها.

ويُضيف التقرير:

تدل الأحداث الأخيرة بالجنوب على إفلاس السياسة الإسرائيلية أمام حركة حماس، وضعف قوة الردع أمامها، ويشهد بذلك سكان مستوطنات غلاف غزة، الذين يؤكدون أن ردود الجيش الموجعة لحماس، لم تردعها عن الاستمرار بالتظاهرات والنشاطات الأمنية على طول الحدود.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٣‏ أشخاص‏

حماس تحافظ على وتيرة التوتر، حتى تحقق مصالحها، وعلى الجيش اتخاذ قرارات جديدة ودراماتيكية في سياسة الرد والردع ضد حماس بغزة.

ويُكمل التقرير: بعد وقتٍ قليل من بدئه لولايته الثانية رئيسًا لوزراء إسرائيل في مارس (آذار) 2009، أمر بنيامين نتنياهو الجيش الإسرائيليّ بوضع خطّة لهجومٍ عسكريّ على المُنشآت النوويّة الإيرانيّة. وعلى الفور، بدأ سلاح الجو وأجهزة الاستخبارات بالعمل على الأمر. وقد تكلّفت هذه التحضيرات لوحدها في نهاية المطاف، وفقًا لإيهود أولمرت، ما يقربُ من ثلاثة مليارات دولار.

إنّ اختفاء التهديدات التقليديّة لأمن إسرائيل لم ينجم عن الفوضى الإقليميّة فحسب، بل نتج أيضًا عن تسليم هذه الدول بالتفوّق العسكري الإسرائيلي. فعندما يتعلّق الأمر بالقادة العسكريّين والتكنولوجيا الدفاعيّة والقوّة الجويّة والأجهزة الاستخباريّة، تمتلكُ إسرائيل قدراتٍ متفوّقة بشكلٍ ضخم على جيرانها. وقد جعلت انتصاراتها في غالبيّة حروبها مع العرب منذ العام 1948 هذا التفوّق أمرًا غير قابلٍ للتشكيك. بسبب هذا جزئيًّا، تتجنّب سوريا منذ العام 1973 المواجهة مع إسرائيل، فيما وقّعت كلٌ من مصر والأردن اتّفاقيّة سلام مع إسرائيل.

إصلاحات إيزنكوت

بعد وقتٍ قصير من تعيينه رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي، قام  بتقديم خطّة خمسيّة لتنظيم الجيش من أجل التعامل مع التغييرات التي طرأت على بنيته. فبنهاية عام 2017، قام الجيش بتقليص أعداد الضباط البالغ عددهم الآن 45 ألفًا بمقدار 5 آلاف ضابط، واستغنى عن خدمات عشرات الآلاف من جنود الاحتياط من كبار السن غير المؤهلين وغير المدربين بشكلٍ كافٍ، بالإضافة لحلّ العديد من الألوية المُدرّعة والتي قام بعضها باستخدام دبابات «باتون» التي تعود لحقبة الستّينيات حتى وقتٍ قريب. وقد كشف سلاح الجو النقاب عن نيّته التخلّص من الطائرات الحربيّة القديمة التي تبلغ من العمر 40 عامًا بما فيها طائرات من طراز «F-15» و«F-16»، وشراء أسطولين جويّين على الأقل (ما يقارب 50 طائرة) من المقاتلات الحربيّة من طراز «F-35» من الولايات المُتّحدة. قد تعهد إيزنكوت، كما فعل أسلافه، بالاستثمار بسخاء في مجال الوحدات الاستخباريّة والحرب الإلكترونيّة.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٣‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يجلسون‏‏‏

 لكنّ إيزنكوت، على نقيض أسلافه، يعترف بأنّ التفوق التكنولوجيّ للجيش الإسرائيلي قد لا يكون كافيًا للانتصار على أعدائه غير التقليديّين. ومن أجل سدّ هذه الثغرة، أعاد إيزنكوت التركيز على تدريب الجيش على نمط حرب العصابات وتحديث هيكليّة القوّات البريّة من خلال إنشاء لواء «كوماندوز» جديد وتنقيح الخطط التنفيذيّة للجيش والمعدّة للدفاع عن حدود إسرائيل وذلك من أجل تجهيز وحدات النخبة لأيّ عملٍ هجومي. بالإضافة لذلك، فإنّ سلاح الجو والجيش والوحدات الاستخباريّة يعملون في الوقت الحاضر على تحسين قدراتهم على التنسيق وتبادل المعلومات في حال نشوب حرب مع حزب الله.

وفى ضوء ذلك الوضع، أتى النقاش العنيف أحيانًا والعاصف أحيانًا أخرى حول ضرورة تغيير الاستراتيجية النووية الإسرائيلية.

موقف أنصار سياسة الردع النووي العلنية

يدعو هذا الفريق إلى:

  • التخلي عن سياسة الغموض النووي واعتماد سياسة الردع النووية العلنية.
  • أن تشكل سياسة الردع النووي العلنية الإسرائيلية النقطة المركزية في نظرية الأمن الإسرائيلية بدلًا من الأسلحة العسكرية التقليدية الإسرائيلية.
  • أن تستند سياسة الردع النووي العلنية الى التهديد بضرب أهداف ذات «قيمة عُليا»، أي التهديد بتدمير المدن العربية الكبرى في العالم العربي، علاوة على السدود الكبرى فيها، وذلك بهدف ردع الدول العربية عن شن حرب على إسرائيل، فإذا ما أقدمت دولة أو مجموعة دول عربية على شن حرب على إسرائيل، أو قامت بعمليات واسعة ضدها، فإنها تدرك مسبقًا أنها بذلك تُعرض نفسها لأشد أنواع العقوبة النووية.

ويُضيف هذا الفريق أن في إمكان القنابل النووية الإسرائيلية الحالية أن تدمر أهدافًا مدنية ذات قيمة عُليا في الدول العربية من ثلاث إلى خمس مدن كبرى ذات قيمة استراتيجية عليا، وستقود إبادة هذه المدن إلى إبادة ما يقارب 30% من مجموع سكان كل دولة من هذه الدول، واقترحوا المدن المُعرضة للضربات النووية الإسرائيلية كالتالي:

  • في مصر: القاهرة والإسكندرية والجيزة وأسوان. في سورية: دمشق وحلب وحمص. في العراق: بغداد والبصرة والموصل. في السعودية: الرياض ومكة وجدة والطائف. في الأردن: عمان والزرقاء وإربد. في لبنان: بيروت والجنوب بأسره. لبيا:طرابلس وبنى غازي.

ويُضيف هذا الفريق أن سياسة الردع النووي – العلنية أفضل من سياسة الغموض النووي للأسباب التالية:

  • أنها أكثر من سياسة الغموض صدقية ووضوحًا وفاعلية.
  • أنها توجب إيجاد عقيدة لاستخدام السلاح النووي، وبذلك تقلص استخدام السلاح النووي بشكل غير مُلائم وغير محسوب.
  • أنها تُشجع النخب الحاكمة في الدول العربية على إجراء حوار استراتيجي مع إسرائيل، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى التوصل إلى تفاهمات بخصوص الخطوات التي على هذه النخب الحاكمة الامتناع عن القيام بها لكي تتجنب التعرض لضربة نووية.
  • أنه على الرغم من سياسة الغموض النووي الإسرائيلية تعتبر دول الشرق الأوسط والعالم إسرائيل دولة نووية، وبالتالي لا يغير تبني إسرائيل سياسة نووية علنية انطباع هذه الدول في شأن وضع إسرائيل النووي.
  • يقود تبني إسرائيل سياسة نووية علنية إلى تعزيز المناعة الداخلية فيها، وإلى تخفيف القلق المزمن من الحرب مع العرب أو غيرهم.
  • لم تفلح سياسة الغموض النووي في منع كثير من الدول في الشرق الأوسط من السعي للحصول على السلاح النووي.
  • تُخفف السياسة النووية العلنية الإسرائيلية من أعباء ميزانية الأمن الباهظة الموجهة لتعزيز القوة العسكرية الإسرائيلية بالأسلحة التقليدية.
  • يقود خفض ميزانية الأمن إلى تخفيف اعتماد إسرائيل على السلاح والتمويل الأمريكيين.
  • يقود تبني سياسة نووية علنية إلى سن ووضع أنظمة وقوانين علنية في إسرائيل تتعلق بالمسألة النووية الإسرائيلية في مختلف جوانبها، وبخاصة فيما يرتبط بعملية صنع القرار في المسألة النووية.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏سماء‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

موقف أنصار التمسك بسياسة الغموض النووي الإسرائيلي

استند مؤيدو سياسة الغموض النووي الإسرائيلي إلى الأسباب التالية:

  • تمنح سياسة الغموض النووي الإسرائيلي مكانة خاصة على الصعيد الدولي، فما دامت إسرائيل تتمسك بهذه السياسة، ولا تعلن نفسها دولة نووية، ولا تجري تجربة نووية علنية، فإنها لا تعتبر دولة نووية، وأما إذا تبنت سياسة نووية علنية من دون التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن دون نيل موافقتها، فإن ذلك يُضر بعلاقات إسرائيل بالولايات المتحدة الأمريكية.
  • إن حفاظ إسرائيل على سياسة الغموض النووي يمكنها من الادعاء أنها تعارض انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. ولكن في اللحظة التي تتخلى فيها إسرائيل عن سياسة الغموض النووي، وتتبنى سياسة نووية علنية، فإنها تفتح الباب واسعًا للشروع في سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط.
  • تعزز سياسة الغموض النووي قدرة إسرائيل على الوقوف ضد الدول في الشرق الأوسط التي تسعى إلى الحصول على السلاح النووي (إيران) والعمل ضدها بشتى الوسائل وعلى رأسها الوسائل العسكرية. ولكن في حالة تبني إسرائيل سياسة نووية علنية، فإن ذلك يسحب الشرعية الدولية من تحت أقدامها للقيام بتلك الوسائل.
  • ساهمت سياسة الغموض النووي في إضعاف دوافع كثير من دول المنطقة للتوجه نحو الحصول على السلاح النووي، وسهلت على متخذي القرارات في دول عربية وخاصةً في مصر، عدم السير نحو تطوير السلاح النووي، وبذلك أثرت سياسة الغموض النووي في النقاش العربي الداخلي في شأن تطوير العرب سلاحًا نوويًا لمصلحة النخب العربية الحاكمة التي تعارض التوجه نحو تطوير سلاح نووي. ولكن إذا أقدمت إسرائيل على تبني السياسة النووية العلنية، فإن ذلك يؤدي لإضعاف موقف النخب العربية الحاكمة المؤيدة للسلام مع إسرائيل، والتي تعارض التوجه للحصول على سلاح نووي، وإلى تعزيز الضغط الداخلي العربي، وبخاصة في مصر للحصول على السلاح النووي بشكل لا يمكن للنخب الحاكمة تحمله والصمود أمامه.
  • لن تُشكل سياسة الردع النووية العلنية بديلًا عن ضرورة الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في الأسلحة التقليدية، فالردع النووي لا يمنع نشوب حرب تقليدية ولا يمنع نشوب حرب تقليدية ولا يمنع العمليات العسكرية المحدودة، ولا أعمال الإرهاب لذلك ستحتاج إسرائيل دومًا إلى تفوقها العسكري في الأسلحة التقليدية على الدول العربية والحفاظ على جهوزيتها واستعدادها للحرب بالأسلحة التقليدية.
  • تمنح سياسة الغموض النووي الإسرائيلي خيار أن تعلن نفسها دولة نووية في الوقت الملائم، إذا رأت أن ميزان القوى العسكري في الأسلحة التقليدية يميل بشكل حاد ضدها ويصُب في مصلحة العرب وإيران.
  • تُبقي سياسة الغموض النووي الباب مفتوحًا أمام إسرائيل لإعلان نفسها دولة نووية، إذا أصبحت دولة في المنطقة دولة نووية.
  • مكنت سياسة الغموض النووي الإسرائيلي من تطوير قدرات «الضربة النووية الثانية» في حال تعرض إسرائيل لهجوم غير تقليدي من إيران أو الدول العربية، فمن الواضح أن إسرائيل ستُقدِم على رد حاسم تجاه الدولة المعتدية عليها.

وأخيرًا

هكذا فكر وخطط الإسرائيليون بالأمس واليوم وغدًا، بينما العرب توقفوا عن التفكير وبالتالى عن الفعل، ولعل ذلك سببه إصابتهم بمرض الهلوسة، ذلك المرض الذي أصابهم منذ عام 1974 وحتى اليوم، وآية ذلك هو ترديدهم من يومها للآن جُملًا وعبارات من عينة السلام الشامل والعادل (دون سلام ودون شمول ودون عدل)، والسلام خيار استراتيجي (أي أن القوي يستطيع أن يفعل ما يشاء دون خوف من أية ردة فعل من الضعيف)، الشرعية الدولية (وهي إشارة إلى القوة دون اعتبار لقانون أو مبدأ)،والتسوية السلمية (بمعنى الاتصال والتفاوض طبقًا لحقائق فرضها السلاح، والسلاح عادةً لا يهتم بقانون!).

ورحم الله الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي قال: «إن العرب  يحبون لعب الطاولة، بينما الإسرائيليون يتقنون لعب الشطرنج».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سياسة اسرائيل النووية-د.محمود محارب.
عرض التعليقات
تحميل المزيد