تحاول هذه الدراسة أن تحلل الأداة الدعائية لإسرائيل، التي استخدمتها في الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث تتناول دور الأداة الدعائية في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي في الفترة من 2008 حتى 2014 كما يلي:

أولًا: تعريف الأداة الدعائية:

ورغم الصعوبات المتعددة لصياغة تعريف جامع للأداة الدعائية؛ توجد أرضية مشتركة بين الدارسين والباحثين فيما يتعلق بالأدوات الدعائية بأن «الأداة الدعائية تهتم بنشر مجموعة أفكار بغية الإيمان بها بشكل عمدي»، ويتفقون أيضًا أنها تهدف للوصول إلى أهدافها من خلال قوة الكلمات والوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة.

ويتسم الإعلام الصهيوني بسمتين أساسيتين:

الأولى: أنه دعاية منظمة ومخططة ذات أهداف إستراتيجية واضحة، فهي تسبق الأحداث وتواكبها ولا تأتي في أعقابها.‏

والثانية: أنه دعاية تركز على تكرار مجموعة من القضايا والدعاوى التي يتم الإلحاح عليها لترسيخها في الأذهان وتثبيتها في ذاكرة الإنسان حتى تصبح بمثابة حقائق يجب التسليم بها.‏

ثانيًا: الأدوات الدعائية التي استخدمتها إسرائيل في الحرب على غزة 2008 (عملية الرصاص المصبوب)

استخدمت إسرائيل كافة أدوات الحرب الدعائية والنفسية بشكل فعال وقوي قد ظهر جليًّا كما يلي:

1) سيكولوجية الأسماء والمصطلحات: عكف خبراء نفسيون إسرائيليون على اختيار اسم للحملة العسكرية؛ فاطلق عليها تسمية ذات وقع نفسي (الرصاص المصبُوب) ليحقق بهذا الاسم حالة من الرعب الداخلي، حيث إن هذا الاسم هو كناية عن القوة والجبروت والمقدرة على السحق، ويعبر عن سخونة وجدية المعركة.

2) التأكيد أن هذه الحرب ضد منظمة حماس الإرهابية، وليست ضد الشعب الفلسطيني للضغط على جبهة المقاومة الداخلية أثناء الحرب.

3) قصف المؤسسات الإعلامية كما حدث مع مبنى فضائية الأقصى، ومبنى جريدة الرسالة، وقصف برج الشروق وبرج الجوهرة المكتظين بالمكاتب الإعلامية الدولية والعربية والمحلية، وقصف بيوت الصحفيين وقتلهم كما حدث مع الصحفي إيهاب الوحيدي وعائلته، والصحفي علاء مرتجي وعائلته. كل ذلك بغرض التأثير في العمل الإعلامي في نقل الحقيقة.

4) تكتيكات الخداع والتمويه الاستباقية (التضليل الاسترخائي): لضمان نجاح تكتيكات عملية التمويه الاستباقية التي لجأ فيها إلى طرق مختلفة وأساليب متنوعة من الخداع والتضليل، التي استبقت الضربة العسكرية.

5) سيكولوجية التوقيت المناسب: إن اختيار التوقيت لشن حرب أو عمل عسكري ما، لا بد أن ينبع من حاجة للعدو، وفي المقابل قد يكون له وقع نفسي ضد الخصم. لذا اختار العدو الحرب على غزة، في هذا الوقت بالذات، لكي يتمكّن من فرض سياسة الأمرٍ الواقعٍ على الأرض –كما كان يحلم- قبل استلام الرئيس الأمريكي المنتخب (باراك أوباما) مهامّ منصبه في 20 يناير 2009.

6) تقمص الحرب ذات النزعة الإنسانية: ففي اللحظة التي تحدث فيها آلته العسكرية القتل والدمار، كان يركز على تقمص بعض الجوانب الإنسانية لتظهر بمظهر الحرب الإنسانية، مثل قيام العدو بإنتاج تقريرًا إذاعيًّا مدته دقيقتان، بثه عبر موجات الإذاعات المحلية، وخصوصًا إذاعة الأقصى والقدس، حاول فيه الظهور أمام العالم بالمظهر الإنساني الحريص على فك الحصار عن غزة أثناء الحرب، بإدخال مئات الشاحنات الإغائية، وقال فيه بأن قيادة الجيش الإسرائيلي تؤكد للفلسطينيين أنهم يحاربون حماس فقط ومواقعها العسكرية.

7) خلق الأزمات للمجتمع (الطرد والتهجير): بإجبار الناس على مغادرة وإخلاء منازلهم بسبب القصف العشوائي المقصود لها من قبل الاحتلال، أو بالإجبار على المغادرة بعد احتلال المنزل من أجل تدميره، أو اتخاذه مكانًا لقنص المقاومين. وقد لاحقهم في القصف في كل مكان؛ مما شكل عليهم ضغطًا نفسيًّا شعر المواطن الفلسطيني من خلاله أنه مهدد في كل مكان يذهب إليه. كما يهدف ذلك إلى تشكيل ضغط على المقاومة ليفرض عليها حالة من الاستسلام.

8) استخدام أسلوب النزف النفسي: من خلال غزارة النيران من جميع الاتجاهات ومن كل أنواع الأسلحة الممكنة برًّا وبحرًا وجوًا؛ لخلق قناعة تتسرب وتتسلل نفسيًّا للمقاتل بعدمية المواجهة، أو بخلق ردة فعل عاطفية بإطلاق مزيد من النيران لاستنزاف ما لدى المقاومة من مخزون، مما يكون له أثر في تقدم الجيش الصهيوني.

9) سيكولوجية تعويم الأهداف (ضبابية الأهداف): وذلك لتفادي الأخطاء الفادحة في حربه على لبنان عام 2006، فلم يحدد الكيان أهدافًا صريحة وواضحة في حربه على غزة، للهروب من المأزق الذي قد يتعرَّض له في نهاية المعركة، وترك الأمور عائمةً، حتى إذا حقَّق أي إنجاز في الحرب يظهر وكأنه الهدف الأساسي منها.

10) استخدام أسلوب الحرب المفتوحة: ومن أبرز أساليب الحرب النفسية العملياتية استخدام أسلوب الحرب المفتوحة التي سعت إسرائيل لإبرازها، وكأنها تتم بين دولتين يقصف كل منهما المدنيين لدى الآخر، وذلك لكي تظهر بأنها في حرب عادلة.

11) استخدام أسلوب التضخيم للخصم: حيث استغلت بعض التصريحات كادعاء المقاومة أنها تملك صواريخ تهدد الكيان الصهيوني، لترسخ بأن الكيان الصهيوني مهدد في وجوده وكيانه؛ مما يخلق انطباعًا عالميًّا بأن الجيش الصهيوني يواجه قوة عسكرية. وقد وقعت الأمم المتحدة في فخ هذه الدعاية، عندما طالبت بوقف لإطلاق النار المتبادل، وكأن الحرب تدور بين دولتين وجيشين على جبهات القتال.

 ثالثًا: الأدوات الدعائية المستخدمة في العدوان على غزة 2012.. (حرب عامود السحاب)

وخلال العدوان (الإسرائيلي) الأخير على قطاع غزة 14/11/2012، استخدمت إسرائيل نفس التكنيكات السابق ذكرها؛ إلى جانب بعض التكنيكات الإعلامية الجديدة كما يلي:

  • تكنيك التضليل: من خلال تقديم معلومات كاذبة، لا أساس لها من الصحة حول أهداف العملية العسكرية، وخير مثال على ذلك عندما لجأ الاحتلال إلى تضليل الرأي العام (الإسرائيلي) بالحديث عن تمكن العملية العسكرية من ردع قدرات المقاومة، وتدمير ترسانتها الصاروخية في الضربة الجوية الأولى، وجاء ذلك على لسان رئيس وزراء إسرائيل إبان الأيام الأولى من استعار الحرب.
  • تعاظم دور الإعلام الجديد في هذه الحرب من صفحات التواصل الاجتماعي، كما سيرد ذكرها في هذا التقرير؛ وارتكزت الدعاية (الإسرائيلية) خلال هذا العدوان على الأساس الديني، وليس أدل على ذلك من تسمية العملية العسكرية باسم من التوراة اليهودية «عامود السحاب»، وعلى صعيد موازٍ ظهر الخطاب الديني باللسان الإسلامي على لسان الناطق باسم الجيش (الإسرائيلي) «أفخاي أدرعي» الذي استخدم آيات من القرآن الكريم لاستعطاف العقل المسلم، ومن أشهر الآيات التي استخدمها: «ومن أظلم من ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها»، في رده على قصف المقاومة لمدينة القدس. وهنا يظهر واضحًا جليًا كيف أن إسرائيل تستخدم كافة وسائل الدعاية والإعلام الجديد ووسائله كمواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك الأكثر رواجًا وانتشارًا؛ للعمل على قلب الحقائق، واستعطاف المتعاطفين مع أعدائها.

رابعًا: الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014 وأدواتها الدعائية

نبذة عن الحرب

اندلعت حرب 2014 على خلفية حادثة خطف ومقتل ثلاثة مستوطنين يهود في الضفة الغربية.

وفي خلال أيام من إعلان العثور على جثث الشبان الثلاثة، بدأ الإسرائيليون سلسلة من الغارات على قطاع غزة يوم الاثنين 7 يوليو 2014، حيث أعلنت الحكومة الإسرائيلية إطلاق عملية عسكرية جوية واسعة ضد القطاع أُطلِق عليها عملية «الجرف الصامد».

الأداة الدعائية الإسرائيلية في الحرب:

فقد استغلت إسرائيل منظومتها الإعلامية في الترويج لفكرة أنهم يحاولون القضاء على حماس، باعتبارهم جماعة إرهابية تهدد أمن مصر وإسرائيل، وتعرقل مسيرة السلام مع الشعب الفلسطيني.

وفي إطار دعايتها تجاه العالم العربي لكسبه في صفها، قامت إسرائيل بتخصيص سابق بوضع متحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي وهو «أفيخاي إدرعي»، بهدف التأثير في الرأي العام العربي، واستخدم «أفيخاي» حسابه على فيس بوك– يوتيوب- وتويتر لمخاطبة الجمهور العربي والفلسطيني لتبرير الحرب على أنها لمكافحة الإرهاب.

دعاية إسرائيل والدول الغربية:

سعت إسرائيل إلى استخدام واجهاتها الدبلوماسية في العالم الغربي لإحراز التأييد اللازم لها في إطار حربها على غزة. فلقد قام دبلوماسيون إسرائيليون في العاصمة الأيرلندية «دبلن» بسحب صور للوحة الموناليزا الشهيرة، حيث أُلبِسَت الحجاب، وظهرت وهي تحمل صاروخًا ضخمًا، وكتبت على الملصقات عبارات تحذيرية من أن الحرب التي تهدد إسرائيل ستصل لأوروبا؛ مثل «الآن إسرائيل ولاحقًا باريس» و«الآن إسرائيل وغدًا دبلن». وقد قامت وزارة الدفاع الإسرائيلية بنشر صورة ظهر فيها مجلس العموم البريطاني وهو يتعرض لهجوم صاروخي. ما دعا آندي سلوتر، النائب العمالي ورئيس مجموعة أصدقاء فلسطين في البرلمان البريطاني بقوله: «تبدو أنها تصرفات فجة في أحسن الأحوال، فالإسرائيليون هم أسياد البروباغندا، وسيعطي هذا التصرف فكرة لأعضاء البرلمان أنهم فقدوا المنظور وخرجوا عن السيطرة». ويُذكر في هذا الصدد أن الحملة الدعائية الإسرائيلية قد تعرضت لسلسلة من الانتقادات، وتم سحبها بعد وضعها على تويتر، خاصةً بعد ما حملته من مبالغة كبيرة في توصيفها للأحداث.

خامسًا: الصفحة الرسمية للمتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي أفيخاي أدرعي كأحد نماذج الإعلام الجديد والتطور في الأدوات الدعائية لإسرائيل: (رؤية تحليلية)

في حديث أفيخاي أدرعي عن وصفه للصفحة يبدأ بتاريخه المدني والعسكري وعشقة للغة العربية في بداية جذابة للقارئ العربي؛ ثم يتحدث عن عشقه لدولة إسرائيل وعن حياته الشخصية، وكيف أنه كان مجرد جندي حتى وصل لهذا المنصب كمتحدث رسمي للجماهير الناطقة بالعربية؛ وعن عشقه لأحد فرق كرة القدم الإسرائيلية، وكيف أنه يعشق وطنه. ثم يستطرد في حديثه عن الهدف الأساسي من الصفحة ومن وظيفته، وهو تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل فيقول: «ولا شك في أن منصبي كناطق رسمي باسم جيش الدفاع الإسرائيلي يحمل في طياته رسالة سامية، باعتباره جسر سلام يربط جيش الدفاع الإسرائيلي والجمهور العربي وكلي أمل في تحقيق حلم راود من سبقونا ويدغدغ مشاعر أجيالنا، ألا وهو السلام بين دولتنا العريقة وجميع دول المحيط العربي».

ومن الملاحظ أن الصفحة يتزايد عدد المتابعين لها، خاصةً في السنوات الأربع الأخيرة لتقارب المليون متابع للصفحة. ويلاحظ على هذه الصفحة أن البعض قد يراها استفزازًا للعرب. لكن الهدف منها واضح ومعلن وبالفعل ينجح فيه أحيانًا وهو ما يرى في التعليقات من العرب على ما يتم نشره؛ فمعظم التعليقات التي تأتي من العرب تكون سب ولعن في شخصه وفي إسرائيل، ثم تأتي تعليقات أخرى غالبًا بين العرب وسبهم لبعضهم البعض، وأحيانًا تأتي تعليقات عربية متعاطفة نسبيًّا مع إسرائيل في بعض القضايا وإن كانت هذه التعليقات شديدة القلة، وسرعان ما يتم التعامل معها من متصفحي الصفحة.

ومن المنشورات التي كثيرًا ما ينشرها هذه الصفحة أيام الجمعة يهنئ فيه المسلمين إلى جانب الأعياد والمواسم الدينية الخاصة بالمسلمين، كذلك يقوم بنشر موضوعات خاصة بالعرب في إسرائيل، وكيف أنهم يعيشون حياة مستقرة هانئة، والبعض منهم يتقدم للجيش الإسرائيلي طواعية؛ رغبة في خدمة وطنه إسرائيل. ويذكر مثال بكتيبة متقفي الأثر العربية في إسرائيل، ونماذج من المواطنين الفلسطينيين في الجيش الإسرائيلي ليثير الشكوك والبلبلة بين الأوساط العربية غير العالمة بطبيعة الوضع في إسرائيل؛ كذلك كثيرًا ما يتناول حديثه مع مجندات من أصول مصرية، وكيف أنهم يتعايشون في وطنهم إسرائيل غير ناسيين تاريخهم، فيهنؤون بأكل الحلوى الشرقية والأكل الشعبي المصري كالكشري والبسبوسة والقطائف، وينشر الصور الخاصة بهذه الاحتفالات في مكتبه.

كذلك من منشورات الصفحة الأخيرة كيف أن جيش الدفاع الإسرائيلي قد ساهم في بعثات الإغاثة لكارثة نيبال الأخيرة.

أما في حروب إسرائيل الأخيرة، فقد ساهمت هذه الصفحة في العمل على تحسين الصورة لإسرائيل وأفعالها؛ كذلك فقد عملت على التشكيك في قدرات حماس وعملياتها العسكرية بأن تنشر فيديوهات توضح فشل هذه العمليات، وأنها مجرد دعاية فاشلة من حماس. كذلك تناولت الصفحة كيف أن إسرائيل لا تستهدف المدنيين وترسل المنشورات والرسائل الهاتفية قبل أن تقصف الأحياء السكنية، ولا تقصف المستشفيات، وأن حماس هي من تستخدم المنشآت العامة كمواقع لإطلاق صواريخها.

وفي سابقة شديدة الغرابة تستخدم الصفحة آيات قرآنية دلالة على حق إسرائيل الشرعي في الدفاع عن نفسها، فتستخدم الآية السابق الإشارة إليها ضد عملية حماس لقصف القدس فينشر عن الآية الكريمة، ومن أظلم من من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه… كدلالة على أن حماس تقصف القدس وتمنع المسلمين من الصلاة فيه بفعلها هذا.

كذلك تقوم بنشر فيديوهات لنجاحاتها في التصدي لأخطار الإرهاب على الدولة الإسرائيلية، وبيان أن إسرائيل هي المظلومة والمجني عليها كما صرح أفيخاي أدرعي إبان حرب غزة 2012، والتي قد أسموها عامود السحاب بأن «حماس تستخدم أسلوب ضربني وبكى.. سبقني واشتكى» في أسلوب عربي عامي لإيصال فكرة المظلومية.

الخاتمة:

استعرضنا في هذا التقرير الأداة الدعائية الإسرائيلية المستخدمة في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وسلطنا الضوء على الاستمرارية والتغير في تلك الأداة وكيفية تطورها ومواكبتها للوسائل المتقدمة لتطور أهدافها من مجرد تبرير أفعالها العدائية؛ بل وجذب التعاطف الدولي بل والعربي معها؛ حتى وإن لم تنجح في ذلك بشكل كبير، ولكنها لا تقم بذلك اعتباطًا؛ بل وفقًا لدراسة ورؤية متعمقة ومحسوبة تمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد