ها نحن أمام اعتداء إسرائيلي جديد على سوريا، تمثل في سلسلة غارات داخل العمق السوري يوم الأحد 7 ديسمبر الماضي، وهي غارات تختلف تمامًا عن سابقاتها بسبب وصولها إلى أهداف مهمة في محيط العاصمة السورية دمشق (رغم أنها لم تخلف أية خسائر في الأرواح)، وأيضًا بسبب طريقتها المختلفة عن سابقاتها. العدو الإسرائيلي التزم بالصمت كالعادة، فيما اختار الجيش السوري عدم الرد (أو هكذا خيل إلى البعض) مما خلف موجة استياء وسخرية عارمتين، وربما شماتة من البعض، خصوصًا أن الطائرات الإسرائيلية كانت في مرمى المضادات السورية، و كان بالإمكان إسقاط بعضها على الأقل.

 

سأناقش في هذا المقال ملابسات الحادثة والأسباب التي دفعت جيش العدو الإسرائيلي إلى اتخاذ هذه الخطوة الأكثر جرأة عن سابقاتها، و أيضًا الجدلية التي ترافق دائمًا هذه الاعتداءات واستغلالها لشن حملات انتقاد واسعة للجيش السوري المنهك أصلا والغارق في مواجهة طاحنة مع الإرهاب في مختلف أنحاء البلاد.

 

عشر غارات تستهدف مطار دمشق الدولي ومواقع أخرى في العاصمة السورية:
قالت المصادر الرسمية السورية يوم الأحد 7 ديسمبر الماضي أن المطار الشراعي في منطقة الديماس ومستودعات مطار دمشق الدولي قد تعرضت لغارات نفذتها طائرات حربية إسرائيلية، و قد اخترقت الأجواء فوق حوران والقنيطرة في الجنوب.

 

لم يخلف القصف أية خسائر في الأرواح، ولم يستهدف مواقع عسكرية رسمية للنظام، وربما يدخل هذا فيما يمكن اعتباره حفاظـًا على قواعد اللعبة دون إجبار دمشق و حلفائها على حتمية الرد إن كانت ضربة قوية جدًّا، فيما قالت قيادة القوات المسلحة السورية إن هذا الاعتداء جاء لرفع معنويات الجماعات المسلحة المدعومة من إسرائيل وجهات إقليمية معينة، أما الجانب الإسرائيلي فقد التزم بالصمت كعادته في مثل هذه العمليات، باستثناء وسائل إعلامه بطبيعة الحال، وهذا يحيلنا في البداية إلى مناقشة الأسباب التي حملت سلاح الجو الإسرائيلي على شن هذه الغارات.

 

الأسباب كثيرة ومتعددة، لكن يمكن القول إن الدوافع سياسية وعسكرية استراتيجية بحتة، وحسب رأيي سألخصها كما يلي:
– السبب الأول برأيي هو سياسي، فالمتتبع للشأن الإسرائيلي الداخلي يدرك أن قرار القيام بعدوان أو شن حرب مرتبط دائمًا بالتجاذبات السياسة للأطراف التي تود إثبات مسألة أحقيتها بتولي الحكم وأنها قادرة على شن ضربات تسميها وقائية للبرهنة على أنها قادرة على حماية المستوطنين الإسرائيليين، وهكذا فالغارة الإسرائيلية جاءت في وقت يواجه فيه بنيامين نتنياهو أزمة سياسية تتمثل في خطر حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة قد يخسر فيها موقعه، فكانت هذه الضربة بمثابة محاولة لرفعه أسهمه أمام “الجمهور الإسرائيلي” بعد فشله في تكوين ائتلاف حكومي بديل، كما أتت في وقت قال فيه وزير الخارجية الأمريكي إن اتفاقـًا حول الملف النووي الإيراني يلوح في الأفق، وصرح فيه وزير الخارجية السوري وليد المعلم بعد زيارته لموسكو أن من أهداف الزيارة طلب التزود بصواريخ إس-300 المضادة للطائرات المتطورة، التي تعمل إسرائيل جاهدة على منع امتلاك سوريا لها، بسبب تهديدها الحقيقي لسلاح الجو الإسرائيلي، نقطة التفوق الأبدية لجيش العدو.

 

– السبب الثاني وهو عسكري بحت، رغم أنه ثانوي، و قد أشار إليه الخبير العسكري المصري محمد منصور، و يتعلق الأمر باختبار مدى جاهزية الرادارات و منظومات الدفاع الجوي في منطقة دمشق والجنوب، خصوصًا بعد الدمار الممنهج الذي تعرضت له هذه المنظومات و شبكات الرصد المبكر في الشمال والشمال الشرقي، على يد الجماعات المسلحة التي كان واضحًا أن هذا هدفها الأول من استهدافها للمطارات العسكرية (و ما المعارك الطاحنة الدائرة حاليًا في مطار دير الزور آخر المطارات العسكرية الواقعة في قبضة النظام في الشمال الشرقي إلا دليل على ذلك) وقد تحولت منطقة الشمال والشمال الشرقي للأسف إلى سماء عارية تمامًا يسهل استهدافها، فكانت الغارات محاولة للتعرف على مدى فعالية ما تبقى من منظومات في المناطق الأخرى، فقد استهدفت المجموعات المسلحة تشكيلات الاستطلاع الجوي والتنصت والرادارات في مرج السلطان وجباتا الخشب وجبل الشيخ. والخبراء في الميدان العسكري يعرفون أنها كلها أهداف لا تمت بصلة مباشرة للمعارك على الأرض، ولا تقوم بأي دور قتالي. والتدمير كان هدفـًا إسرائيليًّا يسعى إلى تدمير كل البنى التحتية الإلكترونية والاستطلاعية للجيش السوري. خصوصًا أن هذه الشبكات تعمل على رصد تحركات العدو الإسرائيلي في الجولان والجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة مع لبنان.

 

– السبب الثالث في رأيي هو استراتيجي، ويرتبط بما قاله وزير الاستخبارات الإسرائيلي يوفال شتاينيتز عقب الغارات (دون أن يؤكد أو ينفي وقوعها كالعادة) حيث صرح بأن إسرائيل لن تسمح أبدًا بنقل أسلحة متطورة، أو كاسرة للتوازن حسب تعريفهم، من الجانب السوري إلى حزب الله اللبناني عبر منطقة جبال القلمون الحدودية، كصواريخ سكود أو صواريخ متطورة مضادة للطائرات (الخط الأحمر بالنسبة لجيش العدو في مواجهته لحزب الله و الفصائل الفلسطينية في غزة) وربما أيضًا صواريخ ياخونت الروسية المضادة للسفن والفعالة ربما بشكل أكبر من صواريخ سي 802 الصينية التي أصابت البارجة الإسرائيلية ساعر 5 في حرب لبنان 2006، وهنا يمكننا الربط بين تصريحات وزير الاستخبارات الإسرائيلي، والغارة الإسرائيلية، وما قاله نائب القائد العام للقوات الجوفضائية اللواء سيد مجيد موسوي، عن أن إيران زودت حزب الله بصواريخ فاتح البالستية المتطورة، والقادرة على إصابة أية نقطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن الاستعدادات جارية لتزويد فصائل المقاومة في غزة بها، مع أنني صراحة أستغرب هذا التصريح الذي يخرق سياسة السرية في مثل هذه الأمور العسكرية، إلا إذا كان الأمر متعلقـًا بمناورة استخباراتية، وأن هذه الصواريخ وصلت بالفعل إلى المقاومين في غزة، والله أعلم.

 

نأتي هنا إلى قضية الرد السوري، و التي كانت موضوعًا لانتقاد كبير وربما سخرية وشماتة من البعض، وسأبدأ بما وقع في هذه الغارة الأخيرة بالذات، قبل أن أعرج إلى مناقشة المسألة بصفة عامة.

 

تناقلت عدة صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام صورًا لحطام يحمل شعارًا باللغة العبرية تم العثور عليه في منطقة الحارة و مزارع عقربا في ريف درعا غير بعيد عن الجولان السوري المحتل، اعتقد البعض أنه يتعلق بحطام طائرة إسرائيلية تم إسقاطها بواسطة المضادات الأرضية السورية، لكن الخبير محمد منصور نفى هذه الفرضية، وأكد أن المسألة تتعلق بصاروخ بوب آي 2 جو-جو قصير المدى تزود به المقاتلات الإسرائيلية، موجه تلفزيونيًّا ورأسه الحربي يزن 350 كيلوغرامًا و مداه 150 كيلومترًا، والمطور بشراكة مع تركيا (أرجو أن ينتبه البعض إلى هذه النقطة التي قد تدعوهم لمراجعة بعض قناعاتهم).

وقد جرى اعتراض هذا الصاروخ بواسطة بطارية سورية من نوع بانتسير، مما يدل حسب رأيه على أن نشاط الدفاع السوري كان كبيرًا في التصدي لهذه الغارة سواء ببطاريات البيتشورا أو البانتسير، رغم أنه لم يكن بالمستوى المطلوب، فقد كان بالإمكان هذه المرة تنفيذ طلعات اعتراضية بواسطة طائرات ميغ 29 أو استخدام وسائط الدفاع بوك إم الأكثر تقدمًا في مطار المزة العسكري في دمشق.

 

منذ أن بدأت الأزمة السورية قبل أزيد من ثلاث سنوات، كان التدخل الإسرائيلي في شؤونها واضحًا، وقد اتخذ أوجهًا عديدة، سواء تعلق الأمر بالتعامل المباشر مع المجموعات المسلحة (الذي أكدته مؤخرًا تقارير للأمم المتحدة نفسها) خصوصًا في منطقة درعا في الجنوب، بهدف إحياء حلم إسرائيلي قديم يتمثل في إقامة منطقة عازلة، وهكذا فقد تم تحييد قوات الفصل الدولية ووضع جماعات مسلحة في تلك المنطقة وعلى رأسها جبهة النصرة، التي تخوض حربًا بالوكالة تهدف إلى تدمير الجنوب السوري، وهي تتلقى دعمًا إسرائيليًّا كبيرًا على المستوى العسكري والاستخباراتي والطبي أيضًا، وفضائح علاج جرحى المسلحين في المشافي الإسرائيلية معروفة لدى الجميع، أو كان التدخل عبر عمليات قصف مباشر لأهداف مدنية و عسكرية بلغ عددها أربعة على الأقل.

 

في كل مرة تعرضت فيها سوريا لضربة إسرائيلية من هذا النوع، كان الجواب الرسمي دائمًا هو أن سوريا تحتفظ بحق الرد في الزمن والمكان المناسبين، وهو التعليق الذي كان يجلب عليها سخط الممتعضين من الإهانات الإسرائيلية المتكررة، و سخرية الشامتين الذين لا تهمهم لا كرامة و لا هم يحزنون، بقدر ما يهمهم الصيد في الماء العكر لغرض في نفس يعقوب، فالمتتبع لتفاصيل الأمور يدرك جيدًا أن الجيش السوري غير قادر على الرد على هذه الاستفزازات وهو المنهك حاليًا والموجود في حالة اشتباك دائم على طول التراب السوري، وهو المعطى الذي يعرفه العدو الإسرائيلي جيدًا ويستغله لاختيار الوقت المناسب لتنفيذ عملياته.

مع أنه كما قلت يحتفظ بقواعد اللعبة كما هي في مسألة مدى قوة الضربة لتجنب إجبار المحور بأكمله على الرد، لكن هذه المرة كانت الفرصة ذهبية و سانحة للتصدي للغارة و إسقاط طائرة أو اثنتين على الأقل، وهذا ما لم يحصل، مما يدل على الحالة المزرية التي وصلتها البلاد خصوصًا على المستوى العسكري والدفاع الجوي، وهي الحالة التي لا يستفيد منها بالدرجة الأولى سوى العدو الإسرائيلي الذي حقق عملاؤه المسلحون على الأرض ما عجز عن تحقيقه هو طيلة عقود من الصراع

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اسرائيل, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد