للرأي العام الأثر الأكبر في تغيير المجتمعات واتخاذ القرارات، ففي الدول الديمقراطية، يلعب الرأي العام مؤشر قياس لمعرفة نسب فوز الأحزاب المرشحة في الانتخابات، كما أن مُدخلات الوعي والتعبئة لها حساباتها لدى كل حزب وحسبما ينادي من أهداف وبرامج، وهناك في تلك الدول تتزاحم العديد من الجهات والمؤسسات في تعبئة الرأي العام، دون أن يقتصر الأمر على مؤسسات الدولة الرسمية؛ مما يساعد الجمهور على اختيار ما يناسبه مما هو معروض أمامه دون اقصاء لأية أفكار أو تصورات.

أما في الدول البوليسية وغير الديمقراطية، فإن الرأي العام فيها يلعب الدور الأهم في إبقاء عموم الناس على حالهم من الرضوخ والاستكانة، وعدم اصدار أي رد فعل يقاوم الذّل والظلم الذي يتعرض له، حيث تقوم مؤسسات الدولة البوليسية – وهو ما تعبّر عنه غالبية الدول العربية – بإحكام خناقها على مصادر توجيه الرأي العام؛ من أجل التحكم في طبيعة ما سيشكّل مخيلة الرأي العام لدى المواطنين، فيبقى الجمهور محافظًا على المسار الذي رسمته تلك الأنظمة.

يقول إدوارد بيرنيز الذي يعتبر رائد الخداع الإعلامي: لو أننا فهمنا آليات العقل الجماعي ودوافعه، أليس من الممكن السيطرة على الجماهير وإخضاعهم لنسق موحد حسب رغبتنا دون أن يدركوا ذلك؟

ومع عولمة الاعلام وتعويم شبكات التواصل الاجتماعي، والاعلام الاجتماعي، حاولت تلك المصادر اختراق الحصار الخانق الذي فرضته تلك الأنظمة، بالملاحقة البوليسية، واصدار القوانين التي تجرّم ما أسمته تجاوزات ضد الدولة أو رموزها.

هذا الحال البئيس، جعل الجمهور العربي يختار دون تردد المصادر الأجنبية والتي تضخ المعلومات والأخبار على مدار الساعة دون توقف، وهي مصادر لا تتصف بالموضوعية والمهنية، بل المؤكد أن ما يصدر عنها لن يناسب الحالة الاجتماعية والحضارية للمواطن العربي، فضلًا عن كثير من المعلومات التي تشوّه الهوية العربية؛ مما نتجت لدينا حالة جديدة من الذهنية العربية: لا هي منسجمة بالكليّة مع الحالة الغربية وتحديدًا الجانب الحضاري والنهضوي فيها، ولا هي معبّرة عن الشخصية العربية الأصيلة التي ترتبط بتاريخ حضاري أصيل، قد تستفزّه لحظة عزّ أو كرامة فينتفض ثائرًا على واقعه الظالم.

ويلعب الاعلام الاسرائيلي الدور الأخطر في استلاب وتهشيم المخيلة العربية، ويزيد الأمر خطورة مما تصنعه النخب الاعلامية والسياسية في اقتباساتها العديدة عن المصادر الاسرائيلية، فضلًا عن المصادر الأجنبية اليهودية، والتي تأخذ من ذات المشكاة للمصادر الإسرائيلية.

ولعبت صفحات التواصل الاجتماعي دورًا مساعدًا في تعزيز هذه الحالة، وانتشرت صفحات رسمية وغير رسمية لشخصيات ومؤسسات اسرائيلية تتحدث اللغة العربية، وموجهة للجمهور العربي، وتتناول قضاياه الساخنة، اضافة إلى وجود التلفزيون الاسرائيلي الناطق بالعربية i24news على القمر المصري نايل سات، وكتب الخبير الإسرائيلي في الشؤون العربية يوني بن مناحيم مقالًا ادّعى فيه أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية حققت نجاحات في الحرب ضد حماس، على الأقل في مجال الحرب النفسية والتأثير على الرأي العام الفلسطيني، خصوصًا في قطاع غزة، وأشار إلى أن منظومة الإعلام الإسرائيلية باللغة العربية التي نجحت بالتسلل – من خلال المواقع والحسابات على مواقع الاجتماعي، والتي أُنشأت باللغة العربية – لداخل الشارع الفلسطيني.

يأتي هذا النشاط المحموم والموجّه في الوقت الذي يتم فيه التغيّب المتعمّد للمعلومات من المصادر العربية والرسمية منها على وجه الخصوص، مما ساعد وبشكل كبير في حصرية المراجع الاسرائيلية للمعلومات التي يرجع إليها كثير من الكتّاب والاعلاميين، فضلًا عن عموم الجمهور العربي.

ونسلّط الضوء هنا على اشكاليتين متداخلتين في هذا المشهد: أولهما أن المصادر الاسرائيلية تتحدث بشكل مسموم في قضايانا العربية، ودون مواربة أو تحوير، ويكفي هنا أن نطالع صفحة إيدي كوهين عبر «تويتر»، والذي يعرّف نفسه فيها بإعلامي إسرائيلي ودكتور أكاديمي وباحث ومؤسس منظمة لحقوق الإنسان، وهي صفحة معبرة تمامًا عن العقلية الإسرائيلية تجاه الجمهور العربي، ومما نشره سابقًا على صفحته: بأن اثنين من الرؤساء العرب هم يهود، وسنتعرف على حقيقتهما عند موتهما ودفن جثتيهما في إسرائيل، والغريب أن هناك مئات المتفاعلين مع صفحته وللأسف تفاعل ايجابي، إما بإعادة تغريداته، وإما بالتعليق المشجّع والمتعاطف معه، وفي تغريدة نُشِرت على حساب باسم محمد الأمستردامي، تؤكد ذلك، قال فيها: ( قال كوهين وصدق، أنا أثق بما يقوله هذا الرجل أكثر من وعود الحكام والسلاطين والملوك والطرابش العرب).

وثاني هاتين الإشكاليتين، هي طبيعة الجمهور العربي المتفاعل مع تلك المصادر والصفحات، فهي شريحة من المجتمع العربي، فاقدة للهوية، مسلوبة الإرادة، مشدودة بانبهار المهزوم تجاه الغالب المنتصر، فتأخذ كل ما يُنْشر دون تقييم أو مراجعة.

وفي هذا الحراك الإعلامي والدعائي على صفحات الإعلام الاجتماعي، بات المواطن العربي تائهًا لا يدري حقيقة الأحداث، ولا يمتلك مهارة التمييز بين الغثّ والسمين. وما زاد هذه الحالة بلة وطينًا احتكار المؤسسات الرسمية للمعلومة، وما تُصَدِّره للإعلام الخارجي هو ما يناسب فقط في تثبيت حكم أنظمتها، وذلك بعد أن تجري المعالجات في صياغة المعلومة والتعديل عليها؛ مما يؤثر على صدق المعلومة ودقتها.

هي دعوة للنخب الثقافية والإعلامية لوقفة جادّة، لإنهاء هذه الظاهرة والتي هي أخطر في نتائجها من نتائج التطبيع مع إسرائيل، وهي دعوة كذلك إلى ضرورة توفير المعلومات الصحيحة من قبل الجهات الرسمية، وحرية الوصول إليها إذ أنها حقّ للجمهور، وليس منّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد