لوالد أردني مسلم شركسي، يعمل في تجارة المجوهرات، وأسرة ثرية تغلب عليها الثقافة والرقي وتتبوأ المراكز العليا في الدولة، وفي إحدى ضواحي عمان الراقية، ولدت أمينة المفتي عام 1939. كانت هي الطفلة الصغرى والمدللة التي لا يُرفض لها طلبًا، فشبت أنانية متمردة على المجتمع وتقاليده، تتوق إلى الحرية التي لا تضبطها ضوابط، ولا تقيدها قيود مهما كان نوعها.

في مراهقتها عشقت فتى فلسطينيًا، وانجرفت في عواطفها له بلا حدود، إلا أنه ما لبث وهجرها إلى غيرها مبررًا ذلك بأنها أنانية، ومغرورة، وسريعة الغضب، وشرسة الطباع. صدمتها نهاية العلاقة بتلك الصورة، ليكون ذلك فاتحة تمرد كبير ورغبة بالانتقام من هذا المجتمع الذي تخنقه تقاليده، وتُحصي على أفراده أنفاسهم.

أنهت الثانوية العامة، واتجهت إلى النمسا لدراسة علم النفس الطبي. حيث أقامت في عاصمتها، وفي السكن الداخلي للجامعة، أقامت برفقة فتاة متحررة ومنخرطة في الحياة الأوروبية من جنوب إفريقيا، تعلمت التدخين منها وأخذت تنساب معها في مفردات الحياة الأوروبية، إلا أن رفيقتها حذرتها من إقامة علاقات جنسية مع الذكور حتى لا تقع في دوامة الحمل والإنجاب. وبالمقابل جذبتها معها إلى وحل الشذوذ الجنسي.

انجرفت أمينة المفتي خلال سنوات دراستها في علاقاتها الجنسية المثلية تستبدل فتاة بأخرى، وتغوص أكثر في رمال الشذوذ الموحلة. أنهت دراستها وحان موعد العودة للوطن الذي كانت مضطرة له ولا ترغب به. إلا أنها عادت تمتلئ ثورةً ونفورًا وحقدًا على كل ما هو عربي وشرقي، عادت إلى بلدها شخصية أخرى تختلف عن تلك التي خرجت، شخصية ممزقة، كئيبة، ترفض الحياة السوية لفتاة عربية مسلمة، وفي خضم أحزانها وكآبتها وحيرتها وعدم معرفتها ماذا تريد بالضبط، جابت مدينتها بحثًا عن فتاها وأول حبٍ لها، لتُصدم بحقيقة زواجه من فتاة بسيطة عادية ملأت حياته حبًا وسعادة، فآثرت العودة مرة أخرى إلى فيينا حيث لا رقيب ولا حسيب على تحررها وعلاقاتها المنحرفة، وفعلًا عادت تحت حجة الحصول على شهادة الدكتوراه.

عادت إلى النمسا تعمل ليل نهار في متجر لبيع ألعاب الأطفال، وعادت إلى سابق علاقاتها الشاذة مع رفيقة يهودية شاركتها العمل والمسكن، وفي زيارة لبيت أسرة رفيقتها اليهودية، تعرفت إلى شقيقها الطيار العسكري النقيب «موشيه بيراد»، الذي سحرها بكلامه الشاعري، ونظراته الحالمة، وغدت أمينة المفتي عاشقة للمرة الثانية، وكما في المرة الأولى اندفعت نحو عشيقها بقوة جارفة، ولم تنتبه لنفسها إلا على وخز الضمير بعد أن فقدت عذريتها، والتي وصفتها في مذكراتها بقولها: أدركت حينها أن النساء لم يُخلقن إلا للرجال.

هربت مرة أخرى إلى عملها وحياتها في فيينا تتصارع داخلها رغبات الجسد وقوانين العقل، وتسلي نفسها بأفكار غريبة، أليس من حقها أن تعيش وتستمتع كما تشاء؟ في هذه البلاد لا يعترفون بعذرية ولا قيمة للعفاف لديهم، فلماذا تفرض هي ذلك على نفسها وتحتفظ به رغم أنه من موروثات الشرق البالية التي تمقتها؟

خمس سنوات أخرى قضتها في النمسا تهيم على وجهها، منحلة، لا تشعر باستقرار ولا راحة. ساعدها عشيقها موشيه في الحصول على شهادة مزورة في أحد فروع علم النفس الطبي، التي عادت بها إلى الأردن تحت ضغط أهلها وإلحاحهم عليها بالعودة ليزوجوها من ابن عمها الثري، ولكنها طلبت منهم أن يمهلوها حتى تتمكن من افتتاح مستشفاها الخاص، وخلال ترخيص المشفى، حدثت خلافات بينها وبين وكيل الوزارة الذي شكته إلى وزير لصحة الذي شكل لجنة للتحقيق في الأمر، وشككت اللجنة في شهاداتها المصدقة، وطلبت منها تصديقها مرة أخرى من فيينا، ودب الرعب في قلبها خوفًا من افتضاح أمرها، فأخذت الشهادات وأقلعت مرة أخرى من حيث أتت لتلتقي بحبيبها مرة أخرى، وكانت بلادها تعاني من نكسة الــ 67 التي احتُلت بموجبها القدس والضفة الغربية التي كانتا تابعتين للأردن وقطاع غزة الذي كان تابعًا لمصر.

طلب موشيه منها الزواج، وفي معبد يهودي اعتنقت أمينة المفتي اليهودية وتزوجت من حبيبها وأصبح اسمها منذ ذلك الوقت «آني موشيه بيراد». أقامت مع زوجها في فيننا، إلا أن كوابيس اليقظة باتت تحاصرها وتسبب لها توترًا أرهقها، خوفًا من المخابرات العربية التي كانت تعتقد بأنها ترصد تحركاتها.

وفي إعلان جانبي في إحدى الصحف وجدت الحل لجميع مشاكلها، فقد كان الإعلان عبارة عن طلبٍ لمتطوعين للانضمام لجيش الدفاع في دولة الاحتلال من يهود أوروبا، كان العرض مغريًا، لم يقتصر على عمل وراتب جيد، بل شمل الحصول على جواز سفر إسرائيلي، وشقة أيضًا. عارض زوجها الذي كان ينتظر وظيفة في شركة طيران مدنية في النمسا، عدا عن بغضه لحالة الحرب التي كانت تعيشها الدولة المحتلة مع جيرانها العرب. إلا أنه لم يستطع الصمود أمام إصرارها، فارتحل وإياها فعلًا إلى الدولة العبرية، واستُقبلت في مطار اللد استقبال الأبطال، ما جعل زوجها يستغرب جدًا ذلك ويستفسر في نفسه عن السبب.

واستدعت المخابرات الصهيونية تلك المرأة وفي جلسة مطولة، استجوبتها عن الأردن، وعائلتها، وحياتها السابقة، والفلسطينيين في الأردن، ومنظمة التحرير، وطريقة تعرفها إلى زوجها، وارتحالها إلى اسرائيل، وماذا تمثل إسرائيل لها… إلخ. سردت لهم ما لديها من معلومات بصدق وغاصت في كثير من تفاصيل الأيام الماضية، وشرحت وفصلت وحللت، وأثبتت إخلاصها لدولة الاحتلال وانتمائها لها، فرحبوا بها أيما ترحيب وأثنوا على إخلاصها.

بعد عام واحد من هجرتها للدولة الصهيونية، خرج زوجها في طلعة استكشافية في الأجواء السورية، وكان ذلك في عام 1972، فقصف السوريون طائرته، واختفت آثاره منذ ذلك الحين، أصيبت آني أو أمينة بهستيريا على إثر ذلك ولم تصدق خبر وفاته، بل رجحت أن يكون مختفيًا بين الأعشاب والأشجار، فطيار قدير مثله لا يتم القضاء عليه بهذه السهولة، ودخلت في مرحلة حزن وكآبة طويلة كادت تودي بعقلها، فقدمت طلبًا للمخابرات الاسرائيلية أن يسمحوا لها بالذهاب إلى بيروت ودمشق لاستطلاع أخباره عن قرب. وبجواز سفرها الاسرائيلي غادرت إلى فيينا، حيث زارت عائلة زوجها، وأقامت في شقة موشيه التي تضم جميع ذكرياته، لترتحل بعدها إلى المناطق العربية. طبيعة أمينة المتمردة على العروبة وتقاليدها، والكارهة لأصولها، والحاقدة على العرب الذين أفقدوها حبيبها ورغبتها في الانتقام منهم، وحالة الكآبة واليأس التي تمر بها، عدا عن أنها تحمل جواز سفر أردني ونمساوي وإسرائيلي، جعلها صيدًا ثمينًا أغرى المخابرات الاسرائيلية بتتبعه، وكانت تلك أيضًا أسبابًا جعلتها مستعدة لتعامل مع المخابرات وسهلت وقوعها في شباكهم.

تواصل الموساد معها خلال إقامتها في فيينا، وخلال شهر وعدة أيام تلقت دورة مكثفة في فنون وأساليب ومهارات الجاسوسية، وتقوية الذاكرة، ودقة الملاحظة لأكثر الأمور تفاهة… وغيرها، أنهت الدورة بسرعة وتفوق يملؤها الحقد والرغبة في الانتقام. وبجواز سفرها الأردني غادرت أمينة إلى بيروت، للثأر لزوجها، بمهمة حددتها المخابرات الإسرائيلية بتقصي أخبار رجال المنظمات الفلسطينية، والفدائيين والمقاومين، والتحري عن مراكز إقامة قادة المقاومة وطرق تسلل الفدائيين للأراضي المحتلة، وبدأت معها مرحلة منح الجسد باحترافية تامة، لكل من تعتقد أن لديه معلومات حساسة عن الفئة التي تستهدفها في مهمتها التجسسية، فلم يكن عامل الهواتف، ولا رئيس في العمل هما أول أو آخر رجلين تمنحهما جسدها لقاء معلومات تخدم هدفها، بل وصلت إلى بعض قيادات المنظمات الفلسطينية أيضًا.

تعرفت إلى علي حسن سلامة (رئيس فرقة أيلول الأسود) الذي كانت تطارده إسرائيل وتجند العملاء لاغتياله، ومن خلاله فُتحت جميع الأبواب الموصدة أمامها، وانضمت إلى صفوف المقاومة الفلسطينية باعتبارها طبيبة متطوعة، فنالت ثقة الفلسطينيين الذين أخذت تعالجهم وتسعفهم، واطلعت بموجب ذلك على الكثير من المعلومات الحساسة والمهمة التي أخذت تبثها باستمرار إلى الموساد، كشفت من خلالها تفاصيل عمليات فدائية أدت لإفشال العمليات، وقتل واعتقال المنفذين، جندت أمينة معها عملاء آخرين أعانوها في أداء مهمتها.

طُلب إليها خلال فترة خدمتها الرجوع إلى إسرائيل واعتزال العمل، لخوف الموساد من انكشاف أمرها، إلا أنها أصرت وبشدة على إكمال ما بدأت به حتى تحقق الهدف الذي خرجت لأجله، فخضع مسؤولوها في الموساد لرغبتها، وأوكلوا إليها مهام جديدة أدق وأكثر حساسية من السابق، والتي نجحت في الكثير منها.

وشك فيها رجال منظمة التحرير الفلسطينية، وحصلوا على أدلة تدينها، فاعتقلت وأخضعت لتحقيق قاس، وبعد مراوغة طويلة، اعترفت بما كانت تفعل، بقيت محبوسة لدى منظمة التحرير مدة 5 سنوات حاولت خلالها الهرب وفشلت، حتى تمت مبادلتها في عملية تبادل أسرى قادتها منظمة الصليب الأحمر الدولي في جزيرة قبرص.

استُقبلت أمينة المفتي في إسرائيل استقبال الفاتحين، وأُعطيت شقة لا يفارق بابها حارسان من المخابرات الإسرائيلية. أقامت أمينة المفتي في شقة في طبريا فيما يشبه الإقامة الجبرية، ممنوعة من الاحتكاك بالناس، والصحافة إلا بإذن مسبق، وتُراقب مكالماتها واتصالاتها. أعلنت أسرتها في الصحف براءتها منها ومن الخيانة التي قامت بها، بينما اعتكفت هي في شقتها تصارع الوحدة والكآبة وتكتب مذكراتها وقيل إنها أصيبت بالجنون، وانتحرت في مستشفى للأمراض العقلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

قصة امينة المفتي اشهر جاسوسة عربية
أمينة داود المفتي-ويكيبيديا
عرض التعليقات
تحميل المزيد