في ظل الحديث المتزايد عن مؤتمر السلام الذي اقترحته فرنسا، الذي قُوبل بانتقادات وتحفظات إسرائيلية، وعلى ضوء استعداد رئيس السلطة الفلسطينية العودة للمفاوضات بدون شروط مسبقة كما أعلن عن ذلك سام بن شطريت رئيس اتحاد اليهود المغاربة مؤخرًا، كان لا بد لنا أن نعيد قراءة التاريخ ونقلب صفحاته لنتعرف على حقيقة مواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه القضية الفلسطينية خصوصًا بعد مرور أكثر من ثلاث وعشرين عامًا من المفاوضات دون تحقيق إنجاز يُذكر؛ وقبل أن نبدأ بالحديث يجب أن نشير إلى أن الرؤية الإسرائيلية كانت وما زالت ترفض إقامة دولة فلسطينية بل إن بعضهم أنكر وجود الشعب الفلسطيني أصلاً  بدءًا بجولدا مئير مرورًا بشمعون بيريس وانتهاء بنتنياهو، وقد سعت تلك القيادة على مدار سنين طويلة  لتطويع الفلسطينيين بشتى الطرق للتسليم والقبول بوجودهم وحينما فشلت، اضطرت لسلوك مسارات التفاوض للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية.

وقد تجلى ذلك بوضوح حينما وافق إسحق شامير على المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام بالرغم من تمسكه بفكرة أرض إسرائيل الكبرى وذلك بعد فشله في القضاء على الانتفاضة الأولى واستجابة لضغوط الإدارة الأمريكية التي هددته بوقف تحويل 10 مليار $ في الوقت الذي كانت إسرائيل  بحاجة ماسة للدعم الأمريكي لكي تتمكن من استيعاب المهاجرين الروس؛ كما أن مشاركته كانت مشروطة باقتصار مشاركة شخصيات فلسطينية من الداخل وضمن وفد أردني وقد تباهى خلال إحدى اللقاءات التلفزيونية بأنه  لم يقدم للفلسطينيين أي شيء خلال سبع سنوات وأن مشاركته في مدريد كانت وسيلة مهمة للحفاظ على وجود إسرائيل.

ومن شامير إلى رابين صاحب سياسة تكسير العظام الذي رفض أي  تفاوض مع المنظمة وفَضَل المسار السوري على الفلسطيني، لكنه أدرك أهمية النتائج التي توصل إليها د/ رون فونداك ويائير هيرشفلد خلال المفاوضات السرية مع ممثلين عن المنظمة، حيث اعتقد بأنها بداية التنازل الفلسطيني لاسيما وأن المنظمة كانت تمر حينها بأزمة سياسية واقتصادية بسبب دعمها لصدام حسين، كما أنه اعتبرها فرصة لكبح جماح التنظيمات الإسلامية وإنهاء الانتفاضة التي أنهكت إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا ومست بهيبة جيشها بعد أن ظهر جنودها أمام العالم وهم يلاحقون فتية صغارًا في أزقة المدن الفلسطينية.

أما شارون مجرم صبرا وشاتيلا الذي قدم استقالته من حكومة شامير بسبب مشاركتها في مؤتمر مدريد فقد رد على المبادرة العربية التي شكلت اعتراف 22 دولة عربية بإسرائيل وحظيت بدعم 57 دولة إسلامية بعملية السور الواقي وأعاد احتلال الضفة وداس بدباباته ما تبقى من اتفاقية أوسلو، كما أنه تَبَني سياسة “نعم ولكن” في تعامله مع خارطة الطريق الأمريكي حيث أعلن عن قبولها لكنه أضاف عليها 14 تحفظـًا.

لم يختلف إيهود براك عن سابقيه فقد وصفه الرئيس ياسر عرفات بأنه أسوأ من نتنياهو ولم يكتف برفض طلبه بتجميد الاستيطان خلال المفاوضات بل زاد من وتيرتها وأصدر المزيد من عطاءات البناء فيها، خصوصًا في شرقي القدس، كما طالب السلطة بالتنازل عن 12% من الضفة وأجزاء من شمال غزة دون مقابل، بل إنه تفاخر مرارًا وتكرارًا بأنه لم يُعد للفلسطينيين أية أراض خلافـًا لغيره.

أما الحديث عن أولمرت الذي اشتُهر بخطاباته اليمينية المتطرفة ضد أوسلو  فله طعم خاص حيث تَبَنَى سياسة الخداع والمكر كما وصفتها زهافا جلؤون حيث أظهر للعالم سعيه الجاد للتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين وعَقَد العديد من الاجتماعات مع رئيس السلطة، وفي المقابل أوعز لوزير إسكانه زئيف بويم للاستمرار في بناء المستوطنات ومَنَحه الصلاحيات والدعم اللازم، ومن الملاحظ أن وتيرة الاستيطان قد شهدت ارتفاعًا ملحوظـًا في الفترة التي سبقت مؤتمر أنابوليس وما بعده بالرغم من معارضة الفلسطينيين والأمريكيين والأوروبيين.

ومع بدء عهد نتنياهو تكرر المشهد لكن بأسلوب مغاير حيث أعلن  بأن الحل يجب أن يعتمد على فكرة حل الدولتين، لكنه اشترط اعتراف السلطة بالدولة اليهودية وطالبها بفرض سيطرتها على غزة ونزع سلاح التنظيمات العسكرية؛ لكنه ما لبث أن تراجع في اليوم التالي واعترف لمقربيه بأن هذا التصريح لم يكن إلا تماشيًا مع السياسة الأمريكية، وهو ما أكده حجاي آرتسي حينما قال إن تصريح نتنياهو لم يكن سوى مناورة سياسية.

هذه الحقائق تؤكد أن هدف إسرائيل من المفاوضات هو إدارة الصراع وليس حله، وأن أقصى ما يُمكن أن تقدمه  للفلسطينيين هو حكمًا ذاتيًا هزيلاً لإدارة شئونهم المدنية وإبقاء السيطرة الأمنية والتبعية الاقتصادية بيدها، وهو ما يفرض على القيادة الفلسطينية أن تعيد النظر وتقرأ التاريخ لتستخلص العبر وتدرك أن الحل الوحيد لانتزاع حقوقنا وإقامة دولة فلسطينية هو توحيد الصف الفلسطيني ومزاوجة العمل السياسي بالعمل العسكري على قاعدة من أراد السلام يجب أن يستعد للحرب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد