«متهمون نحنُ بالإرهاب..

إن نحنُ دافعنا بما نكتُبه..

عن زرقة البحر..

وعن رائحة الحبر..

وعن حُرية الحرف..

وعن قُدسية الكتاب!»

من قصيدة متهمون نحنُ بالإرهاب «لنزار قباني»

منظمة التحرير الفلسطينية الصدام بين توافر الوسائل وبُعد الغايات!

(1)

الخلاف يتصاعد بين منظمة التحرير والثورة الإسلامية في إيران

«أنتم تُريدون عقد صفقة مع الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة) على حساب الثورة الإيرانية!» الخميني لعرفات

لم تلبث دواعي سوء الفهم أن أخذت في الظهور بين الثورة الإسلامية وبين منظمة التحرير الفلسطينية. إن المنظمة وجدت أعدادًا من المتطوعين القدامى في معسكراتها في جنوب لبنان يتولون أكبر مناصب الدولة في طهران، بما فيها الخارجية والدفاع، ثم وجدت قضية فلسطين والقدس تتحول إلى بعض أهم شعارات الثورة الإسلامية في إيران، ثم وجدت قادتها الذين هرعوا إلى طهران بعد الثورة يُستقبلُون استقبال الأبطال وأخذتها النشوة بعيدًا عن الواقع وبدأت تُخطئ في حسابات القوة. ونسيت في غمرة الحماس أن الثورة الإسلامية تتحول بسرعة إلى نظام، وأن هذا النظام سوف يرث دولة لها أسباب قوتها ولها أدواتها، ولها هياكلها الإدارية والفنية، وأن التعامل مع الدولة الإيرانية بعد نجاح الثورة عليه أن يجد لنفسه أسلوبًا مقبولًا.

ياسر عرفات والخميني


والشاهد أن صور الأخطاء التي وقعت من جانب الفلسطينيين بحسن ظن أو بسوء تقدير تظهر كُلها في الوثائق الأمريكية التي عثر عليها الطلبة الإيرانيون الذين احتلوا السفارة الأمريكية في طهران في نوفمبر 1979 . إن مجموعات الوثائق تكشف صورًا من الأخطاء التي وقع فيها الفلسطينيون في علاقاتهم بالثورة الإيرانية.

  • تُشير وثيقة (سري جدا) رقم 19401 إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية «طلبت أن تبعث بخبراء عسكريين لتدريب الجيش الإيراني أثناء محاولة الثورة الإيرانية إعادة إنشائه بعد تفكك جيش الشاه».
    • وبالطبع فلم تكن لدى منظمة التحرير خبرة في إعادة إنشاء جيش نظامي، وبالتأكيد فقد كانت هناك عناصر باقية من هذا الجيش أقدر على أداء هذه المهمة من أية عناصر يستطيع الفلسطينيون تقديمها للثورة الإسلامية.
  • وتُشير وثيقة (سري جدًا) رقم 945977 إلى أن الفلسطينيين «اقترحوا على وزارة البترول الإيرانية إمدادها بخبراء فلسطينيين في الطاقة يساعدون في عمليات البترول المختلفة».
    • ولم تكن وزارة البترول الإيرانية على استعداد لذلك فقد وجدت تحت تصرفها من الخبراء ما يغنيها. وحتى إذا ظهرت حاجه إلى خبراء، فإن الفلسطينيين ليسوا هم الأقرب للخبرة في مسائل البترول.
  • وتُشير وثيقة (سري جدًا) رقم 107027 إلى عرض قدمته عناصر فلسطينية منتسبة إلى منظمة التحرير «باستعدادها للتوسط في عمليات شراء أسلحة لحساب النظام الجديد في طهران».
    • ومرة أخرى لم يكن مقنعًا بالنسبة للثورة التي تحولت إلى دولة أن تعهد بمهام حصولها على ما تريد من سلاح إلى عناصر فلسطينية قد تكون لها خبرة بالأسلحة الصغيرة لكنها لا تملك الخبرة الضرورية بنوع التسليح الذي تحتاج له دولة.

      وكان ذلك في مجال التصرفات

لكن الوثائق التي عُثر عليها في السفارة الأمريكية في طهران تُقدم بعد ذلك صورة لخطوات فلسطينية أخرى: «تبدو متجاوزة، وتكاد أن تقترب لتُصبح نوعًا من السياسات شبه المستقلة تُثير الشكوك وتُهيج الظنون».

  • فمثلًا تُشير وثيقة (سري جدًا) رقم 10924 إلى أن منظمة التحرير «طلبت السماح لها بإنشاء مكتب في خوزستان، وهي الإقليم الإيراني الذي كان العراق يطالب به ويعتبره إقليمًا عربيًا ضمته ايران تعسفًا أثناء عملية تآكل الخلافة العثمانية. ولم ينتظر الفلسطينيون إذنًا رسميًا بفتح مكتب في خوزستان وإنما توجهت عناصر فلسطينية بالفعل إلى عاصمة الإقليم وبدأت تُعد لإنشاء مكتب فيه».
  • وتُشير الوثيقة ذاتها الى أن إبراهيم يزدي نائب رئيس الوزراء وقتها أكد لدبلوماسيين آسيويين أن الحكومة الإيرانية لم تُعط إذنًا لمنظمة التحرير بإنشاء مكتب في الأهواز (خوزستان) . وقال يزدي طبقًا للوثيقة: «إن إنشاء مثل هذا المكتب ليس في صالحنا ولا في صالح منظمة التحرير لأن الموقف في المنطقة لا يحتمل ذلك، وقد ناقشنا الأمر مع ممثلي المنظمة في طهران وقاموا بإغلاق مكتبهم هناك».
  • وتُشير وثيقة (سري جدًا) رقم 54572 إلى أن مندوبًا عن منظمة التحرير عرض على نائب رئيس الوزراء الإيراني إبراهيم يزدي أن «تقبل الدولة الإسلامية في إيران بوساطة فلسطينية في مسألة الجزر المتنازع عليها بين إيران والإمارات العربية المتحدة» وكانت تلك قضية معلقة من أيام حكم الشاه.
    • وتروي الوثيقة الأمريكية نقلًا عن مصدر إيراني أن وزارة الخارجية الإيرانية تشككت في جدوى الوساطة حتى من ناحية التوقيت. وكان الرد الفلسطيني هو أن إعلان الثورة الإسلامية «لقبولها وساطة منظمة التحرير، وحتى إن لم يؤد إلى نتيجة عملية، يُمكن أن يرفع اسم المنظمة إزاء حكام الإمارات، ومن ثم يساعدونها في الحصول على معونات مالية أكثر».

      ولم يكن ذلك مقبولًا من الثورة في إيران

ثم تعدت الأمور حدود المسموح به حين بدا أن منظمة التحرير تفكر في خطة تتجاوز كل إمكانياتها. فقد طلبت المنظمة من طهران أن تسمح لها بوضع قوات فلسطينية في مضيق هرمز وفي نفس الوقت كانت هناك أنباء تشير إلى أن المنظمة حصلت من حكومة اليمن على جزيرة من مجموعة جزر باب المندب وأنها وضعت فيها قوات فلسطينية، وترددت أنباء مكتومة في الدوائر المطلعة الحاكمة في الخليج تشير إلى أن: «المنظمة تُريد أن تُعطي نفسها قوة في الضغط على ممرات نقل البترول». ذلك أنه مع وجود قوات فلسطينية على مضيق هرمز وعلى جزيرة دهلك في باب المندب، ومع إمكانية تركيب صواريخ في هذين الموقعين، فإن المنظمة تريد أن تكون لها كلمة في الممرات البحرية لبترول الخليج.

وتقول البرقية رقم 1681 التي وجدها الثوار الإيرانيون المقتحمون للسفارة بالنص ما يلي:

من ويلي مارشال (القائم بأعمال السفارة الأمريكية في مسقط)

إلى وزارة الخارجية – واشنطن

في معرض مناقشة مع وكيل وزارة الخارجية العمانية «يوسف العلوي» قال إن لديهم معلومات من مصادر فلسطينية عُليا تقول أن مندوب منظمة التحرير الفلسطينية في طهران «هاني الحسن» طلب من السلطات الإيرانية أن تسمح بوضع قوات فلسطينية في جُزر طنب وأبو موسى وذلك ليكون للمنظمة وجود مؤثر . إن العلوي قال للسفير إنه ليس متأكدًا من رد الإيرانيين على الطلب الفلسطيني، وما إذا كانوا استجابوا له أو رفضوه. لكن الطلب في حد ذاته مُقلق للعُمانيين. إن هذا الأمر يقتضي التأكد من المعلومات وإخطارنا بها هنا.

ويلي.

هاني الحسن مندوب المنظمة في طهران


وزاد على كل ذلك واقعة جعلت الخميني يفقد ثقته في المنظمة نهائيًا وإلى الأبد.

وكان ذلك حين ذهب إليه السيد ياسر عرفات يزوره في قم يقترح عليه أن يأذن له بالتوسط في موضوع الرهائن المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران.

وفى البداية وافق الخميني على حل وسط يجري بمقتضاه إطلاق سراح النساء والسود ضمن الرهائن، لأسباب إنسانية فيما يتعلق بالنساء ولأسباب سياسية فيما يتعلق بالسود.

ثم مضت أسابيع ثم عاد السيد ياسر عرفات يرجو من الخميني أن يأمر بتسليم بقية الرهائن المحتجزين في السفارة الأمريكية إلى منظمة التحرير. وكان عرفات يعرض خطة مؤداها أن يقوم هو أو ممثل شخصي له باصطحاب هؤلاء الرهائن جميعًا في طائرة إلى واشنطن ثم يجري تسليمهم هناك للحكومة الأمريكية في مقابل أن تُعلن الولايات المتحدة حلًّا للقضية الفلسطينية.

كان رفض الخميني قاطعًا. فقد كانت فكرة التفاوض من أولها إلى آخرها لا تتوافق مع تفكيره المحكوم بالمُطلق الديني من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد شعر على حد تعبيره: «أنهم يريدون عقد صفقة مع الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة) على حساب الثورة الإيرانية!».

(2)

المأزق العملي للثورة الفلسطينية ولمنظمة التحرير

«إنني أُحذر من اتخاذ أسلوب منظمة التحرير الفلسطينية سواء في التعامل معك أو معي رُخصة لضربهم» الزعيم جمال عبد الناصر للملك حسين.

كانت قضية «التفاوض» بالنسبة لمنظمة التحرير قضية «شائكة» و«حساسة». ولأن كُل حركة سياسية تصوغها ظروف الوطن التي تنشأ لخدمة أهدافه فإن منظمة التحرير كانت تُمارس دورها تحت ضغوط متعددة.

وفي تجربة حركات التحرير من النوع التقليدي مثل إندونيسيا والهند ومصر كانت حركات التحرير تقوم ضد جيش احتلال محدود في حجم قوته ومقدرة انتشاره في البلد المُحتل إزاء شعب يملأ المكان المأهول لهذا البلد، وهو على وجه التأكيد أكبر عشرات المرات من أي جيش احتلال تستطيع أي إمبراطورية مهما عظُمت أن تخصصه لواحدة من مستعمراتها. وبعد الحرب العالمية الثانية، ومعها البداية الحقيقية لثورات التحرر الوطني، وظهور وشيوع الأسلحة الصغيرة ذات القدرة العالية على القتل أصبح في مقدور الثورة الوطنية في أي بلد محتل أن تملك قوة نيران كثيفة وواسعة وخفيفة الحركة ضد قوات الاحتلال كي تُرغمها على التفاوض أو على الانسحاب.

وفي نموذج آخر مثل الجزائر كانت الثورة الوطنية تواجه جيش الاحتلال الفرنسي ومعه حوالي مليون مستوطن فرنسي (رجالًا ونساءً وأطفالًا) لكن مُدن الجزائر وريفها وجبالها كانت ملأى باثني عشر مليون مواطن جزائري أنشأوا حركتهم للتحرر الوطني وجاءهم السلاح من مصر تحديدًا، لكن نسبة الجزائريين الوطنيين إلى جيش الاحتلال الفرنسي وقوات المستوطنين كانت عشرة إلى واحد لصالح الجزائريين.

واضطر شارل ديجول إلى التفاوض.

وفي حالة الثورة الفلسطينية كانت الصورة مختلفة

كانت القوة المطالبة بالسيطرة حملة استيطانية جاءت مسلحة إلى أرض شعب تخلت عنه القوة الحامية له بسلطان العقيدة، والحاكمة فيه وفي غيره بقوة الخلافة، ثم انتزع كل شيء من يدها بتدبير دولي شاركت فيه الإمبراطوريتان (بريطانيا وفرنسا) في مناخ معين بعد حرب عالمية غيرت خريطة المنطقة المحيطة بفلسطين. وفى سنوات معدودات، وقبل أن ينتبه أحد أو يستعد، كانت الحملة الاستيطانية المطالبة بالسيطرة قد أقامت شبه جيش مسلح (الهجاناه) ثم مضت تجيء لهذا الجيش بشعب من خارج المحيطين المحلي والإقليمي، وقامت إسرائيل مرة واحدة بقرار دولي. وإذا هي تحتل نصف البلد، وإذا المستوطنون الذين تدافعوا على فلسطين موجات متلاحقة من هجرة منظمة يتوازنون في الكم إزاء السكان الأصليين، مع وجود فارق كبير في النوع والإمكانيات وفي قوة الدعم المساند.

وأصعب من ذلك فقد كانت بقايا الوطن الفلسطيني التي لم تؤخذ لإسرائيل بالقرار الدولي سنة 1947 وبالقتال المسلح سنة 1948 قد جرى ضمها وإلحاقها سياسيًا أو إداريًا بدول أخرى.

فالضفة الغربية لنهر الأردن ضُمت سياسيًا إلى الأردن.

وقطاع غزة أُلحق إداريا بمصر.

وهكذا فإن «المكان» الوطني الفلسطيني أصبح موزعًا بالكامل، وبطريقة تطغى على خصوصيته الوطنية إلى درجة تكاد تنفيها.

ياسر عرفات أبو عمار


وأكثر من ذلك فإن الكيانات السياسية المحيطة: سوريا والأردن ولُبنان وحتى مصر، كانت جميعًا تخضع مثل فلسطين لسلطان الخلافة العثمانية وسلطتها الإمبراطورية المتهالكة حصلت لنفسها على استقلال وأصبحت لها حدودًا دولية، ومصالح حياة واقتصاد وأمن وراء هذه الحدود وهى حريصة عليها ومع أن هذه الكيانات العربية المحيطة بفلسطين وإسرائيل كانت على استعداد للمساعدة كل منها لأهدافه فقد كانت الحقائق تفرض على هذه «الكيانات الدول» أن تُجري حسابات تكاليف إزاء سياسات إمبراطورية من نوع جديد قادتها الولايات المتحدة.

وعلى هذه الخلفية العامة قامت منظمة التحرير الفلسطينية، ولسوء حظها فإنها بدأت نشاطها الحقيقي بعد نكسة سنة 1967، وكانت الأرض الفلسطينية كلها واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. ثم إن الدول المجاورة للأرض الفلسطينية والتي راحت تُعد لعملية إزالة آثار عدوان سنة 1976 كانت لها استراتيجياتها في العملين السياسي والعسكري.

وأدى كل ذلك إلى ثلاث نتائج لا يمكن تجاهل الأحكام المترتبة عليها:

  1. إن الثورة الفلسطينية لا تملك أرضًا داخل وطنها أو خارجه تتخذها قاعدة صلبة لعملها.
  2. إن الثورة الفلسطينية نتيجة لذلك لا تملك كتلة بشرية مركزة ومنتشرة تستطيع أن تعمل وسطها.
  3. إن الثورة الفلسطينية ترتيبًا على ذلك لا تستطيع أن ترسم لنفسها استراتيجيات أو سياسات مستقلة.

    ومعنى ذلك وبالتوازي معه

  4. إن الثورة الفلسطينية لابد لها أن تعمل من أرض آخرين، من أرض دول محيطة بإسرائيل وذلك يفرض على وجودها ونشاطها قيودًا لا تستطيع تجاوزها وإلا فهو صدام مع الدول المضيفة قبل الصدام مع الدولة المحتلة.
  5. إن صلة الثورة الفلسطينية بجماهيرها في الأرض المحتلة لا يمكن أن تكون صلة مباشرة، وإنما هي باستمرار صلة عن بُعد وبطرق غير مباشرة، يتساوى في ذلك أن تكون الوسائل سرية أو إعلامية.
  6. إن استراتيجية منظمة التحرير وسياساتها لا يمكن أن تكون مستقلة، وإنما هي محصورة في هامش معين، يقع في المنطقة التي تتلاقى فيها دول عربية أو منطقة تتصارع فيها دول عربية.

    كانت تلك قيود على حركة الثورة الفلسطينية وعلى منظمة التحرير، وازداد عبء هذه القيود بثلاثة اعتبارات مُتصلة بها

  1. إن عددًا من الدول العربية (ليس بينها مصر للحق) رأت أن تكون لها منظماتها الخاصة للعمل الفلسطيني، وظهر ذلك بالذات بين الأحزاب التي تعتبر أن رسالتها قومية شاملة (مثل حزب البعث سواء في سوريا أو العراق). ولحق بذلك أن بعض الدول العربية المتطوعة بالمعونة رأت أن تختص أو تستثني من مساعداتها منظمات تشعر أنها أقرب أو أبعد عنها من غيرها.

    وهكذا فإن تناقضات مرحلة بذاتها من العمل العربي اقتحمت ساحة العمل الفلسطيني وشدت بعض فصائله إلى سياساتها لخدمة هذه السياسات.

  2. إن الرأي العام العربي في شعوره بالإحباط راح يُحيط منظمة التحرير بهالة من التأييد ترافقت معها بطبيعة الأحوال آفاق من التطلعات الواسعة تتعدى الظروف الموضوعية للثورة، ولقد جمحت التصورات بأن الثورة الفلسطينية مطلوب منها ما هو مطلوب من أي ثورة وطنية تقوم لتحرير أرضها وجرى قياسها بثورة الجزائر أو الثورة الفيتنامية، وجرى الخلط في مرحلة بيروت بين الممكن والمستحيل.
  3. ثم وقعت الثورة بين المطرقة والسندان أمام شعبها وكان المنطق «أن هذه ثورة الشعب الفلسطيني، وهي الممثل الشرعي والوحيد له، والعالم العربي كله يساعدها وهناك تعاطف واسع معها، وإذا كان ذلك فإن شعبها يُطالبها بأن تكون المسؤول عن مشاكله حتى تحت الاحتلال».

    ولم يكن في مقدور الثورة الفلسطينية أن تستجيب، ولا كان في استطاعتها أن تقدم برنامجًا مستقبليًا للشعب الفلسطيني مثل غيرها من الثورات الوطنية في العالم الثالث حيثُ كانت هذه الثورات الوطنية تعد جماهيرها بعد الاستقلال بحياة أفضل.

    ولم يكُن مثل هذا متاحًا للثورة الفلسطينية، فهي بعيدة عن أرضها وعن جماهيرها، وأكثر من ذلك فقد كان عليها أن تعتمد على فلسطينيي الخارج وعلى الأغنياء منهم بالذات.

    وكانت لهؤلاء الأغنياء ورغم إخلاصهم لقضية وطنهم رؤى مختلفة ومطالب تتعلق بتوجهات الدول التي صنعوا فيها ثرواتهم، ثم إنهم كانوا تحت ضغوط من دول كبيرة يتعاملون معها.

    وكانت المنظمة تشعر بتمزق اجتماعي شديد.

    تعتمد من ناحية على أغنياء التيه الفلسطينيين وأصحاب الملايين فيه.

    وفي نفس الوقت تتعامل معهم بنوع من الاستعلاء الثوري! ولا يتورع بعض القياديين في المنظمة عن وصفهم بـ «الكمبرادور» وهو تعبير ماركسي يصف الغنى المحدث لبعض رجال الأعمال في المدن مما لا يربطهم التزام وطني ولا تسندهم قاعدة اجتماعية ثابتة، وإنما علاقات مصالح طارئة.

    بالإضافة إلى ذلك أن منظمة التحرير شغلت نفسها بأكثر من اللازم وذلك مفهوم في تجميع عناصر القوة من مال وسلاح ونفوذ سياسي، وبالفعل أصبحت المنظمة قوة يُحسب حسابها، ولكن هدفها ظل محجوبًا عنها يتأرجح بين التحرير وبين التفاوض وبين أحلام اليقظة وواقع الحال.

(3)

محطات على طريق فتح والمنظمة

«إنني قُلت لهم في اجتماع أخير حضره أبو عمار وأبو إياد وأبو اللطف إنني أعطيهم الحق في رفض قرار مجلس الأمن لأنه لا يقدم شيئًا للقضية الفلسطينية، ثم أننى أعطيهم الحق في رفض مبادرة روجرز. قلت لهم أيضًا إنني أعطيهم الحق في شرح موقفهم في كل مكان بما في ذلك القاهرة، ولكني لا أعُطيهم الحق ولا أسمح لهم ولا لغيرهم أن يقوموا بتخوين هؤلاء الذين قبلوا قرار مجلس الأمن أو قبلوا مبادرة روجرز» عبد الناصر للملك حسين.

إن الشاهد أن منظمة التحرير سارت في طريق وعر ومجهول وإن ظهرت عليه مجموعة من المحطات الرئيسية:

  1. في المحطة الأولى ومع قيام «فتح» جرى اعتماد «سياسة التوريط» وكان «التوريط» موجهًا إلى مصر لدفعها نحو حرب عاجلة مع إسرائيل ترى مصر (الناصرية وقتها) وقتها أن وسائلها لم تتوفر بعد، وترى حركة «فتح» أن الوسائل موجودة ولكن الهمة غائبة!
  2. وفي محطة ثانية وبعد أن تحقق لحركة «فتح» أن تتصل بمصر وبالزعيم «جمال عبد الناصر» وتحقق لها من خلال ذلك السيطرة عمليًا على منظمة التحرير فإن هناك من تصور بعدها أن الآمال المعلقة على الثورة الفلسطينية خصوصًا بعد معركة الكرامة في الأردن، تمكنها من أن تحل محل مصر في التوجيه العربي عن طريق قيادة الرأي العام.

    وكان ذلك شططًا لأن إمكانيات مصر ومواردها، زائدًا عليها قيادة «جمال عبد الناصر» في ذلك الوقت لم تكن تسمح بذلك وفي وقت من الأوقات تصورت المنظمة أن قبول مصر لمبادرة «روجرز» يُضعف مصداقياتها شعبًا وقيادة أمام بقية الأمة العربية.

الزعيم جمال عبد الناصر وقادة حركة فتح في القاهرة للمرة الأولى ويظهر في أقصى اليمين الأستاذ محمد حسنين هيكل


وكان الزعيم جمال عبد الناصر يرى طموحات المنظمة، وكانت تجاوزاتها تدعوه إلى الاستغراب في بعض الأحيان، ولكنه لم يتركها تؤثر على رؤيته الشاملة للضرورات العربية. وفي اجتماع بينه وبين الملك الأردني حسين في رأس التين في الإسكندرية في أغسطس 1970 يسجل محضر الجلسة ما نصه:

الرئيس جمال عبد الناصر موجهًا كلامه للملك حسين: «إنني معك في أن الفلسطينيين تجاوزوا في معارضتهم لقبولنا بمبادرة روجرز. هم لم يفهموا مقصدنا من قبول المبادرة، وقيادتهم واقعة تحت تأثير جماعات عقائدية مرتبكة ذهنيًا و مشتتة، لكن ذلك لا يصح له أن يدعونا إلى مواجهة تجاوزهم بتجاوز مقابل.

إنني قُلت لهم في اجتماع أخير حضره أبو عمار وأبو إياد وأبو اللطف إنني أعطيهم الحق في رفض قرار مجلس الأمن لأنه لا يقدم شيئًا للقضية الفلسطينية، ثم إنني أعطيهم الحق في رفض مبادرة روجرز. قلت لهم أيضًا إنني أعُطيهم الحق في شرح موقفهم في كل مكان بما في ذلك القاهرة، ولكني لا أعطيهم الحق ولا أسمح لهم ولا لغيرهم أن يقوموا بتخوين هؤلاء الذين قبلوا قرار مجلس الأمن أو قبلوا مبادرة روجرز، لأن أمامنا كفاح شاق وطويل سياسيًا وعسكريًا».

أبو إياد صلاح خلف

أبو اللطف فاروق قدومي


ويضيف الزعيم جمال عبد الناصر للملك حسين : «أنا أعرف أنهم تطاولوا عليك وعلى الأردن، ولكني أمانة أمام الله وأمام الأمة أُحذر من اتخاذ أسلوبهم في التعامل معك أو معي رُخصةً لضربهم. وأنا أفرق دائمًا بين قضية فلسطين وهي مسئوليتنا جميعًا، وبين مواقف أي عناصر فلسطينية بالذات.

ورأيي أن قضية فلسطين أكبر من أي فصيل فلسطيني حتى وإن ادعى بالثورة المسلحة للتحرير، ولهذا فإن علينا مسؤولية المحافظة عليهم وحمايتهم حتى من أنفسهم!».

لم تنته القصة بعد في طريق الفلسطينيين على الخريطة للوصول للحائط المسدود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد