«إن العرب قد اخترعوا شيئًا جديدًا في الدبلوماسية: فهم يتفقون أولًا، وبعدها يتفاوضون! والواجب أن يكون العكس، وأن تكون المفاوضات قبل إعلان الاتفاقات».

أحد الدبلوماسيين عن اتفاق أوسلو.

كنت قد تحدثت في الجزء السابق، عن أسباب عرفات الذاتية والموضوعية في توقيع اتفاق أوسلو، وكذلك تقدير عرفات لردود الأفعال من داخل منظمة التحرير، واليوم أواصل عرض بقية قصة أوسلو.

كان في تقدير عرفات أن الدول العربية بعضها سيكون مشكلة، وبعضها الآخر سيكون عنصر حل لتلك المشكلة، فهناك مصر والمغرب.

ومصر راضية، بل إنها سبقت منظمة التحرير إلى اتفاق مع إسرائيل.

مبارك وبيريز

ثم إن ملك المغرب الحسن الثاني لم يعتبر نفسه قط عدوًا لإسرائيل، ولم يكن يكف دائمًا على أن يقول:

«إن تقدم منطقة الشرق الأوسط يقوم على ثلاث ركائز: العبقرية اليهودية– ثم فوائض الأموال الخليجية– ثم اليد العاملة من دول الكثافة السكانية وبالذات في مصر والمغرب».

الملك الحسن

وأكثر من ذلك فقد كان عرفات يتوقع أن تساعده القاهرة والرباط لدى العواصم العربية التي يمكن أن تتخذ موقف الرفض، وطار إلى المغرب، وعرف أن الملك الحسن يتفهم دواعيه وأسبابه إلى اتفاق مع إسرائيل ويؤيده، ثم سارع عرفات إلى القاهرة، وفي الواقع كان هدفه أن تتمكن القاهرة من فتح الطريق أمامه إلى الرياض وإلى دمشق.

كان موقف السعودية شديد الأهمية بالنسبة لياسر عرفات؛ فهو يريد أن يعقد معها صلحه بعد قطيعة حرب الخليج، ثم إن السعودية أكثر من يستطيع أن يساعد على عملية التنمية والإنعاش، التي يتوقف عليها مصير الاتفاق، وقبول جماهير الشعب الفلسطيني له بعد لحظة المفاجأة الأولى.

وحتى من قبل أن يجيء عرفات إلى القاهرة، فإن أبو مازن دعا السفير السعودي إلى لقائه في تونس، وطلب منه أن يبعث برسالة شفوية إلى الملك فهد شخصيًا مؤداها: «إنه كانت هناك اتصالات في أوسلو بيننا وبين الإسرائيليين، وقد رجونا الإخوة المصريين مبكرًا أن يحيطوا جلالتكم بها، ونحن الآن انتهينا من التفاوض تقريبًا، وتوصلنا إلى خطوط اتفاق نبعث به إلى جلالتكم طالبين مباركتكم».

لكن الرد السعودي جاء مخيبًا لآمال القيادة الفلسطينية؛ ذلك أنه بعد ثلاثة أيام من الصمت عاد سفير السعودية في تونس إلى «أبو مازن» يسلمه برقية من جدة نصها: «نشكركم على رسالتكم الجميع في الخارج متمنين لكم التوفيق».

(1)
ردة الفعل في الرياض

«نحنُ قبلنا من آل سعود أن يعطونا مالًا، فهل يعني هذا أنهم يستطيعون أن يعطونا فكرًا»؟ عبد الحليم خدام عن مبادرة الملك فهد.

لكن خيبة الأمل التي أحدثتها هذه البرقية لم يطل أمدها؛ لأن واشنطن أحست بتحفظ الرياض إزاء الاتفاق، ولم يكن رأيها أن ذلك هو الوقت المناسب لتصفية الحسابات الباقية بعد حرب الخليج؛ وفي ظرف أربع وعشرين ساعة بدا أن موقف الرياض يتغير، وكان السفير السعودي هو الذي طلب مقابلة أبو مازن هذه المرة ليبلغه رسالة مؤداها: «إن خادم الحرمين يريد تفاصيل أكثر عن الاتفاق، ويطلب إحاطته بأي تطورات منتظرة».

الملك فهد

وأكثر من ذلك فإن الملك فهد قد قابل الرئيس الأمريكي السابق «جيمي كارتر» في ذلك الوقت، وكان عائدًا من اليمن، وأثناء لقائه مع «كارتر» تحدث الملك «فهد» حديثًا طويلًا قال فيه :«إنه نصح المنظمة أن تتكلم وترتب كل شيء مع الرئيس حسنى مبارك، ونحن سنساعد في كل خطوة، ولسوف نساعد ماليًا أيضًا، ولكن بدون إعلان»، ثم قام الملك فهد بتذكير كارتر أنه هو صاحب المشروع الذي يحمل اسمه (مشروع فهد الذي وافقت عليه القمة العربية في فاس)، وهو يتضمن ما يعني الاعتراف بإسرائيل، ثم أضاف الملك قائلًا لكارتر: «إننا تلقينا رسائل كثيرة من عرفات ولم نرد عليها، ولكن هذا لا يعني أننا ضده».

كان الملك فهد قد أحس بصدمة حين أُعلن الاتفاق؛ من ناحية فاجأته سرعة التطورات، ولم يكن على استعداد لهذه السرعة، ومن ناحية أخرى فقد كان يتمنى أن يكون له دور في صنع سلام الشرق الأوسط، وهو على أي حال صاحب مشروع يحمل اسمه وهو مشروع فهد، وقد أقرته الدول العربية في اجتماع فاس، وردت بعده على مشروع ريجان.

وفي اليوم التالي لإعلان أوسلو كان الملك في مجلسه يبدي دهشته مما حدث في أوسلو، وروى للجالسين معه أنه جاء إلى الفلسطينيين بما هو أفضل (عشرين مرة) مما قبلوه في أوسلو، ولكنهم أتعبوه، وفي مرة من المرات كان في واشنطن، وكان مدعو على العشاء مع الرئيس الأمريكي وقتها جيمي كارتر، وأخذه كارتر بمفرده إلى غرفة ابنته إيمي وقال له: «يا سمو الأمير(كان وقتها وليًا للعهد) إذا قبل عرفات قرار مجلس الأمن242 وفعل ذلك علنًا؛ فسوف أستقبله في واشنطن باعتباره رئيس دولة».

وواصل الملك روايته فقال: «إنه استدعى أبو عمار بعدها إلى الرياض وأبلغه بما حدث، وعاد أبو عمار إلى بيروت وهو في غاية السعادة، ولكن ما لبث عرفات حتى بعث له برسالة يبدي فيها ثلاثة تحفظات».

واستطرد الملك فهد يقول في مجلسه: «عرفت فيما بعد أن هذه التحفظات وراءها كمال جنبلاط، فعرفات أفشى له بكل شيء، وكمال جنبلاط أفسد الموضوع، وكانت هذه فرصة تاريخية ضيعها أبو عمار على نفسه».

وواصل الملك حديثه في اليوم التالي لإعلان أوسلو، وروى أنه حاول مساعدة جهود السلام بكل طاقته إلى درجة أنه كان أول مسئول عربي اتصل بالسادات بعد زيارته لإسرائيل، رغم أنه لم يستشرنا في الزيارة، ولم نعلم بها من قبل، وقلت له: «يا سيادة الرئيس نحن لا نستطيع تخوينك كما فعل غيرنا، فأنتم قاتلتم وأعطيتم الدم، وتعرفون أكثر من غيركم أين المصلحة، لكني كنت أتمنى عليك أن تضمن شيئًا للفلسطينيين».

وقال أحد الأمراء الحاضرين في الجلسة للملك: «ربما لم يكن أمام عرفات بديل آخر».

ورد الملك معترضًا بأن عرفات كان لديه بديل آخر، وهو المشروع الذي قدمته؛ هذا المشروع كان يطالب بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وإزالة المستوطنات، وفترة انتقالية أقصاها سنة تحت إشراف دولي، وضمانة القوى العظمى لتنفيذ هذا الاتفاق، وكان فيه الاعتراف بإسرائيل.

واستطرد الملك مبديًا ضيقه من الطريقة التي تعامل بها العرب مع مشروع فهد، واستفاض في الحديث، وروى الملك: «إننا حاولنا جس نبض السوريين للمشروع بطريقة هادئة، وبعثت به مع خالد الحسن، وعاد خالد الحسن يقول لي أنه عرض المشروع على عبد الحليم خدام، وإذا خدام يرد عليه بغلظة قائلًا: «نحنُ قبلنا من آل سعود أن يعطونا مالًا، فهل يعني هذا أنهم يستطيعون أن يعطونا فكرًا».

وأضاف الملك أنه اتصل بالرئيس حافظ الأسد يبلغه عتابه على ملاحظة خدام القاسية.

الملك فهد والرئيس حافظ الأسد

ثم عاد الملك يقول: «إن العرب لم يتعاملوا بجدية مع مشروع فهد للسلام؛ فقد عرضته لأول مرة عليهم قبل مشروع ريجان ورفضوه، وهم يعلمون أنه ليس لديهم أحسن منه، وبعد رفض المشروع جاءني عرفات يشكو لي من أن باب مصر مغلق أمامه، وباب سوريا المفتوح مظلم، وقلت له يا أبو عمار قُل لي ماذا أفعل؟، ولم يكن لديه غير الشكوى من السوريين، حيث قال له لقد بقينا من سنة 1972 إلى سنة 1982 عشر سنوات تحت السيطرة السورية».

وأضاف الملك في مجلسه، أنه غادر مؤتمر فاس الأول، الذي رفض فيه العرب مشروعه، وهو مصدوم. والملك خالد -رحمه الله- رأى بنفسه أن يكون في استقبالي في المطار لكي يطيب خاطري.

ثم أضاف الملك أنه عرف من وزارة الخارجية في جدة، أن السفراء الأوروبيين كانوا يظنون أن أمريكا وراء توقيع أوسلو، ولكن أدهشهم أن أمريكا فوجئت؛ ثم قال الملك إن أحد السفراء الأوروبيين في جدة أبلغ الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية: «إن العرب قد اخترعوا شيئًا جديدًا في الدبلوماسية، فهم يتفقون أولًا وبعدها يتفاوضون! والواجب أن يكون العكس، وأن تكون المفاوضات قبل إعلان الاتفاقات«.

وكان الرئيس المصري حسني مبارك على استعداد لأن يمارس دورًا إيجابيًا في فتح أبواب الرياض أمام عرفات، وكان عرفات يريد التوجه مباشرة من القاهرة إلى الرياض، لكن الرئيس مبارك نصحه بالتروي، ورأى أن يكتب رسالة إلى الملك يستشعر من خلالها رد فعله المحتمل لزيارة يقوم بها عرفات إليه.

ورد الملك بأنه لا يريد الآن لقاءات؛ لأن إحساسه تجاه عرفات ما زال متغيرًا، وإذا كان لا بد لعرفات أن يذهب للسعودية فعليه أن يقدم اعتذارًا للملك وللأسرة الحاكمة، ليس بسبب موقفه من حرب الخليج، فهذا الموقف يمكن غفرانه والتسامح فيه، ولكن الاعتذار المطلوب كان بشأن تصريح سابق (في أعقاب حرب الخليج مباشرة) منسوب إلى عرفات قال فيه: «إنه يعرف أن هناك طائرات إسرائيلية شاركت في ضرب العراق من قواعد تمركزت في السعودية»، وكان الملك يعتقد أن هذا التصريح لم يكن فقط كذبًا، ولكن عرفات كان يعرف أنه كاذب عندما قاله أيام حرب الخليج.

ولم يكن عرفات جاهزًا في هذه اللحظة لأن يعتذر علنًا لأحد، وقد اقترح أن يذهب للقاء الملك ثم يعتذر له وهو يصافحه، لكن الملك فهد رد بأن قدميّ عرفات لا يمكن أن تلمسا أرض المملكة إلا إذا اعتذر أولًا.

(2)
ردة الفعل في دمشق

«أنتم أثرتم غُبارًا كثيرًا حول سوريا، وادعيتم أنها توصلت لاتفاق منفرد دونكم، وأنتم تعرفون أن ذلك غير صحيح، ولكنكم كنتم تريدون أن تغطوا على فعلتكم السوداء في أوسلو». الرئيس حافظ الأسد لياسر عرفات.

وكان الرئيس مبارك مرة أخرى هو الذي حاول أن يفتح طريق عرفات إلى دمشق؛ وقد اتصل بالرئيس حافظ الأسد تليفونيًا، لكن الرئيس الأسد كان مُصرًا على الرفض، ووصل الكلام بين الرئيسين إلى حد أن الرئيس مبارك قال للرئيس الأسد: إنه يطلب هذا اللقاء من أجل خاطره هو، ووافق الرئيس الأسد كارهًا، وحدد موعد يوم 6 أكتوبر، ثم عادت دمشق بعد ذلك فأعلنت تأجيل الموعد.

كان الرئيس حافظ الأسد في حالة ضيق شديد بالفعل عندما سمع بنبأ الاتفاق لأول مرة، وقد استعمل ألفاظًا بالغة القسوة في وصف من وقعوا الاتفاق، ومن شاركوا فيه، ولم يستثنِ منهم أحدًا!

الرئيس حافظ الأسد

والحاصل أن هذا الاتفاق أربك الخطة الدفاعية التي كان الرئيس الأسد يتحصن بمواقعها، منذ خروج مصر باتفاقية كامب ديفيد، فقد كان مطمئنًا إلى أن موقفه معزز في ثلاثة مواقع خارج سوريا: القضية الفلسطينية– الوجود السوري في لبنان– العلاقة الخاصة في إيران، التي أصبحت لاعبًا هامًا مؤثرًا في أوضاع المنطقة.

وعلاوة على ذلك فإن الرئيس الأسد، وإن كان بما لديه من معلومات قد عرف الكثير عن القنوات السرية المفتوحة بين المنظمة وإسرائيل، إلا إنه ظل مقتنعًا حتى آخر لحظة بأن عرفات لا يستطيع أن يدفع الثمن اللازم لإقناع إسرائيل بأن تتعامل معه.

وفجأة.. اكتشف الرئيس الأسد أن عرفات يستطيع!

وكانت الولايات المتحدة تتحسب لردة الفعل السورية، ورأت أن يقوم وزير الخارجية وارين كريستوفر بالاتصال تليفونيًا بالرئيس الأسد، ثم يقوم الرئيس بيل كلينتون نفسه باتصال ثان؛ وكان هدف الاتصالات أن يتحفظ الرئيس الأسد في ردة فعله، ومع كريستوفر ومع كلينتون كرر الرئيس حافظ الأسد وجهة نظره، محتفظًا لنفسه بحرية الحركة، فقد قال للاثنين: «إن سوريا سوف تنظر لاتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني– الإسرائيلي نظرة موضوعية، إذا كان يضرنا فسوف نهاجمه، وإذا كان ينفعنا فنحن نؤيده«.

ودعا الرئيس الأسد إلى اجتماع للقيادة السورية وكان الرأي أن الاتفاق ضار بمصالح سوريا، وبالقضية القومية، وبدأ الهجوم.

وعادت الولايات المتحدة تحاول تهدئة الأمور، ولم ييأس الرئيس مبارك، وإنما عاد إلى وساطته وظنه أن الواقعية سوف تفرض نفسها، وقبل الرئيس الأسد أخيرًا أن يستقبل عرفات في دمشق.

وحاول السيد ياسر عرفات أن يشرح للرئيس الأسد مجمل الظروف التي دفعته إلى اتفاق سيئ، ورد عليه الرئيس حافظ الأسد ردًا متصلًا لمدة ثلث ساعة، ركز فيه على خمس نقاط:

الرئيس حافظ الأسد وياسر عرفات

1- إنكم باتفاقكم مع إسرائيل في أوسلو خُنتم شمولية الحل العربي.

2- وعندما انفرد بكم الإسرائيليون أعطوكم أقل ما كان يمكن أن تأخذوه في ظرف مختلف.

3- إنني لم أدهش لما وصلتم له؛ فهذه نتيجة البعد عن العمل العربي المشترك، ورفض التنسيق، وقصور الكفاءة مع نسيان عنصر الأهلية التي لم تكن تتوافر لكم إلا بتأييد عربي، وأنتم أبعدتم أنفسكم عن العرب.

4- رغم الثمن الفادح الذي دفعتموه فأنا أشك في مصير الاتفاق.

5- أنتم أثرتم غُبارًا كثيرًا حول سوريا، وادعيتم أنها توصلت لاتفاق منفرد دونكم، وأنتم تعرفون أن ذلك غير صحيح، ولكنكم كنتم تريدون أن تغطوا على فعلتكم السوداء في أوسلو.

(3)
ردة الفعل في عمان

«كنا نعرف أنه إذا انفرد الإسرائيليون بالمنظمة؛ فإن الثمن الذي سيدفعه الشعب الفلسطيني سوف يكون باهظًا». الملك حسين معلقًا على اتفاق أوسلو.

لم يكن الملك حسين مُفاجأ بقناة أوسلو، فقد كان يعرف عنها من مصادره، لكنه لم يعلق عليها أهمية كبيرة، وقبل إعلان الاتفاق كان رأى أبو مازن أن من الضروري إبلاغ الملك -حتى وإن كنا نعرف أنه يعرف-، فالملك بسبب وضع الأردن السياسي والجغرافي، وبحقيقة أن أغلبية مواطني مملكته من الفلسطينيين، كان وسوف يظل طرفًا رئيسيًا في أي تسوية مقبلة.

الملك حسين

وبالفعل فإن أبو مازن ذهب إلى عمان بنفسه، وفي فكره أن يسلم للملك حسين نسخة من مسودة النقاط، التي كان يُجرى بحثها في أوسلو، وكان ذلك يوم 17 يوليو1993، لكن أبو مازن عاد فراجع نفسه، فقد خشي لو سلم بنفسه للملك ورقة مكتوبة، أن يكون إبلاغ الملك قد أخذ صورة جدية ونهائية، بينما الصيغ لا تزال حتى تلك اللحظة في أوسلو تحت المناقشة.

وكان الحل الذي ارتآه أبو مازن هو أن يسلم نسخة من مسودة النقاط المقترحة للاتفاق إلى الدكتور أشرف الكردي، وهو طبيب أعصاب مشهور في مجمع الحسين الطبي في عمان، وهو في نفس الوقت صديق مقرب للملك حسين، وفي مناسبات كثيرة لعب دور قناة اتصال بين المنظمة وبين الملك.

كان الملك حسين مذهولًا من نبأ إعلان اتفاق أوسلو، فقد كان شبه واثق فيما بينه وبين نفسه أن هذه القناة لن تصل إلى شيء، وكان يعتقد أنه صاحب حق في أن يؤخذ رأيه قبل أن يضع أي توقيع على ورق.

وطبقًا لما رواه الملك في مجلس وزرائه: «أنه أكبر من تحمّل أعباء الشعب الفلسطيني، فقد قدمت لهم المملكة كل شيء، ابتداءً من فرص التعليم والعمل إلى جوازات السفر، وحماية دولة يستندون إليها، وهو تصرف معهم طوال الوقت باعتبارهم مواطنين وليس باعتبارهم لاجئين، كما فعل غيرنا»، وأضاف «أنه تحمل عبء القضية الفلسطينية، وهو ثقيل بالنسبة لبلد في حجم الأردن وموارده، لكنه لم يضق بالمسئولية ولم يشكُ لأحد، وحين أحس أن الشعب الفلسطيني يريد إبراز شخصيته الدولية، فقد وافق في الرباط على أن تكون منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني».

ومع أنه لم يكن مقتنعًا بسلامة هذا القرار، فإنه نزل فيه على الإجماع العربي والطلب الفلسطيني، وبعد قيام الانتفاضة؛ وما أحس به من رغبة الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم، فإنه بنفسه كان المبادر إلى فك الروابط الدستورية والإدارية بين ضفتي الأردن، لكي يعطي القيادة الفلسطينية الفرصة مفتوحة تتحرك كيفما تشاء.

وكان الملك يقول وبحدة إنه عرف أن اتفاق أوسلو وقع من الجانب الفلسطيني، باعتباره جزءًا من الوفد الأردني المقبول رسميًا في مدريد، والمعترف به على هذا النحو في واشنطن.

وكان أبسط الأشياء أن نستشار فيما فعلوه، قبل أن يوقعوه في أوسلو، ويضيف الملك: «إذا ظنوا أنهم أحرار في أن يوقعوا كما يشاءون دون استشارة أحد هذا حقهم، لكن ليس من حقهم أن يوقعوا باسمنا على ما قد لا نكون مستعدين للرضاء به«.

ويمضي الملك فيقول إنه رجا عرفات إلى درجة التوسل في بعض المرات بأهمية التنسيق بين الأردن والمنظمة، وكان أبو عمار يعد ولا يفي، وكان يخفي أكثر مما يظهر، وكنا نعرف الحقيقة، وكانت معرفتنا بالحقيقة تجرحنا لأننا بصرف النظر عن مشاعرنا كنا نعرف أنه إذا انفرد الإسرائيليون بالمنظمة فإن الثمن الذي سيدفعه الشعب الفلسطيني سوف يكون باهظًا.

كان الملك حسين يحاول أن يستعيد توازنه بكل وسيلة بعد مفاجأة توقيع الاتفاق، وكان الضغط الأمريكي شديدًا عليه، لكي يتغلب على مشاعره، ويعلن تأييده، بعد أن صدرت عنه تصريحات متسرعة أدلى بها في لحظة انفعال.

الملك حسين وياسر عرفات

وبحقائق الأمور فإن مشاعر الملك راحت تهدأ يومًا بعد يوم، ثم تكررت ملاحظته بأن «هذا الاتفاق سوف يلحق ضررًا بليغًا بمصالح الأردن، ما لم نبادر بسرعة إلى العمل»، وهكذا كان الملك مستعدًا بعد أيام لقبول وساطة مبارك، واستقبال عرفات.

وبذلك تكون انتهت مرحلة وبدأت مرحلة جديدة من ترحال العرب على الخريطة، للوصول للحائط المسدود في صراعهم مع إسرائيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
s