إن ملامح بني إسرائيل، وصفاتهم، وما يعتلج في صدورهم، وما تضمره قلوبهم، من حقد وحسد وضغينة.. تتراءى من أيام أبيهم إسرائيل عليه السلام. حينما تآمروا، وخططوا، وبيتوا تحت جنح الظلام، مكيدةً خبيثةً شيطانيةً، شريرةً، لقتل أخيهم الصغير يوسف عليه السلام، والتخلص منه بذريعة واهية، وحجة ضعيفة، أن أباهم كان يحبه، ويهتم به أكثر منهم، ويؤثره عليهم.

(إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ. ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ) (1).

منذ تلك اللحظة تتجلى سجاياهم التي تحمل كل صفات الإجرام، والقتل، والكيد، والتآمر، والتي انتقلت بعد ذلك، عبر الأجيال، إلى أبنائهم وذريتهم، وخلفهم. فتضخمت، وتجذرت في أعماقهم، وترسخت أكثر وأكثر، وتشبثت وتوطدت في سلالة بني إسرائيل.

(فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا) (2).

وبالرغم من كونهم، أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أبي الأنبياء عليهم جميعًا السلام! ومن سلالةٍ طيبةٍ، زكيةٍ، طاهرةٍ، إلا أن الأبناء، لم يكونوا على ذلك المستوى الراقي، السامق، الرفيع، الذي كان عليه أبوهم وجدهم، وجد أبيهم.

تزيين الشيطان لهم لقتل يوسف

إلا أن الشيطان الخبيث اللعين، قد تغلغل إلى نفوسهم الضعيفة، المهترئة، المهتزة، فزين لهم قتل أخيهم البريء الصغير، المحبوب عند أبيهم الهرم العجوز، فكادوا له كيدًا، تكاد الجبال تتزلزل منه، وخانوا، وكذبوا على أبيهم، حينما زعموا أن الذئب، هو الذي أكل أخاهم يوسف، وغدروا بأبيهم وأخيهم في نفس الوقت، ولم يرعوا حرمتهما، ولم يرحموا شيبة أبيهم، كما لم يعطفوا على طفولة أخيهم الصغير، البريء، الوادع، المسالم يوسف عليه السلام.

فطعنوا بذلك الاثنين بخنجر مسموم، دون خوف من الله تعالى، ولا خشية من عقابه، ولا مبالاة، ولا اهتمام بأنه سبحانه وتعالى، يراهم، ويعلم سرهم ونجواهم.

(وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) (3).

إرسال موسى
لتحريرهم من العبودية لفرعون

ثم بعد ذلك.. ظهرت حرب يهود على دين الله، وعلى أنبيائه، بشكل سافر، وفاضح، حينما أرسل الله موسى عليه السلام، إلى فرعون مصر، ليدعوه إلى عبادة الله وحده، وليستخلص منه بني إسرائيل، ويحررهم من العبودية له.

(وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ. قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ) (4).

(فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ. أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ) (5).

والذي كان يذيقهم سوء العذاب، والاضطهاد، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وفي ذلك كان بلاءٌ شديدٌ، وعظيمٌ لهم.

(وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ) (6).

وتحمل موسى عليه السلام، الأذى، والعنت، والشدة، لأجل إخراجهم من العبودية لفرعون، إلى عبودية الله سبحانه، الواحد الأحد.. فكانت مكافأتهم لجميله وإحسانه هي:

معصيته والنكال عن أوامره، والإساءة إليه، والزوغان عن عبادة الله الواحد الأحد، والإقبال على عبادة العجل والأصنام، تقليدًا لعبدة الأصنام، التي رأوها في طريق خروجهم من مصر، وانبهارًا وإعجابًا بها، والاستهانة بنبيهم، وعدم احترامه، ولا تقديره.

(وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ) (7).

بل الاستخفاف به، ومخاطبته بكل جلافة وغلظة، وصفاقة ووقاحة، حينما طلب منهم دخول الأرض المقدسة.. لتكون وطنًا مستقلًا، خالصًا لهم، بعيدًا عن سيطرة فرعون وجنوده.

(يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ. قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ) (8).

(قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ) (9).

ولكن الله الرقيب العتيد، عاقبهم بمسخهم قردة وخنازير، جزاء كفرهم ونقضهم مواثيقهم، وعتوهم وبغيهم وظلمهم، وسفاهتهم وفجورهم، وطغيانهم.

(فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِ‍ِٔينَ) (10).

ثم جاء التيه في صحراء سيناء 40 سنة.

(قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ) (11).

إصرارهم على البغي

ومع كل هذه العقوبات الربانية المتوالية، والمتعاقبة، فإنهم لم يتعظوا، ولم يعتبروا، ولم يتوقفوا لحظة واحدة، عن الكيد للمؤمنين والنبيين، ومحاربتهم،

بل تمادى بهم الأمر، وبلغت بهم الجراءة، أنه كلما جاءهم نبي، كذبوه، وبعضهم قتلوه.

(لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ) (12).

فإذا كانوا يقتلون الأنبياء، الذين هم صفوة البشر، وخيرة الخلق، فهل سيتورعون عن قتل أدنى منهم؟

هذا هو تاريخهم الأسود، الحافل بالإجرام، والقتل والغدر، والخيانة والتطاول على الله، ووصفه بأوصاف مهينة، لا تليق بجلال عظمته سبحانه.

(لَقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ) (13).

صفاتهم القبيحة واجتراؤهم على الله

هذه هي صفاتهم الذميمة، القبيحة، القميئة، وسوء أدبهم مع خالقهم، الذي فضلهم على العالمين، وأغدق عليهم نعمًا كثيرةً، لا تعد ولا تحصى، ونجاهم من فرعون، الذي كان يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم.

(وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ) (14).

(وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ) (15).

بل تمادت بهم الوقاحة، والصفاقة، والتبجُح، أن اجترأوا على الله العظيم، فطلبوا من موسى عليه السلام، بكل فجاجة، وغباء، وسوء أدب، أن يروه جهرة، سبحانه جل شأنه.

(فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ) (16).

فمن يجترئ على الله سبحانه، ويتطاول عليه، ويتشرط على نبيه، شروطا تعجيزية، واختبارية، كي يؤمنوا به، أيتورعون، أو يكبر عليهم، أن لا يجترؤوا على خلقه، ويستكبروا، ويتعالوا عليهم؟ خاصة وأنهم يعتقدون في قرارة نفوسهم.. أنهم شعب الله المختار.

(وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ) (17).

تآمرهم لقتل المسيح بن مريم

وكانت آخر أعمالهم الخسيسة الدنيئة، وآخر مكرهم، وكيدهم لآخر رسول من بني قومهم، اجتراؤهم على المسيح ابن مريم عليه السلام، والتخطيط لقتله، مع سبق الإصرار والترصد.

لولا أن الله تعالى رفعه إليه، وحماه من بين أيديهم، الملطخة بدماء النبيين السابقين، وأوقع بين أيديهم الآثمة، شخصًا شبيهًا به، فقتلوه، وصلبوه تشفيًا، وتنفيسًا عن حقدهم على المسيح بن مريم، وهم يظنون أنهم قتلوا المسيح، وتخلصوا منه، لأنه كان يدعوهم إلى توحيد الله، وهم ما يريدون إلا الشرك بالله.

(وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا. بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا) (18).

هذا هو حالهم، وهذا هو شأنهم مع أنبيائهم، من بني جلدتهم من بني إسرائيل، ومع ذلك فعلوا معهم الأفاعيل المشينة، من تكذيب، واضطهاد، وتنكيل، وقتل، وسفك لدمائهم الطاهرة، الزكية، البريئة، وما كان ذنبهم، إلا أنهم آمنوا بالله الواحد الأحد، ودعوهم لعبادته دون سواه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد