لا يستطيع القارئ أن يستبعد من ذهنه مشهد اغتيال يوليوس قيصر بالقرب من مسرح بومبي، في مؤامرة تشارك في نسجها كل أعدائه، حتى ممن كانوا يظهرون له الود والإخاء في مجلس الشيوخ الروماني، بمجرد أن يقرأ الأضرار المدمرة التي سوف تعانيها مصر ويربطها قائمة الدول التي دعمت إثيوبيا في مشروعها الخبيث، ذلك المشروع الذي تحالف معها فيه دول تظهر لمصر الإخاء، بل ذتركت وحيدة أمام خيارات أحلاهم مر.

بالطبع عند الحديث عن أي مؤامرة في الوطن العربي فلا يمكن لعاقل استبعاد الحضور الإسرائيلي؛ فهي دائمًا طرف قائم في المعادلة فكان حضورها في ملف النيل أدعى ولعله حضور سبق حتى إدراكنا له. في 23 من مارس (آذار) 1903 وصل إلى مصر على متن السفينة النمساوية سميراميس تيودور هرتزل، أحد الآباء المؤسسين لدولة إسرائيل، ورئيس المنظمة الصهيونية العالمية منذ 31 أغسطس (آب) 1897، ليعقد اجتماعًا في فندق شبرد مع وزير المستعمرات البريطانية، جوزيف تشمبرلين، واللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، والماركيز لانسدون وزير الخارجية البريطاني، وبطرس غالي رئيس النظار المصري؛ لبحث تأسيس وطن لليهود في سيناء فوافق الحضور، غير أنه اشترط تأمين وصول المياه من النيل من أسفل قناة السويس فرفضت الخطة بسبب التكلفة العالية، خاصة مع وجود بديل، فكانت فلسطين.

حتى في مباحثات السلام مع الصهاينة، كان لملف المياه الصدارة، في دراسة أعدها إليشع كيلي، رئيس هيئة تخطيط المياه في إسرائيل، قدم الرجل دراسة تفصيلية لنقل المياه بواقع 1% من حصة مصر، وهو ما وعد السادات حينها بدراسته، وشرع بالفعل في إنشاء ترعة السلام في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، بين فارسكور والتينة عند الكيلو 25، وقد التقى السادات حينها بعدد من المختصين وطلب منهم عمل دراسة علمية لتوصيل المياه إلى القدس، وهو ما أكده السادات ذاته في حديثه التلفزيوني مع المذيعة همت مصطفي في 25 ديسمبر (كانون الأول) 1979، وفي 13 من أغسطس نشرت الصحف المصرية نص خطاب السادات لمناحم بيجن، يفاوضه فيه على إخلاء مستوطنات الضفة وإعادة توطين ساكنيها في النقب، مقابل إيصال المياه، فرفض الأخير وعرض مشروعه القائم على شراء الماء بمقابل ضخم، وتشغيل العمالة المصرية في المشروعات التي ستقام، وطويت تلك الصفحة باغتيال السادات لاحقا.

لم يثن ذلك الفشل السعي الحثيث للصهاينة عن حلمهم الأبدي، فالنيل لهم ليس مجرد مياه تغطي احتياجاتهم، ولكنه حلم تلمودي يحد حدودهم الجنوبية في دولتهم العظمى ولم يرسم على علمهم هباء. ومع وصول مبارك للحكم، وتقزم دور مصر في محيطها العربي والأفريقي، انطلقت إسرائيل لفتح مجالات للتعاون مع إثيوبيا، مستغلة حاجة الأخيرة للدعم في حرب الاستقلال مع إريتريا، وحرب أوغادين مع الصومال، وفتحت ملف التنمية والشراكة الاقتصادية عبر الدعم الفني والتوجيه الإداري، وهو ما تكلل بإنشاء سد فيشا على النيل الأزرق عام 1984.

وفي حقبة مبارك كما ذكرنا، شارك الصهاينة في بناء 25 سدًّا من أصل 37 شيدتها إثيوبيا، فيما تكفل السوفيت والصينيون بالبقية، من بينهم سد سنيت، وسد خور الفاشن، وسد البيبو، وسد تكزه وجميعهم على النيل الأزرق. أدركت إسرائيل أنها بالفعل نجحت في امتلاك العديد من أوراق الضغط على مصر مما جعلها في «مؤتمر لوزان سويسرا 1989، وعلى لسان حايين بن شاهار، تعيد مقترحها مرة أخرى بالحصول على 1% من حصة مصر عبر سحارة لنقل المياه لسيناء ولاحقا لإسرائيل، فيما يعرف بنموذج بؤر أو «نيل أزرق أبيض»، وهو الاقتراح الذي كان جزءًا من مشروع شمعون بيريز «الشرق الأوسط الكبير»، وحظي بدعم من البنك الدولي ورغبة في التمويل. لم تتوقف إسرائيل يومًا عن خنق مصر مائيًّا، فمنذ دعمها منجستو ميلامريام الشيوعي، والمعروف بعدائه الشديد لمصر، مدت أيديها في جنوب السودان، واشعلت حرب أهلية أدت لتوقف قناة جونجلي (كان من المنتظر أن يوفر 30 مليار م3 وقيل أقل من الفواقد) بعد أن أنجز أكثر من نصف أعمالها وهو النجاح الذي خلدته الرقابة العسكرية في إسرائيل بإصدار كتابها «مهمة الموساد في جنوب السودان».

عودًا لسد النهضة، في 16 سبتمبر (أيلول) 2012، وقعت الحكومة الإثيوبية اتفاقًا مع شركة الكهرباء الإسرائيلية تتولى الأخيرة بموجبه نقل الكهرباء المنتجة من سد النهضة وإدارة مرور المياه على النيل الأزرق لكافة السدود، التي ستُشيد لاحقًا مما يعني ضمنيًّا سيطرة كاملة لإسرائيل على تدفق المياه لمصر، تلا ذلك اتفاق الحكومة الإثيوبية مع شركة جيجاوات جلوبل الإسرائيلية على استثمار 500 مليون دولار في مجال الطاقة المتجددة، وإعلان وزير الزراعة الإثيوبي «تفرا دبرو» أن 250 شركة إسرائيلية تقدمت بطلبات للاستثمار الزراعي في مارس 2014.

غير أن الدور الإسرائيلي اقتصر على التحريض أولًا والدعم الفني ثانيًا، فمن أين أتت الدولة الإثيوبية الفقيرة بالتمويل؟ حقيقة في بادئ الأمر واجهت إثيوبيا مخاضًا متعثرًا لتوفير التمويل الكافي، فالصين تكفلت بقرض بقيمة 1.8 مليار دولار هي قيمة الإنشاءات التي تنفذها الشركة الصينية المسئولة عن التشييد، فيما سعت الحكومة الإثيوبية لتوفير الباقي عبر اكتتاب عام لمواطنيها فلم يستجب الشعب؛ مما جعلها تفرض استقطاعات إجبارية من رواتب العاملين، وحوالات الإثيوبيين العاملين بالخارج، ومع هذا لم تنجح سوى في توفير 15%، وتفاقم الوضع حين قلت الحوالات من إثيوبيي الخارج، فتعرض وضع النقد الأجنبي الهش لمزيد من الضغوطات حتى كاد أن يؤدي لتوقف كامل للمشروع.

خيانة ممالك الخليج العربي

مع وصول آبي أحمد للحكم في مارس تغير المشهد بالكلية، فكانت أولى زياراته بالشرق الأوسط للمملكة السعودية، حيث قوبل الرجل بترحابٍ ملفت ووعودٍ باستثمارات مليارية في القطاع الزراعي على جانبي السد، بل وعدٍ بشراء طاقة كهربية عبر مشروع للربط مع جيبوتي واليمن، وكنوعٍ من الدعم السياسي لرئيس الوزراء الجديد أطلقت السلطات في المملكة سراح ألف سجين إثيوبي، ووعدت بإطلاق محمد حسين العمودي أكبر مستثمر سعودي بإثيوبيا وممول السد. لم يقتصر دور العمودي على الاستثمار بل تبرع بـ88 مليون دولار للسد منذ اليوم الأول لإعلان تشييده، كما تطوع بالتكفل بجميع الإسمنت اللازم للمشروع بسعر التكلفة عبر مصنعه هناك.

وفي دولة شمولية مثل المملكة، لا يتوقع لمستثمر أن يقدم على خطوة من شأنها إغضاب السلطة؛ مما يعني مباركة ضمنية من المملكة لمشروع السد المتعثر حينها، والتي أتبعتها بخطوة إقراض 140 دولارًا عبر صندوق التنمية السعودي الحكومي لتمويل البنية التحتية ومشروعات الطاقة، بل ضاعفت استثماراتها خلال فترة وجيزة لتقفز من نحو 5 مليارات دولار إلى 13.5 مليار دولار، فيما لم تغب الإمارات عن المشهد، وتقدمت في يونيو (حزيران) 2018 مساعدات لإثيوبيا بنحو 3.1 مليار دولار منهم 100 مليون دولار منحة، لا ترد ومليار دولار وديعة لدعم الاحتياطي النقدي المتهاوي وإنقاذ الدولة الإثيوبية من الإفلاس، وملياران للاستثمار، كان أولها تأسيس مصنع جلفار للصناعات الدوائية وعلى إثره أوقفت إثيوبيا فورًا استيراد الأدوية من 11 مصنع في مصر كانوا يبيعون منتجاتهم بأسعار تقل 10% عن المنتجات الهندية والصينية، فيما كان يعد ورقة ضغط في يد المفاوض المصري.

لم يقتصر الدعم الإماراتي عند ذلك الحد، بل ضاعفت من وارداتها من الأراضي الإثيوبية لتقفز من 180 مليون درهم لـ1.5 مليار درهم بهدف توفير سيولة من العملات الصعبة للدولة الإثيوبية، ولم تتأخر قطر كثيرًا وبادر شيخها السابق حمد بن خليفة آل ثاني – المعروف بعدائه للنظام السياسي المصري- بزيارة أديس أبابا مع وفد من رجال الاعمال، وتعهد باستثمارات تقدر بـ8.5 مليار دولار.

تلك الاستثمارات الخليجية ساعدت إثيوبيا على تجاوز محنتها الدولارية وتوفير احتياطٍ نقدي مطمئن، وسد العجز في ميزانها التجاري البالغ 8 مليارات دولار؛ مما شجع صندوق النقد والبنك الدولي – بعد توقيع اتفاق 2015 مع مصر والسودان – على توفير قرض لإثيوبيا بقيمة 5.9 مليار دولار ومنحة 600 مليون دولار لتمويل السدود الكهرومائية. كما أبدت الولايات المتحدة استعدادها لاستثمار 5 مليارات دولار في إثيوبيا عبر مؤسسة تمويل التنمية الدولية، طبقًا لما أكده أحمد شايد، وزير المالية الإثيوبي، في إخلال واضح لدور أمريكا كوسيط يفترض به أن يكون محايدًا.

يطرح الدور السعودي الإماراتي في تمويل السد ودعم إثيوبيا الكثير من علامات الاستفهام، فكلتا الدولتين على علم يقيني بالآثار المدمرة للسد على مصر، ومع هذا أقدمتا على تمويله ولو بشكل غير مباشر، بدلًا من استغلال نفوذهما لصالح دعم الموقف المصري، وهو ما لا يمكن رؤيته في سياق غير طعنة غادرة في إطار المناكفات السياسية والتنافس على قيادة المنطقة، ورغبتهما في امتلاك مزيد من أوراق الضغط على أقوى دولة عربية عسكريًّا وديموغرافيًّا وإرغامها مستقبلًا على السير في ركابهم على شاكلة البحرين.

سر التحول في الموقف السوداني

لم يكن تحول الموقف السوداني بالأقل غرابة، فمنذ إعلان إثيوبيا إنشاء سد عملاق على النيل الأزرق عام 2001، حرصت السودان على الاصطفاف مع الموقف المصري حد التطابق، وفي وثيقة سربها موقع ويكيليكس عام 2013 جاء فيها موافقة البشير على طلب مصر في 26 مايو (أيار) 2010 إنشاء قاعدة عسكرية في مدينة «كوستي» للقوات المصرية لتوجيه ضربة للسد، تحول الموقف الرسمي والإعلامي تمامًا وبدلًا من الحديث عن أضرار السد على 3 مليون فدان تعتمد على طمي الفيضان والمزارع السودانية، التي تعتمد على مياه الفيضان، وسوف يضطر صغار المزارعين لاستخدام طلمبات رفع المياه، واستخدام الأسمدة، وإنشاء المصارف، وتأثيره في الإنتاج السمكي من مياه النهر، خرج علينا وزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور في 21 نوفمبر 2017 ليقول إن السد سيمكن السودان من استخدام حصته كاملةً، والتي كانت تأخذها مصر هلي سبيل «السلفة» منذ 1959.

قلل الرجل في حديثه من خطر غرق السودان في حال انهيار السد معللًا ذلك بأنه أمر غير وارد، واستفاض بأن السد سيقلل كمية الطمي الذي يصل السودان، وينظم مرور المياه عبر سدوده مما يساهم في زيادة إنتاج الكهرباء من تلك السدود بواقع 20% سنويًّا، ويمكِّن بلاده من شراء الكهرباء بأسعار تفضيلية، بل الحصول على مقابل في حال تمرير الكهرباء عبر الشبكة السودانية لدول الجوار، معتبرًا أنه قد حان الوقت كي يضع السودان مصالحة أولًا، وهو الموقف الذي لم يتغير عقب إسقاط البشير في أبريل (نيسان) 2019، حين أفشل السودان الإجماع على مشروع قرار مجلس وزراء الخارجية العرب الخاص بدعم مصر في حفظ حقوقها المائية ردًّا على سد النهضة، وأصر على تحفظه رسميًّا في مارس 2020.

تناسى الوزير السوداني أن السد شيد على أرض طالما اعتبرها السودان أرضًا سودانية محتلة؛ فيما تستند إثيوبيا على اتفاقية موقعة عام 1902 تتنازل السودان بمقتضاها عن تلك الولاية وبحيرة تانا، وهي الاتفاقية ذاتها التي نصت على أنه لا يحق لإثيوبيا تشييد أي أعمال على مجرى النيل دون الرجوع للسودان وموافقة الأخيرة.

إن المتابع لتطور ملف السد يجد أن أكبر علامات التعجب والاستفهام لتنبع من الموقف المصري ذاته، في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2013 خرج علينا رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي بتصريح تليفزيوني مثير معتبرًا أن سد النهضة سيكون مصدر رخاء لدول حوض النيل، تصريح لم يكن أقل غرابة من اعتراف وزير الكهرباء المصري محمد شاكر في ندوة بنقابة المهندسين، في 26 أكتوبر 2014، بأن هناك دراسات متعلقة بإمكانية شراء كهرباء سد النهضة (وأعاد الوزير ذاته التصريح مؤتمر أفريقيا في شرم الشيخ في 9 ديسمبر 2017) وصولًا لتوقيع وثيقة إعلان المبادئ في 2015، وهو ما يعني تخلي مصر طوعًا عن 12 اتفاقية مع إثيوبيا، تحفظ لها حصتها في النيل (منهم خمسة موقعة في أوقات لم تكن إثيوبيا تخضع فيهم لأي احتلال) ابتداءً ببرتوكول روما في أبريل 1891 (مرورًا باتفاقيتي 1929 و1959 والتي نصت صراحة على حصة مصر التاريخية وحق مصر في الفيتو للاعتراض على أي مشروع من شأنه الإضرار بمصالح مصر) حتى إطار التعاون الموقع في القاهرة في يوليو (تموز) 1993.

لم تتوقف علامات الاستفهام على المواقف المصرية عند هذا الحد، فتوجه الدولة لنقل المياه عبر عدد من السحارات الجديدة- «سحارة ترعة السلام في 1 سبتمبر 2017 وسحارة سرابيوم في 22 أبريل الماضي»- لنقل المياه لشمال سيناء بغية التوسع الزراعي حاليًا في ظل ما تمر به البلاد من أزمة مائية دفعتها لمنع زراعة عدد من المحاصيل الاستراتيجية كالأرز، يثير التعجب، بخاصة في ظل علم مصر بسرقة إسرائيل لنحو 30 مليون م3 من مياه شمال سيناء الجوفية، طبقًا لتقرير مركز بحوث الصحراء الصادر 20 فبراير (شباط) 2014.

تجد مصر نفسها اليوم وحيدة في مشهد صعب لقلما مرت بمثله في تاريخها المعاصر، رفض ومماطلة إثيوبية، ورغبة في فرض سياسة الأمر الواقع؛ طمعًا في مليارات الاستثمار الخليجي، وبعد خطيئة التوقيع على وثيقة إعلان المبادئ والسماح لإثيوبيا باستمرار البناء دون انتظار تقرير المكتب الاستشاري حول الآثار المترتبة على دول المصب – وهو ما مكنها من الحصول على تمويلات دولية ما كانت لتتم لولا التوقيع المصري – وتحويل محور المفاوضات لتتركز على سنوات الملء دون التمسك بكامل حق مصر في حصتها التاريخية، التي يحفظها لها القانون الدولي، لم يبق في جعبة مصر الكثير، فإما البحث عن استجداء تفاهم حول سنوات الملء عبر وسيط دولي آخر بعد الفشل الأمريكي، وإما تحرك دولي عبر مجلس الأمن، وهو ما تم في 7 مايو الحالي، وسخرت منه إثيوبيا، مؤكدة أنه لن يجدي، أو خيار عسكري ولو محدود قد يعيد إثيوبيا للتفاوض مرة أخرى أو يرغمها على عدم الإضرار بمصر، أو قبول مستقبل قد تكون مقارنة به الشدة المستنصرية قبل نحو ألف عام أقل وطأه وأخف قتامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد