«فلسطين ليست قضيتي، مصلحة بلدي أولًا»، «ما دخلنا نحن في فلسطين ومشاكلها؟». إذا كنت من رواد النت ومن متابعي الشأن السياسي عن كثب، على الأغلب أنت قد سمعت عبارات مثل هذه ترد على ألسنة عرب ومسلمين من مختلف الجنسيات، فالخطاب الانعزالي يعد من أهم عناصر سردية أصحاب وجهة النظر الداعمة للتطبيع مع إسرائيل (إن كانوا أنظمة أو أفرادا) وإقامة علاقات رسمية معها.

إلى أصحاب هذا الرأي أقول، ربما قد لا تكون مكترثًا أو مهتمًا بما يتعرض له أهل فلسطين من ظلم وجور وتهجير وقتل وحصار، وربما قد تكون غفلت عن حقيقة أن الأقصى ليس ملك الفلسطينيين وحدهم بل هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وبالتالي فإن مهمة حمايته لا تقع على عاتق الفلسطينيين وحدهم وإنما على الأمة الإسلامية جمعاء، لكن عندما تتبرأ من قضية فلسطين تذكر أن أمامنا وقائع وأحداث وخرائط وتصريحات وتحليلات تؤكد أن إسرائيل لم تكن يوما عدوة الفلسطينيين وحدهم ولا طامعة في أرضهم فقط.

فمن يتمعن اليوم في الصراع العربي الإسرائيلي على المياه، واصطفافات إسرائيل إزاء الصراع على غاز شرق المتوسط، ودورها في تصفية النخب العلمية العربية، ودعمها للأنظمة العربية الوظيفية المستبدة، وتوغلها في القارة الأفريقية، وتقديم نفسها كمخلص مزعوم للأقليات الدينية والقومية في العالم العربي-الإسلامي.
سوف يدرك جيدًا أن أبعاد المشروع الصهيوني تتجاوز رقعة فلسطين الضيقة إلى كامل المجال الإقليمي الذي يعتبره بعض الخبراء الاستراتيجيين الصهاينة بمثابة المجال الحيوي لإسرائيل، وهو ما يضعنا أمام حتمية طرح الأسئلة التالية:

هل أطماع المشروع الصهيوني تتوقف عند حدود فلسطين؟

هل دولنا العربية والإسلامية في مأمن من الاعتداءات الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة على أمنها وسيادتها؟

وما هي علاقة إسرائيل بخطط تفتيت العالم العربي والإسلامي؟

في هذا الجزء الذي سنحاول فيه الاجابة على السؤال الأول، أود قبل التعمق في النقاش وضع بعض النقاط على الحروف لتوضيح الغاية من كتابة هذا المقال. أولا نحن لا نهدف إلى مخاطبة العقول عبر نظريات المؤامرة وانما عبر تقديم تحليل موضوعي مبني على وقائع ملموسة وحجج مثبتة ومصادر موثوقة، ثانيا تسليط الضوء على أدوار إسرائيل في إثارة أو إدامة بعض الأزمات في العالم العربي والإسلامي وجب أن لا يكون ذريعة لتسطيحها واختزال كافة أسبابها (المباشرة والعميقة) في العامل الإسرائيلي (مثلا: أزمة سد النهضة الإثيوبي، المسألة الكردية…)، ثالثا هذا المقال لا يهدف إلى تبييض صفحة أنظمة أو جماعات أوغلت في دماء الأبرياء باسم فلسطين وانما إلى كشف سعي إسرائيل الدؤوب لضرب شروط قيام أمتنا ماديا وروحيا.

طموحات إسرائيل التوسعية وأطماعها

خلال أربعينات القرن الماضي، وضع عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو نظرية صارت تعرف بـ«هرم ماسلو»، حيث قام من خلاله بترتيب الحاجيات الإنسانية حسب أهميتها واضعًا الاحتياجات الفسيولوجية (الماء، الطعام….) واحتياجات الأمان (السلامة الجسدية، أمن الموارد…) في المقامين الأول والثاني تباعًا كأهم الاحتياجات بالنسبة للبشر، من أجل هذين الأخيرين لم تتردد إسرائيل في خوض غمار الحروب للسيطرة على جنوب لبنان والجولان السوري وسيناء المصرية تحقيقًا لغايتين أساسيتين، الأولى تتعلق بحماية المصالح الأمنية (حماية الحدود وتأمين المستوطنات…) والثانية تتعلق بخدمة المصالح الاقتصادية (من استيلاء على موارد طاقية ومائية…).

هرم ماسلو

ونظرًا لولادة هذا الكيان الاستعماري الاستيطاني في بيئة معادية (خاصة على المستوى الشعبي)، لم يدخر قادة الاحتلال جهدا في التخطيط والعمل على امتلاك كل أسباب وشروط القوة التي تضمن استمرار وجود إسرائيل وتأمين حاجيات مستوطنيها المتزايدة وضمان تفوقها الحضاري على كل دول المنطقة. في هذا الإطار، يجب الإشارة إلى أن تحليلنا هذا سيكون وفق معيار جغرافي، حيث سنبدأ من أطماع إسرائيل في شمال فلسطين المحتلة مرورا بشرقها وصولا إلى جنوبها.

أطماعها في لبنان

ومن شمال فلسطين سوف ننطلق بالتحديد من جنوب لبنان، هذا الجنوب الذي طالما عانى الأمرين جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة عليه ما بين عامي 1978 و2006 لم يكن محل اهتمام دوائر صنع القرار الإسرائيلية لأسباب أمنية فقط تتعلق بإقامة حزام أمني يحمي مستوطنات الشمال من هجمات وصواريخ المقاومة الفلسطينية في مرحلة أولى وحزب الله في مرحلة ثانية، وإنما أيضا لأسباب حيوية واقتصادية تعلقت في المقام الأول بالموارد المائية، إذ لطالما كان الماء هو الهاجس الأكبر بالنسبة للآباء المؤسسين للحركة الصهيونية والكيان الإسرائيلي، وقد كان زعيم الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل أول من اهتم بقضية المياه وقدم في هذا الصدد مقترحات عملية للإنجليز بخصوص نهر النيل سنة 1903 سنتعرض لها بالشرح المفصل لاحقا.

لكن أهمية نهر النيل لدى الصهاينة لم تكن تضاهي أهمية أنهار بلاد الشام بشمال فلسطين المحتلة، فخلال مؤتمر باريس سنة 1919 طالب حاييم وايزمان بأن تشمل حدود إسرائيل الشمالية سهل الليطاني اللبناني حيث قدر عمق تلك المنطقة ب25 ميلا داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يؤمن لإسرائيل السيطرة على كل من نهري الليطاني والحصباني الذي يصب في بحيرة طبريا.

لم يتوقف الأمر عند حدود التنظير ومرت إسرائيل إلى مرحلة التنفيذ وكان أول تعبير صريح عن أطماعها في ثروات لبنان المائية هو قيامها بتدمير مشروع تحويل مجرى نهر الحاصباني والوزاني وقصف المعدات التي جهزتها الدولة اللبنانية لإنجاز المشروع الذي كان يهدف إلى استثمار مياه النهر وتنفيذ قرار القمة العربية التي عقدت في القاهرة سنة 1964 والقاضي بـ«التصدي لإسرائيل في محاولاتها سحب مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب وذلك من خلال قيام الدول العربية (لبنان وسوريا والأردن) بالسيطرة على روافد نهر الأردن وتحويل هذه الروافد تحت حماية قيادة عسكرية وعربية موحدة، وقد كان هذا التحرك الإسرائيلي إيذانًا ببدء تحول الماء إلى أحد أسلحة المواجهة مع العرب.

إثر اجتياح جيشها جنوب لبنان بريا لأول مرة سنة 1978 في إطار عملية الليطاني، تحقق لإسرائيل غايتها في السيطرة على نهر الوزاني الذي يغذي نهر الأردن حيث قامت بوضع مضخات ومواسير لنقل المياه من نهر الحاصباني إلى مستوطنات شمال فلسطين. أما بالنسبة لنهر الليطاني، فحتى بعد غزوها لبنان سنة 1982، لم تعمد إسرائيل إلى تحويل مجراه نحو مستوطناتها لأسباب فنية لكنها عملت على عرقلة جميع المشروعات التي تهدف إلى الاستفادة منه سواء عبر منع التمويل أو التهديد باستعمال القوة العسكرية.

حتى بعد انسحابها من الجنوب اللبناني سنة 2000، لم تترك إسرائيل لبنان حرا في التصرف في مقدراته المائية ووصل الأمر برئيس الوزراء الصهيوني آنذاك أرييل شارون في خريف العام 2002 إلى حد التهديد بشن حرب جديدة على لبنان اذا ما أصرت الحكومة اللبنانية على انجاز مشروع جر مياه نهر الوزاني إلى القرى والبلدات المحررة في الجنوب (لأن هذا النهر يوفر ما يبن 20 و25 بالمائة من مياه بحيرة طبرية)، وهو تهديد تكرر على لسان أكثر من مسؤول إسرائيلي معتبرين المشروع خطرا على أمنهم القومي المائي.

في الوقت الحاضر، لم تعد ثروات لبنان المائية فقط مهددة من قبل إسرائيل بل وأيضا ثرواته الطاقية المكتشفة حديثا، إثر الاكتشافات الهائلة للغاز الطبيعي في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط (خلال العقدين الماضيين) التي حولته إلى حلبة صراع جيوسياسي بين عدة قوى اقليمية ودولية، قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية حجم احتياطيات الغاز غير المكتشفة بـ122 تريليون متر مكعب بالإضافة إلى 107 مليار برميل نفط قابل للاستخراج.

في هذا الاطار، نشب خلاف بين اللبنانيين والإسرائيليين حول البلوك 9 و8 كما هو مبين في الصورة، فمع تمسك الجانب اللبناني بممارسة حقه السيادي في إطار حدوده البحرية المرسمة وفقا للقانون الدولي، حلت خطابات التهديد والوعيد المعتادة من قبل الإسرائيليين وعلى رأسهم وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان الذي طالب في مطلع العام 2018 الشركات التي منحت تراخيص للاستكشاف والتنقيب في البلوك 9 من قبل الحكومة اللبنانية بعدم القيام بأي أعمال في المناطق المتنازع عليها زاعما أنها ملك لتل أبيب، في هذا الصدد أشار الخبير النفطي ربيع ياغي إلى أن المساحة التي تريد إسرائيل الاستيلاء عليها من المنطقة الاقتصادية البحرية اللبنانية تقدر بـ900 كلم مربع.

أطماعها في سوريا

غير بعيد عن لبنان وبالتحديد في الجوار السوري، لم يختلف الوضع كثيرًا، فإذا ما نظرنا إلى مذكرة حاييم وايزمان 1919 التي تحدثنا عنها سابقا (في خصوص لبنان)، هذه المذكرة تنطبق أيضا على سوريا وقد طالب الأخير باسم المنظمة الصهيونية العالمية بأن تشمل حدود فلسطين الشمالية مرتفعات الجولان وحوض اليرموك من الجهة السورية معللا ذلك بالحاجة الإسرائيلية الماسة لمصادر المياه. تمتع هضية الجولان بأهمية جيواستراتيجية كبيرة وذلك لأنها تأمن للمسيطر عليها السيادة والاشراف على كل من نهر بانياس، نهر اليرموك، وادي الحولة، ينابيع دان وبحيرة طبرية وتجعل منه المتحكم الأول واللاعب الأساسي في حوض نهر الأردن، هذا طبعا دون نسيان ثروة المياه الجوفية التي تحتويها هذه الهضبة بفضل مناخها وطبيعتها التضاريسية.

خلال السنوات الماضية، أضيف معطى جديد على الساحة ألا وهو زعم بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه قد تم اكتشاف احتياطيات من النفط والغاز في الهضبة دون تحديد حجمها، هذه المعلومات التي كثر الحديث عنها في خريف العام 2015 وذلك عندما قدرت شركة أفيك وجود احتياطي ضخم بمليارات البراميل في الهضبة وهي المعلومة التي لم تؤكدها أي جهة رسمية إسرائيلية ولا عبرت عن نيتها تطوير حقول نفط في الجولان. فاستغلال هذه الأخيرة يبدو إلى حد الآن أمرا صعبا نظرا لاعتراض الجمعيات البيئية ومستوطني الجولان من المزارعين على أي عمليات تنقيب نظرا لما في حفر آبار النفط من أضرار على البيئة خاصة في منطقة تزخر بثروات مائية وزراعية هام.

لكن لم تكن المياه ولا الزراعة والطاقة هي السبب الوحيد الذي جعل الجولان محل أطماع الصهاينة، فنظرا لموقع الهضبة الاستراتيجي الذي يجعل من أي عملية استهداف لمناطق الجليل (شمال فلسطين المحتلة) أمرا سهلا، رأى الإسرائيليون أن الهضبة يمكن أن تشكل مصدر تهديد أمني سواء من حركات المقاومة الفلسطينية والجيش السوري سابقا أو من الميلشيات الإيرانية المتمركزة في سوريا حاليا. فإذا ما أضفنا هذا الهاجس أو الاعتبار الأمني-العسكري إلى الأسباب الاقتصادية والحيوية المذكورة آنفا، سنفهم دواعي شن إسرائيل الحرب لاحتلاله سنة 1967 ورفضها التخلي عنه إلى غاية يومنا هذا بل واعلانها عن ضمه رسميا إلى أراضيها في أواخر سنة 1981، علمًا أن الولايات المتحدة كانت قد اعترفت مؤخرًا بسيادة إسرائيل على هذه الهضبة.

أطماعها في الأردن

خلافًا لنظرية الوطن البديل المدعومة من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرف، وهي النظرية التي تزعم بأن الأردن هو الموطن الأصلي للفلسطينيين، وتبيح بالتالي العمل على طردهم وتهجيرهم باتجاه الشرق. تمثل أمامنا وقائع تاريخية عدة تؤكد أن شرقي الأردن أو ما صار يعرف اليوم بالمملكة الهاشمية الأردنية كان فيما ما مضى محط أطماع الصهاينة، وأن خرائط دولتهم المنتظرة كانت تشمل أراضي الأردن.

في كتاب صدر سنة 2003 عن دار الجليل للنشر والتوزيع تحت عنوان «قضية شراء الأراضي والاستيطان الصهيوني في الأردن وحوران والجولان» (وهو يعد مرجعًا مهمًا وثريًا جدا في هذا المجال)، تم تسليط الضوء على أبرز المقترحات والمخططات الصهيونية للاستيطان في شرق الأردن في القرنين التاسع عشر والعشرين، والتي يمكن تقسيمها وتصنيفها زمنيا إلى مخططات ما قبل وما بعد وعد بلفور سنة 1917 و إلى ما قبل وما بعد تأسيس إسرائيل سنة 1948.

فاذا ما بدأنا مع دعوات الاستيطان قبل صدور وعد بلفور، سوف نجد أن المخططات الأولى لاستيطان شرقي الأردن قد طرحت من قبل أشخاص غير يهود، وقد استفتحها الضابط البريطاني «السير تشارلز وارن» سنة 1867 عندما حدد منطقة جلعاد الأردنية كمنطقة مناسبة للاستيطان ناصحا بتأسيس شركة استيطان على شاكلة شركة الهند الشرقية البريطانية تكون مهمتها تأجير الأراضي من الدولة العثمانية الغارقة في الديون آنذاك.

لتليها خطة الرحالة الإنجليزي «لورانس أوليفانت» سنة 1879 التي كان عبارة عن نسخة مطورة من مقترح تشارلز وارن والتي وردت في كتابه المعنون «أرض جلعاد» حيث قدم أوليفانت خطة تهدف إلى إقامة كيان يهودي يتمتع بالحكم الذاتي (بدعم بريطاني) مع بقاء السيادة الفعلية للدولة العثمانية وذلك عبر إغراء السلطان بمبلغ مالي كبير نظرا للظرف المادي الصعب الذي كانت تمر به دولته، لكن شكوك السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بخصوص اتصالات وعلاقات أوليفانت حالت دون قبول العثمانيين للخطة.

من ثم كانت خطة البارون ادموند روتشيلد أحد أكبر أثرياء اليهود ممن قدموا دعما سخيا للحركة الصهيونية منذ نشأتها الأولى. إثر زيارة هذا الأخير إلى الأراضي الفلسطينية سنة 1887 واطلاعه على الأوضاع في شرق الأردن المجاور، كان قراره المضي قدما في خيار توسيع نشاطه الاستيطاني إلى خارج غرب الأردن (فلسطين) وبالتحديد إلى منطقة حوران شمال شرقي الأردن حيث الأراضي الزراعية الخصبة. من أجل هذا الغرض، قام روتشيلد بإجراء اتصالات مع روابط محبي صهيون في شرق أوروبا وفي روسيا لتشجيع اليهود وخاصة منهم الجنود المسرحين على الهجرة والاستيطان بشرق الأردن، لكن تعنت أغلب المهاجرين اليهود على التوجه للاستيطان هناك وعدم تحمس قادة الحركة الصهيونية لهذا المخطط دفعا البارون إلى التخلي تدريجيا عن طموحاته.

ما لاحظناه أيضا من خلال هذا الكتاب، هو أن جميع المقترحات والمخططات تتفق تقريبا حول العوامل المشجعة والمنفرة من الاستيطان في شرق الأردن، فقد ارتأى هؤلاء أن شرق الأردن يعتبر منطقة غير مأهولة سكانيا مقارنة بفلسطين وأن أسعار الأراضي هناك رخيصة ويمكن شراؤها من الدولة العثمانية بسبب حاجتها إلى المال والمساعدات الاقتصادية آنذاك، لكن في نفس الوقت كان كل أصحاب هذه المخططات متوجسين من المناخ غير الآمن للمنطقة وإمكانية تعرض المستوطنين لهجمات من قبل البدو.

هذه المخاوف تحولت إلى واقع وذلك بعد قيام الصهاينة في العشرية الأخيرة من القرن 19 بتأسيس مستوطنتين زراعيتين في وادي الزرقاء ومستوطنة «كفار أهودا» بالقرب من السلط، لكن مهاجمة البدو لمستوطنتي وادي الزرقاء وتدميرهما حيث أدى هجوم الأردنيين إلى دفع أهالي مستوطنة «كفار أهودا» إلى مغادرتها مما أدى إلى إجهاض المشروع وإنهاء الوجود الصهيوني بالكامل في شرق الأردن.

حتى بعد اشتعال الحرب العالمية الأولى وصدور وعد بلفور سنة 1917، تواصلت مساعي الصهاينة للاستيطانية بشرقي الأردن وذلك عبر اقتراح توسيع الحدود الشرقية لكيانهم حتى سكة الحديد الحجازية نظرا لأن فلسطين لم تكن لها حدود رسمية حتى ذلك الحين، لكن تعنت البريطانيين ورغبتهم في ترضية العرب آنذاك حسم المسألة إثر مؤتمر القاهرة في مارس 1921 عندما فصلت بريطانيا شرقي الأردن عن غربه ومنحت حكمه للهاشميين معلنة أن الشرق الأردني غير معني بوعد بلفور القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود.

أثر الجدل الذي صاحب هذا القرار البريطاني داخل أوساط الحركة الصهيونية، قرر الصهيوني الروسي زئيف جابوتنسكي الانشقاق عنهم وتأسيس حركة بيتار الشبابية سنة 1923 والتي وضعت ضمن أهدافها الأولى إقامة دولة إسرائيل على أرضها التاريخية التي تمتد على كل من أراضي فلسطين والأردن، هذه الحركة كانت شديدة الارتباط بإحدى أشهر العصابات الصهيونية وهي عصابة الإرجون التي اتخذت من خريطة فلسطين والأردن شعارا (كان يظهر حتى على ملصقاتها الدعائية) زاعمة أن تلك هي خريطة الدولة اليهودية التي تناضل من أجل إقامتها.

شعار عصابة الارجون

حتى بعد قيام الإمارة الأردنية الهاشمية سنة 1921، لم تكف إسرائيل عن محاولاتها لاختراق شرق الأردن في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، لكن هذه المرة من خلال الدبلوماسية الشعبية. فقد تم طرح مشاريع اقتصادية مشتركة (في مجال الطاقة والزراعة) على حكام الأردن سواء في غور الكبد سنة 1933 أو غور الصافي سنة 1934 (إنتاج غاز البوتاس)، أما أشهرها فكان مشروع المهندس الروسي روتنبرغ، حين تقدم هذا الأخير سنة 1921 بمشروع للبريطانيين يتمثل في إنشاء 14 محطة لإنتاج الطاقة الكهربائية على طول نهر الأردن وقد أفضى في آخر المطاف إلى إنشاء محطة الباقورة بين عامي 1926 و1932.

في سنة 1936، ومن أجل استغلال مياه نهر الزرقاء داخل شرق الأردن، اقترح روتنبرغ توطين اليهود شمال نهر الزرقاء مقابل منح الحكومة الأردنية مليون جنيه إسترليني، لكن وكسابقيه باء هذا المخطط بالفشل بسبب الرفض الشعبي الأردني واندلاع الثورة الفلسطينية سنة 1936.

بعد قيام دولة الاحتلال رسميا سنة 1948 وخوضها أول مواجهة عسكرية ضد الجيوش العربية، قامت إسرائيل بالاستيلاء على منطقة الباقورة لكن عسكريا هذه المرة وذلك في سنة 1950، ومن ثم تلاها احتلال الغمر في جنوب الأردن أثر عدوان عام 1967، أما أخطر المواجهات العسكرية التي خاضها الأردنيون ضد الغزاة الإسرائيليين فكانت تلك التي حصلت في ربيع 1968 وذلك إثر مهاجمة جيش الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات محافظة البلقاء الحدودية بهدف استنساخ نموذج هضبة الجولان السورية، لكن الصمود البطولي للجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين في أرض المعركة أسقط هذا المشروع وحال دون تحقيق أهدافه، ربما لو كتب لإسرائيل النصر في هذه المعركة لكان صار جيشها على مرمى حجر من العاصمة عمان (مضعفة الموقف التفاوضي الأردني) وعلى الأغلب إسرائيل كانت ستمد أطماعها إلى مناطق حدودية أخرى.

أطماعها في مصر

إلى الحدود الجنوبية لفلسطين المحتلة، لم تسلم بلاد الكنانة هي الأخرى من أطماع الصهاينة في أرضها وثرواتها وبحارها ومياهها. على الأرض، لم تختلف رؤية إسرائيل إلى سيناء عن رؤيتها للجولان السوري، فكلاهما يمكن أن يشكلا حاجزا طبيعيا تحمي به إسرائيل عمقها الحيوي من الأخطار الخارجية، وكلا المنطقتين يمكن استخدامهما كورقة ضغط في المفاوضات مع كل من مصر وسوريا في إطار ما عرف بنظرية الأرض مقابل السلام وذلك من أجل انتزاع اعتراف عربي رسمي بشرعية الكيان.

على غرار هضبة الجولان التي تمكن المسيطر عليها من أن يكون لاعبا محوريا في حوض نهر الأردن، تمنح السيطرة على شبه جزيرة سيناء لصاحبها دور اللاعب المحوري في الملاحة الدولية نظرا لإشرافها على كل من قناة السويس ومضيق تيران (الذي يعتبر مضيقا حيويا بالنسبة لإسرائيل) واطلالها على البحرين الأبيض المتوسط والأحمر.

مثلما في الحالة الشامية والأردنية، لم تكن فكرة احتلال واستيطان سيناء وليدة الخمسينات أو الستينات بل كانت وليدة السنوات الأولى للقرن العشرين، فبعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بازل السويسرية سنة 1897، كانت سيناء أو «فلسطين المصرية» إحدى المواقع المقترحة لإقامة وطن قومي لليهود فيها وذلك نظرا لرمزيتها الدينية أولا فسيناء هي الأرض التي كلم الله فيها موسي والتي تاه فيها اليهود 40 عامًا حسب التوراة، ولقربها الجغرافي من فلسطين ثانيا حيث ارتأى هرتزل أن سيناء (وعلى وجه الخصوص العريش) يمكن أن تشكل قاعدة انطلاق نحو التوسع إلى فلسطين شمالا، وذلك نظرا للصعوبات التي كانت تواجه الحركة الصهيونية على مستوى إقناع العثمانيين بالسماح لهم بالاستيطان أو إقامة حكم ذاتي لليهود في فلسطين.

عمليا، انطلقت المنظمة الصهيونية العالمية في مساعيها من أجل تسويق هذا المقترح لدى دوائر الحكم البريطانية عبر لقاءين، أحدهما جمع هرتزل بوزير المستعمرات البريطانية جوزيف تشمبرلين والآخر جمع الصحافي ليوبولد غرينبرغ بالمندوب السامي البريطاني بمصر اللورد كرومر في أواخر سنة 1902، وقد تمخض عن اللقاءين تأليف لجنة من الخبراء تعنى بدراسة إمكانية الاستيطان في القسم الشمالي من شبه جزيرة سيناء وذلك في يناير 1903.

في آخر المطاف، لم يحظ هذا المقترح بالدعم البريطاني لعدة أسباب، أولها عدم قبول العثمانيين بتأسيس دولة صهيونية تجاور فلسطين من الجنوب وتقع على مرمى حجر من الحجاز وأما ثانيها فهو تخوف البريطانيين من اندلاع ثورة شعبية في مصر بسبب النقص الذي سيحدثه نقل مياه النيل إلى سيناء لتغذية المستوطنات الصهيونية هناك.

بعد إعلان قيامها سنة 1948، شنت إسرائيل حربين للسيطرة على سيناء، حيث كانت الأولى في اطار العدوان الثلاثي سنة 1956 والتي لم تدم إثرها سيطرة إسرائيل على شبه الجزيرة الا لبضعة أشهر، بينما كانت الثانية في إطار حرب الستة أيام سنة 1967 والتي دامت إثرها سيطرة إسرائيل هذه المرة لسنوات وبالتحديد إلى غاية العام 1979 عندما تم توقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام.

خلال 12 عامًا من تواجدها بسيناء، لم تكتف إسرائيل باحتلالها العسكري للمنطقة، بل راحت ترسي دعائم مشروعها الاستيطاني هناك أين أقامت 21 مستوطنة كان أكبرها التجمع الاستيطاني بإقليم ياميت بالقرب من رفح، حيث كان من المخطط أن تكون ياميت ثالث أكبر مدينة ساحلية في إسرائيل بعد تل أبيب وحيفا وأن تضم ربع مليون نسمة بحلول بدايات القرن الواحد والعشرين، لكن إبرام معاهدة السلام مع مصر أنهى هذا المشروع وتم تدمير كافة المستوطنات قبل تسليم سيناء للمصريين.

من جهة أخرى، نهر النيل لم يسلم أيضا من أطماع الإسرائيليين التي ترافقت أولاها مع مشروع هرتزل لاستيطان سيناء سنة 1903 عندما تضمن اقتراحه لاستيطان العريش بسيناء نقل مياه النيل اليها عبر أنبوب كبير يمر تحت قناة السويس وذلك نظرا لندرة المياه بشبه الجزيرة. هذه الطموحات الصهيونية تجددت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عبر طرح مشاريع من قبل خبراء ومهندسين كان أولها مشروع «اليشع كالي» الذي يهدف إلى نقل 1 بالمائة من مياه النيل سنويا عبر أنابيب تمر تحت قناة السويس لتزويد المستوطنات الإسرائيلية في النقب، غزة والضفة الغربية بها، وثانيها هو مشروع أرلوزروف 1977 الذي تضمن شق 6 قنوات تحت قناة السويس لنقل 150 مليون متر مكعب من مياه النيل نحو ضفته الشرقية في سيناء ومن ثم عبر أقنية فرعية إلى النقب بجنوب فلسطين المحتلة.

من المفارقات الغريبة أن هذه المخططات الإسرائيلية وجدت لها آذانا صاغية لدى دوائر الحكم في مصر سواء في عهد السادات أو عهدي مبارك والسيسي، ففي عهد الأول طرح مشروع زمزم الجديد سنة 1979 لإيصال مياه النيل إلى إسرائيل مقابل حل مشكلة القدس لكن المشروع مات بموت السادات بعد عامين. أما عمليا، مشاريع نقل مياه النيل إلى سيناء بذريعة تنميتها واستصلاح أراضيها ما زالت تجري على قدم وساق منذ عهد مبارك فيما عرف بمشاريع ترعة السلام وسحارة سرابيوم.

وتتكون سحارة سرابيوم التي تمر تحت قناة السويس من 4 أنفاق (طولها 420 مترا) تقوم بنقل المياه إلى الضفة الشرقية للقناة، وقد أضاف اليها السيسي نفقين افتتحا في هذا العام، مما دفع بعض الخبراء والمحللين إلى اتهام نظامه بأنه لا يسعى إلى تنمية سيناء التي بقيت منطقة محرومة وغير مأهولة سكانيا منذ تحريرها من إسرائيل، وانما الهدف هو استكمال مد ترعة السلام شرقا وايصالها للأراضي الفلسطينية المحتلة في اطار تسوية رسمية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي التي صارت تعرف اليوم بـ«صفقة القرن».

ختامًا، يمكن الاستخلاص مما قرأناه آنفا بأن إسرائيل لم تكن يوما ملاكا أو حمامة سلام تمد بغصن زيتون إلى جيران فلسطين أو ما يعرف بدول الطوق العربي، فقد وضع الصهاينة منذ اليوم الأول الخطط والاستراتيجيات الكفيلة بإضعاف وإخضاع جيرانهم وضمان تفوقهم عليهم. في المقابل، لم يخرج التعاطي الرسمي العربي مع قضية فلسطين من دائرة التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم مساكين نمن عليهم بالمساعدات لا بوصفهم شركاء في حماية الأمن القومي العربي، ولم يتم اعتبار الاستثمار في مقاومتهم بمثابة الاستثمار في خط الدفاع الأول عن الأمة ضد مشروع كولونيالي يهدد المنطقة بأسرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد